الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 508، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مشروعية صلاة ركعتين بعد الوتر مستندا إلى حديث نبوي، بينما يبين المقطع الرابع صفة صلاتهما. هناك أحاديث أخرى في صحيح مسلم تدعم هذه المشروعية.
اختلف العلماء في حكم صلاة ركعتين بعد الوتر بين القول بالنسخ والقول باستحباب صلاتها أحيانا، واستدلوا بأحاديث مختلفة وأقوال الصحابة والتابعين.
يشرع للمسلم صلاة ركعتي الطواف جالسا إن شاء، والأفضل أن يقرأ في الأولى سورة الزلزلة وفي الثانية سورة الكافرون كما فعل النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الصمد، وهو عبد الوارث بن سعيد التنوري، قال: حدثني أبي، وهو عبد الوارث بن سعيد التنوري، كان من أحفظ الناس لحديث أيوب السختياني، وكان شيخا يثني عليه جدا في حفظه، وكان يقول بالقدر، ذكره أكثر من واحد من أهل العلم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، أنه كان يقول بالقدر، لكنه ما كان يدعو إليه. قال: حدثنا عبد العزيز، يعني ابن صهيب، وهو البناني البصري، عن أبي غالب، وأبو غالب أزهر، وهو بصري كذلك، عن أبي أمامة، وصدي بن عجلان، ويعتبر في الشاميين، نزل الشام ومات بها، قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصليهما بعد الوتر، وهو جالس، يقرأ فيهما ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾. قال: هذا حديث حسن. وهذا الحديث فيه مشروعية الركعتين بعد الوتر، الركعتين اللتين بعد الوتر، في هذا الحديث أنهما يقرأ فيهما ﴿إذا زلزلت الأرض﴾، وكذلك ﴿قل يا أيها الكافرون﴾. وهاتان الركعتان جاءت فيهما عدة أحاديث في مشروعيتهما، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم، في حديث عائشة رضي الله عنها، لما ذكرت صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثلاث عشرة ركعة، قالت: فكان إذا أوتر، صلى ركعتين وهو جالس، أي: بعد الوتر صلى ركعتين وهو جالس، فدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يصليهما. بل جاء في حديث ثوبان العمر بهما، فجاء عند الدارمي بإسناد صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن هذا السفر جهد»، وقال الإمام الدارمي: وعندي السهر، عن رواية عباد بن عوام: «إن هذا السفر جهد». فالإمام الدارمي كأنه يرى أن عبادا أخطأ، وأن الحديث «إن هذا السهر جهد». وجاء في لفظ ما يدل على أنه أراد السهر: «إن في هدأة الليل»، لكن ليس هذا المقصود. فحديث ثوبان قال: «إن هذا السفر جهد، فإذا أوتر أحدكم، فليصل ركعتين قبل أن ينام، فليصل ركعتين قبل أن ينام»، قال: «تكفيه بصلاة»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهما أن يصلى ركعتين بعد الوتر. ولهذا اختلف العلماء في هاتين الركعتين في مشروعيتهما، فمن أهل العلم، وهم جمهور العلماء، من يقول: إن هاتين الركعتين منسوختان، وهذا قول مالك، ورواية مشهورة عن أحمد، أنه لا يصلى ركعتين بعد الوتر، لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، عن جماعة من الصحابة، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «اجعلوا آخر صلاتكم وترا، اجعلوا آخر صلاتكم وترا»، من أحب أن يصلي ثلاثا فليصل، ومن أحب أن يصلي ركعة فليصل، فاجعلوا آخر صلاتكم وترا. فدل على أن آخر الصلاة تكون وترا بعمر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا أنكر الإمام مالك هاتين الركعتين، وكذلك قال الإمام محمد: لا أصليهما. شاء الإمام محمد أنه قال: لا أصليهما، أي: أنه لا يعتبرهما مشروعتين. وجاء عن جماعة من أهل العلم باستحباب صلاتها أحيانا، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله، على أنه مذهب للشافعي، يصليها أحيانا. وهذا الذي رجحه جماعة من أهل العلم، كالشيخ الألباني وغيره. ولم يعارض، أو لم تعارض هاتين الركعتين، حديث «اجعلوا آخر صلاتكم وترا»، لأن هذه بعد الوتر، كما قال الشيخ الألباني: هي مثل تحية الوتر، أو مثل راتبة الوتر، في الصلوات الخمس، أكثرها لها رواتب، إما بعدية أو قبلية. قال: وهذه تعتبر راتبة للوتر، فإذا صلى الوتر، ركع ركعتين. وذهب جماعة إلى أن هاتين الركعتين تشرعان لمن قام الليل، لمن قام الليل، على كلام الإمام الدارمي: «إن هذا السهر جهد»، أن إذا سهر أحد في الصلاة أو في الليل، فإنه يصلي ركعتين. وهذا يحتاج إلى أكثر أدلة تدل على هذا. والمهم أنه رجح الإمام النووي وغيره، أن هاتين الركعتين لا يشرعان دائما، وإنما يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا. وقول عائشة رضي الله عنها: «كان يصلي ركعتين بعد الوتر»، رجح أيضا النووي وغيره، أن «كان» هنا لا تدل على الاستمرار. وقد جاءت فيها أحاديث كثيرة، بقول الصحابة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا»، ولا يريد الاستمرار بفعله. لكن هذا مسلم في مثل هذا الحديث، حديث أبي أمامة، وأيضا حديث عائشة. لكن الإشكال في حديث ثوبان، أنه أمر بهما. لكن أيضا في حديث ثوبان، أمر بهما إذا كان في سفر، معنى على رواية السفر، وإن كان في سهر في ليل، تدل على إذا سهر الشخص في الليل، وخاف أن لا يقوم، فليصل ركعتين، فإن قام وإلا اكتفى بهما، فإن قام من الليل وإلا كانت كفاية لصلاة. وخلاصة الأمر أن هاتين الركعتين مشروعتان، يصليهما الشخص أحيانا، وحينا يختم حتى يكون آخر صلاة وترا، أو يجعلهما كما قال الشيخ الألباني: راتبة للوتر، راتبة للوتر، فآخر صلاة وتر، لكن هذه راتبة له. ويقرأ فيهما، وأيضا السنة أن يصليهما وهو جالس، هكذا جاءت في حديث عائشة، وفي حديث أبي أمامة، وجاء أيضا من حديث أنس، أنه كان يصليهما وهو جالس، ولم يأت خلاف هذا. فلهذا تشرع صلاة الركعتين، أو تصلى مع جلوس، أن يصليهما وهو جالس، فإن قام فلا شيء في ذلك، لكن الأفضل أن يصليهما وهو جالس، كما صلاها النبي عليه الصلاة والسلام، ويقرأ فيهما، في الركعة الأولى ﴿إذا زلزلت الأرض﴾، وفي الركعة الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾. فهذا ما يشرع في هاتين الركعتين، وما جاء فيهما. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.