الدرس في التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 62، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف هذا المحور التوكيد باعتباره آخر التوابع في النحو، ويبيّن انقسامه إلى قسمين رئيسيين: التوكيد اللفظي بإعادة اللفظ بعينه، والتوكيد المعنوي بألفاظ مخصوصة كالنفس والعين وكل، مع اشتراط اتصال المعنوي بضمير مطابق للمؤكد.
يفصّل هذا المحور أحكام ألفاظ التوكيد اللفظي (النفس، العين، كل، جميع، عامة، كلا، كلتا)، مبيناً قاعدة مطابقة المؤكد في الإفراد والتثنية والجمع، حيث تفرد النفس والعين مع المفرد وتجمع مع المثنى والجمع، بينما تختص كلا وكلتا بتوكيد المثنى.
يتناول هذا المحور أنواع التوكيد بأجمع وجمع وتوابعهما مع بيان إعرابها تبعاً للمؤكد، ويعرض خلاف النحويين في جواز توكيد النكرة المحدودة، ليختتم الدرس بإرجاء استكمال مباحث البدل إلى الدرس القادم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال: باب التوكيد، فهو آخر التوابع. قال: والتوكيد ضربان، يعني نوعان: لفظي ومعنوي. فاللفظي: إعادة اللفظ الأول بعينه، يعني نفس اللفظ الأول، سواء كان اسمًا نحو: جاء زيدٌ زيدٌ. فتقول: جاء في علم الإعراب: الزيد الأول فاعل، وزيد الثاني توكيدٌ بزيد الأول، فهو مرفوع مثله. رأيت زيدًا زيدًا: أيضًا توكيد، هنا الثاني منصوب. مررت بزيدٍ زيدٍ: أيضًا هنا توكيد مجرور. فقد يكون التوكيد اللفظي اسمًا أو فعلًا نحو: أتاك أتاك اللاحقون، احبسي احبسي. وأول البيت: فأين إلى أين النجاة ببغلتي / أتاك أتاك اللاحقون احبسي احبسي. ومعنى البيت: يعني يقول: أين أهرب ببغلتي؟ والبغل هي ما هُجن من الحمار والحصان، يقال له بغل. ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ [النحل: 8]. فهو يقول: أين أنجو وقد أتاك أيها المتكلم؟ الصواب أنه بالفتح: أتاك، وقد أتاك اللاحقون، أي: من يجري خلفك. ولذلك قال: احبسي احبسي، يعني: احبس نفسك، لا تتحرك من مكان. فـ "أحبس" هنا فعل أمر مبني على السكون، وإنما كُسر لوزن البيت. "احبسي" ليس هنا يخاطب المؤنثة، إنما يخاطب نفسك. "احبس احبس" أصله: احبس احبس. الشاهد: أتاك أتاك. "أتاك" الأولى فعل ماضٍ، و"أتاك" الثانية توكيد للفعل الأول، واللاحقون فاعل للفعل الأول. أما الفعل الثاني (التوكيد) فلا فاعل له؛ لأنه أتي به فقط لمجرد التوكيد، فلا فاعل له. أما "احبس احبسي" فهو من باب توكيد الجملة؛ لأن "احبسي" فيها فاعلها مستتر، و"احبسي" الثانية فيها فاعلها مستتر. فالشاهد فقط هو... يعني الشاهد: توكيد الفعل، وهو الفعل الأول: أتاك أتاك. الفعل الثاني من "أتاك" هذا توكيد. أما "احبس احبسي" فهو من باب توكيد جملة بجملة، مثل ما تقول: ضرب خالدٌ ضرب خالدٌ، هنا توكيد جملة بجملة. صح. لكن لو قلنا: ضرب ضرب خالد، هنا من باب توكيد فعل؛ لأن "خالد" هذا الفاعل إنما هو فاعل الفعل الأول، أما الفعل الثاني فلا فاعل له. فهمتم هذا الآن؟ وهذا يفيدنا أن التوكيد قد يكون في الاسم، وقد يكون في الفعل، وقد يكون في الجملة. قد تؤكد جملة كاملة إذا أتيت بها كاملة بفاعلها ومفعولها وما يتعلق بها، فهنا يكون من باب توكيد الجملة بالجملة. من باب توكيد الجملة بالجملة. قال: أو حرفًا، نحو قوله: لا لا أبوح بحب بثينة / إنها أخذت علي مواثيقا وعهودا. والبيت واضح: يعني يقول: لا أستطيع أن أظهر... "أبوح" يعني أظهر وأفشي حب بثينة، وبثينة هي معشوقته ومحبوبته، وما يسمى بجميل بثينة. جميل بثينة وبثينة إنما هو من باب الوزن. قال: إنها أخذت علي مواثيقا وعهودا، يعني: أخذت علي المواثق أنني لا أظهر ولا أفشي سرها. نعم. الشاهد: "لا لا" هنا من باب التوكيد اللفظي في ماذا؟ في الحرف. من باب التوكيد اللفظي في الحرف. فلا هنا كرر "لا" مرتين. قال: أو جملة، نحو: ضربت زيدًا ضربت زيدًا. هذا توكيد جملة؛ لأن الجملة الثانية ذكرت كاملة. طيب. يقوم من باب توكيد الجملة. هذا هو التوكيد اللفظي. قال: والمعنوي: هذا النوع الثاني، وله ألفاظ معلومة، يعني ألفاظ محصورة تحفظ ولا يقاس عليها. تحفظ ولا يقاس عليها. قال: وألفاظ معلومة وهي: النفس، والعين، وكل، وجميع، وعامة، وكلا، وكلتا. والنفس: يعني مثلاً: جاء زيدٌ نفسه. هذا يسمى النفس. والعين: جاء زيدٌ عينه. عينه بمعنى نفسه؛ لأن العين جزء من النفس، وهو من باب... يعني ذكر الجزء ويراد به الكل. ذكر الجزء ويراد به الكل. قال: ويجب اتصالها بضمير مطابق للمؤكد. لماذا؟ ليحصل الربط بين التابع والمتبوع. فلابد من وجود ضمير يعود على المؤكد بفتح الكاف: المؤكد (معنى مؤكد) ومؤكد. فالمؤكد الذي هو الأول، والمؤكد الذي هو الثاني. فيجب اتصاله بضمير مطابق للمؤكد. يعني هذه الألفاظ التي هي من ألفاظ التوكيد لابد أن يكون فيها ضمير يعود على المؤكد، يعني اللفظ الأول الذي تم تأكيده. مثاله: جاء الخليفة نفسه أو عينه. والفائدة من التوكيد: رفع التوهم. رفع التوهم؛ لأنك لو قلت مثلاً: جاء الخليفة، فيحتمل أنه جاء حارس الخليفة أو وزير الخليفة أو سيارة الخليفة. فلما تقول: جاء الخليفة نفسه، ترفع هذه التوهمات جميعا وتؤكد أن الذي جاء هو الأمير بلحمه وشحمه وعظامه، جاء هو نفسه. واضح. فالفائدة من التوكيد هو رفع التوهم. ومثله: عينه. قال: ولك أن تجمع بينهما، يعني تقول: جاء الخليفة نفسه عينه، بدون حرف عطف، فيكون معنا توكيدان: الأول النفس، والثاني العين. فتقول: جاء الخليفة نفسه عينه. قال: ولك أن تجمع بينهما بشرط أن تقدم النفس. يعني تقول: نفسه عينه، ولا يجوز أن تقول: جاء الخليفة عينه نفسه. لماذا قالوا؟ لأن الجزء لا يقدم على الكل. فلو قلت: جاء الخليفة عينه نفسه، قدمت الجزء على الكل، وهذا لا يجوز. فأولاً تقدم الكل ثم تأتي به: النفس، ثم تأتي بالجزء. فلذلك لا يصح أن تقول: جاء الخليفة عينه نفسه، وإنما تقول: جاء الخليفة نفسه عينه. قال: ويجب إفراد النفس والعين مع المفرد، وجمعها على أفعل مع المثنى والجمع. تقول: جاء الزيدان أنفسهما أو أعينهما، وجاء الزيدون أنفسهم أو أعينهم. معنى كلامه هذا: أنه إذا كان المؤكد مفردًا فإنك تفرد النفس والعين. تقول: جاء زيدٌ نفسه. نفسه مفرد، عينه مفرد. طيب. إذا كان المؤكد مثنى أو جمعًا: إذا كان مثنى لا تثني التوكيد. التوكيد لا تثنيه، بل تجعله جمعًا على وزن أفعل. تجعله جمعًا على وزن ماذا؟ أفعل. فتقول: جاء الزيدان أنفسهما. "أنفس" جمع "نفس". صح. "أنفس" جمع "نفس". مع أن المؤكد هنا ماذا؟ مثنى. فلا تثنيه. تقول مثلاً: جاء الزيدان نفساهما. لأن المثنى "نفسان"، فعند الإضافة تحذف النون فيكون المثنى "نفساهما". صح. "نفساهما". فلا تثني، وإنما تجمع على وزن أفعل: أي "أنفس" و"أعين". جاء الزيدان أنفسهما وأعينهما. وكذلك إذا كان المؤكد جمعًا: إذا كان المؤكد جمعًا كذلك تجمع التوكيد على أفعل. فتقول: جاء الزيدون أنفسهم وأعينهم. طيب. قال: وكل، وجميع، وعامة: يؤكد بها المفرد والجمع، ولا يؤكد بها المثنى. لأن المثنى جاء في توكيده لفظان خاصان وهما: "كلا" و"كلتا". هذان اللفظان خاصان بالمثنى، فلا يؤكدان... أو فلا يؤكد المثنى بغيرهما. لا يؤكد المثنى بغيرهما. وأما المفرد والجمع فيجوز كذلك أن يؤكد بهما... بكل، وجميع، وعامة. تقول: جاء الجيش كله. الجيش هنا مفرد، جيش واحد، ليس جيشين. فهنا أكد بماذا؟ بكل. أكد بكل. فيجوز أن تقول: جاء الجيش كله، أو جميعه، أو عامته. كل ذلك جائز. وجاءت القبيلة كلها، أو جميعها، أو عامتها. والقبيلة أيضًا مفرد، يجوز ذلك. قال: وجاء الرجال... هذا جمع: كلهم، أو جميعهم، أو عامتهم. وجاءت النساء: كلهن، أو جميعهن، أو عامتهن. هذا أيضًا للجمع. قال: وكلا وكلتا: يؤكد بهما المثنى. نحو: جاء الزيدان كلاهما، وجاءت الهندان كلتاهما. فتقول: جاء في علم الإعراب: الزيدان فاعل، وكلا توكيد للزيدان، وهو مرفوع مثله. علامة رفعه الألف. لأن القاعدة عندنا لو تذكرون: أن كلا وكلتا إذا أضيفتا إلى الضمير أعربتا إعراب المثنى، وإذا أضيفتا إلى الاسم الظاهر أعربتا إعراب الاسم المقصور الذي آخره ألف. فتكون... يكون الإعراب على الألف. تذكرون هذا في كلا وكلتا؟ فإذا أضيف كلا وكلتا إلى الضمير أعرب إعراب المثنى. فتقول: جاء الزيدان كلاهما، ورأيت الزيدين كليهما، ومررت بالزيدين كليهما. واضح هذا الآن. قال: وجاءت الهندان كلتاهما. "كلتاهما" فتقول: كلتا توكيد للهندان، فهو مرفوع مثله. علامة رفعه الألف، ومضاف، والهاء مضاف إليه. قال: وإذا أريد تقوية التأكيد فيجوز أن يؤتى بعد كله بأجمع، وبعد كلها بجمع، وبعد كلهم بأجمع، وبعد كلهن بجمع. يعني من باب التوكيد، يعني زيادة توكيد المؤكد. فيجوز بعد "كل" أن تأتي بـ "أجمع". فتقول: جاء القوم مثلاً... كل... تقول: نعم، أكلت الرغيف كله أجمع. كله أجمع. واضح. واضح. وتقول كذلك: إن كسر الزجاج كله أجمع. يجوز هذا أن تجمع بين "كل" و"أجمع" من باب زيادة وتقوية التوكيد. وبعد "كلا" تأتي بـ "جمعاء": أكلت الخبزة كلها جمعاء، وإن كسرت الخبزة كلها جمعاء. واضح هذا الآن. وبعد "كلهم" بـ "أجمعين": جاء القوم كلهم أجمعون، ورأيت القوم كلهم أجمعين. وبعد "كلهن" بـ "جمع": مررت بالنساء كلهن جمع، أو تقول: جاء النساء كلهن جمع، أو رأيت النساء كلهن جمع. واضح. ثم ذكر أمثلة: قال الله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [الحجر: 30 / ص: 73]. فـ "الملائكة" فاعل، و"كلهم" توكيد للملائكة، توكيد معنوي للملائكة، فهو مرفوع مثله. و"أجمعون" توكيد ثانٍ للملائكة، فهو