الدرس في التعليق على الجواب الكافي 181، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الإمام ابن القيم قصة زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة، وكيف تولى الله العقد بنفسه. كانت زينب تفخر على نساء النبي بزواجها بأمر الله تعالى.
يشرح المقطع الحكمة من زواج النبي من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد، وهي إبطال عادة التبني وإظهار جواز الزواج من زوجة المتبنى بعد طلاقها.
يتناول المقطع حكمة الله في جعل النبي يحب النساء ليكون قدوة للمسلمين، ويشرح بعض القصص والآراء الفقهية حول الاستمتاع بالسبايا وتقبيلهن قبل الاستبراء.
يفصل المقطع الفرق بين الأمة المسبية والمشتراة من حيث أحكام ملكيتها واستمتاع الرجل بها، مشيراً إلى أن ملكية المسبية لا تنفسخ بخلاف المشتراة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما قصة زينب بنت جحش، قال: فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فراقها، وهو يأمره بإمساكها. فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيفارقها ولا بد، فأخفى في نفسه أنه يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج زوجة ابنه، فإنه كان تبنى زيدا قبل النبوة. والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده. فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه، أرسل إليها يخطبها لنفسه. فجاء زيد واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فناداها من وراء الباب: يا زينب، إن رسول الله يخطبك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤمر ربي، أنا حتى أستخير ربي. وقامت إلى محرابها فصلت. فتولى الله عز وجل نكاحا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، وعقد النكاح له من فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك. فلما قضى زيد منها وطرا ﴿زوجناكها﴾، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوقته فدخل عليها. معنى أن الله عز وجل زوجه زينب، فدخل عليها بغير أمر، معنى بدون أن يستأذنها، لأن الله عز وجل قد عقد عليها نكاحا. وهذا شرف عظيم لزينب. قال: فكانت تفخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وتقول: أنتن زوجكن أهلكن، وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سماوات. هذه القصة لخصها الإمام ابن القيم رحمه الله من عدة روايات، أن بعضها موجود في سنن ابن ماجة، وبعضها موجود في مسلم، وبعضها أيضا أصل القصة موجود في البخاري ومسلم، لكن هذه الصيغة الظاهر أن الإمام ابن القيم ذكر عدة روايات وكلها صحيحة. لما استشار زيد النبي صلى الله عليه وسلم في فراقها، وجاء بذلك القرآن، لما قال الله عز وجل: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾. فقال ابن عباس ومجاهد: لو كان النبي عليه الصلاة والسلام أخفى شيئا من القرآن لأخفى هذه الآية. لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حاشاه، صلوات الله وسلامه عليه، وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، لو أنه أراد أن يخفي شيئا لأخفى هذه الآية. لكن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ كل ما جاء به ربه جل وعلا. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾، هذا الشيء لم يخبر به أحد النبي عليه الصلاة والسلام، وكان في نفسه أنه يريد أن يتزوج زينب لما أراد زيد أن يفارقها، لكن خشي أن الناس يتكلمون وأنه تزوج زوجة ابنه لأنه تبناه أو لأن زيدا كان يسمى ابن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية. ثم أن الله عز وجل أبطل هذا التبني، وفي هذا أيضا أراد الله عز وجل أن يشرع لعباده أن زوجة الابن بالتبني لا تعتبر محرما لهذا الذي تبنى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، حتى يخرج الابن الذي يكون بالتبني. وفي هذه الحادثة أيضا زوج الله عز وجل رسوله من امرأة كانت زوجة لمولاه. فقال: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾. فلما قضى زيد منها وطرا ﴿زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾. قال: فزوجناكها، يعني هذا كان من الله عز وجل، فربنا جل وعلا العظيم زوج نبيه عليه الصلاة والسلام زينب. وهذه مفخرة عظيمة، ولهذا كانت زينب تفتخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام، فتقول: زوجكن أهلكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وهذا في الصحيحين. قال: ولا ريب أن النبي عليه الصلاة والسلام حبب إليه النساء، كما في الصحيح من حديث أنس. ورواه النسائي في السنن، يتبرهن في الأوسط عنه صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة». لكن في هذه الدنيا حبب إلى النبي صلى الله عليه وسلم الطيب والنساء. فاستدل بهذه القصة الإمام ابن القيم على أن الإنسان إذا أحب امرأة فليس له بد من دواء هذه المحبة، وداء هذا العشق، أنه يتزوجها، فتنطفيء هذه المحبة أو يذهب ما يكون فيه من فعل الحرام. فإذا تزوج فإنه سد هذا الباب الذي قد يدخله في الحرام والعياذ بالله. قال: فحبب الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام النساء حكمة منه سبحانه وتعالى. فلو أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان من أعبد الناس، وكان أيضا من أتقى الناس وأرجاهم إلى ربهم، وكذلك أيضا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس مناجاة لربه. فلو أنه مشى على هذا الباب وعلى هذا المنوال لكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يلتفت إلى النساء. لكن جعله الله عز وجل يحب النساء لأنه قدوة عليه الصلاة والسلام، وهذه النساء جبلة جعلها الله عز وجل في قلوب الرجال. فلهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان فيه هذا. وانظر إلى العباد الذين أكثروا في العبادة تجد أنهم ينصرفون عن النساء ويبتعدون عن النساء. قال: وهذا داود عليه السلام كان عنده تسع وتسعون امرأة، فحب تلك المرأة وتزوجها فكمل المئة. وهذه القصة باطلة، والإمام ابن القيم رددها هنا أكثر من مرة، وهي قصة باطلة على نبي الله داود، وهي من دسائس اليهود. قال: وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه، قال: «عائشة». وهذا الحديث في الصحيحين. لما سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه. وقال عن خديجة: «إني رزقت حبها». وهذا أيضا في مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. قال: فمحبة النساء من كمال الإنسان. قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرهم نساء. وقد ذكر الإمام أحمد أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة. قال عبد الله: فما صبرت عنها حتى قبلتها والناس ينظرون إلي. وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع بالمسبية قبل الاستبراء بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة. أما الوطء لا يجوز لأن النبي عليه الصلاة والسلام وجد امرأة حاملا عند خيمة من خيام المسلمين، فقال: «ما لهذا؟ يريد أن يلم بها». لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يحل له أن يسقي ماء غيره؟ فلهذا قال العلماء: لا يجوز وطء الحامل، وهذا بالإجماع لا يجوز وطء الحامل المسبية. وإذا كانت غير حامل لا بد أن يستبرأها قبل أن يطأها، ولا يجوز له أن يطأها أبدا، وهذا بإجماع العلماء. لكن اختلفوا في الاستمتاع بغير الوطء. فأجازه الإمام محمد رحمه الله في رواية مشهورة عنه. قال: والفرق بينهما أنه لا يتوهم من فسخ الملك في المسبية، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها الملك. فيكون مستمتعا بأمة غيره.