أيضًا مرفوع على تقدير رفع الواو لأنه جمع. ويقال: جاء الجيش كله أجمع. فالجيش فاعل، وكله توكيد أول، وأجمع توكيد ثانٍ للجيش من باب التقوية. والقبيلة كلها جمع: "جمع" أيضًا توكيد ثانٍ، و"كل" توكيد أول للقبيلة. والنساء كلهن جمع: أيضًا "كلهن" توكيد أول، و"جمع" توكيد ثانٍ. قال: وقد يؤكد بـ "أجمع" و"جمع" و"أجمعين" و"جمع" بدون "كل". يعني قد يستقل التوكيد بـ "أجمع" و"جمع" و"أجمعين" و"جمع" ولو لم تتقدمها "كل". ولو لا تتقدمها "كل". ﴿ نَحْلُ أَغْوَيْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 39 / ص: 82 / الحجر: 42؟]. "أجمعين" هنا توكيد لماذا؟ "أجمعين" توكيد للضمير "الهاء" اللي هو مفعول به. طيب. فأجمعين هنا توكيد له، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء. وهل جاء قبل "أجمعين" "كل"؟ لا. فهذا يجوز. قال: وقد يؤتى بعد "أجمع" بتوابعه، وهي: "أكتع" و"أبصع" و"أبتع". وهذه الأربع الكلمات تدل على الجمع كلها، معناها معنى الجمع والاجتماع. الجمع والاجتماع فهي بمعنى "أجمع". قال: نحو: جاء القوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون. فتقول: "كلهم" توكيد، و"أجمعون" توكيد، و"أكتعون" توكيد، و"أبصعون" توكيد، و"أبتعون" توكيد. كل هذا من باب مؤكدات. ورأيت القوم كلهم أجمعين أكتعين أبصعين أبتعين. يجوز هذا أيضًا. فهو مثل "أجمعون" يعرب بإعراب الجمع: بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا. واضح. قال: ومعنى واحد، وهو معنى الاجتماع، وكذلك الكثرة. ولذلك لا يعطف بعضها على بعض؛ لأن الشيء الواحد لا يعطف بعضه على بعض. يعني ما تقول: جاء القوم أجمعون وأكتعون وأبصعون... لا، بدون واو. فهو يكون من باب التوكيد لأن معناها واحد. لأن معناها واحد. قال: والتوكيد تابع للمؤكد في رفعه ونصبه وخفضه وتعريفه. يعني يتبعه في خمسة... من اثنين؟ صح. لكن اختلفوا: هل يتبعه... هل يأتي التوكيد نكرة؟ هذا فيه خلاف بين البصريين والكوفيين. فلذلك قال: ولا يجوز توكيد النكرة عند البصريين. فلا يجوز أن تقول مثلاً: جاء... أو أكلت خبزة مثلاً كلها. قالوا: ما يصلح هذا. طيب. ما يصلح ذلك. هذا البصريون. والكوفيون يفصلون فيقولون: يجوز توكيد نكرة المحدودة. هي نكرة لكنها محدودة: مثل يوم، مثل ليلة، مثل شهر. هذه محدودة. طيب. فقالوا: يجوز أن تقول مثلاً: صمت شهرًا مثلاً... صمت شهرًا كله. مثلاً قالوا: يجوز ذلك. واستدلوا بأبيات من الشعر، منها: يا ليت عدة حول كله رجب / كله رجب. يعني "كله" هنا توكيد لـ "حول". الحول بمعنى السنة. وحول نكرة هنا: "عدة حول". حول نكرة. فقالوا: هنا جاز لأن النكرة هنا محدودة. فإذا كانت النكرة محدودة عند الكوفيين فلا بأس أن تؤكد. وابن هشام يؤيد هذا القول، وهم من المحققين، ويقول: أن هذا المذهب هو الصحيح، أي مذهب الكوفيين. فيكون الصواب أن التوكيد أيضًا يتبع المؤكد في تنكيره، لكن بشرط أن يكون المؤكد نكرة محدودة. نكرة محدودة. واضح هذا الآن. طيب، نكتفي بهذا. وبهذا نكون قد انتهينا من التوكيد. وآخر التوابع هو ماذا؟ البدل. إن شاء الله نأخذه في الدرس القادم بإذن الله.