الدرس في التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 69، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف المقطع التعجب لغةً واصطلاحاً، ويستعرض صيغة «ما أفعل» نحو «ما أحسن زيدًا» مبيناً إعرابها: «ما» مبتدأ بمعنى شيء عظيم، و«أفعل» فعل ماضٍ وفاعله مستتر، والاسم المنصوب مفعول به، والجملة خبر «ما»، مع ذكر قصة أبي الأسود الدؤلي لضبط الفتحة تمييزاً عن الاستفهام.
يشرح المقطع الصيغة الثانية للتعجب «أفعل بزيد» وأصلها «أفعل زيد» بمعنى صار ذا صفة، ثم تحويلها للأمر وإضافة الباء للفاعل لاستقبح إسناد الأمر للظاهر، مبيناً أن الباء زائدة و«زيد» فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر، مستشهداً بقوله تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
يؤكد المقطع معاملة «زيد» كفاعل مرفوع بضمة مقدرة على السكون منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الباء الزائدة، ويخلص إلى حصر صيغ التعجب في صيغتين، مختتماً بذلك الدرس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال: باب التعجب، وله صيغتان. هذا التعجب في اصطلاح النحاة، وإلا فالتعجب في اللغة أعم من التعجب في الاصطلاح. فمن التعجب في اللغة مثلاً: التكبير، أو قول: سبحان الله. تعجب: «سبحان الله، المؤمن لا ينجس». هذا تعجب، لكن تعجب في اللغة، ليس في الاصطلاح. طيب، «لله دره مجاهداً»، هذا أسلوب تعجب أيضاً، لكن هذا في اللغة، ليس في الاصطلاح. أما الاصطلاح فالتعجب عند أهل النحو له صيغتان. التعجب عند أهل النحو له ماذا؟ صيغتان. الإحداهما: «ما أفعل زيدًا»، نحو: ما أحسن زيدًا، وما أفضله، وما أعلمه. فـ «ما» مبتدأ بمعنى شيء عظيم، و«أفعل» فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوباً يعود إلى «ما»، والاسم المنصوب المتعجب منه مفعول به، والجملة خبر «ما». «ما أحسن زيدًا»، «ما أحسن زيدًا». بسبب مثل هذا المثال، قل لي: فنحه؟ قيل: إن أبا الأسود الدؤلي كان على سطح بيته في ليلة مظلمة، وكانت عنده ابنته، فقالت ابنته: «ما أحسن السماء!». فقال لها: «الله». قالت: «ما عن هذا أسأل، إنما أتعجب». فقال لها: «قولي: ما أحسنَ السماء، لا تقولي: ما أحسنُ السماء». لأنه لو قلت: «ما أحسنُ السماء»، يعني كأنك تقول: من الذي أحسن السماء؟ فهمتم هذا الآن؟ كأنك تسأل الآن، وليس تتعجب. فما إعراب: «ما أحسن زيدًا»، و«ما أحسن السماء»، و«ما أجمل العلم»؟ تقول: «ما» تعجبية، اسم تعجب، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، بمعنى شيء عظيم؛ لأنك تتعجب من شيء عظيم. واضح؟ و«أحسن زيدًا»: هذا فعل وفاعل ومفعول. «أحسن»: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» وجوباً، تقديره «هو»، و«زيداً» مفعول به للفعل «أحسن»، منصوب بنصب الفتحة. وأين خبر «ما»؟ الجملة الفعلية من «أحسن» والفاعل المستتر والمفعول به «زيداً» في محل رفع، في محل رفع خبر المبتدأ «ما». واضح؟ هذا يسمى صيغة من صيغ ماذا؟ التعجب. «ما أفعله»، الهاء هنا يكون مفعولاً به. طيب، «ما أفضله»، مفعول به الهاء. قال: والصيغة الثانية: «أفعل بزيد»، نحو: أحسن بزيد، وأكرم به. فـ «أفعل» لفظه لفظ الأمر، ومعناه التعجب، وليس فيه ضمير. «بزيد» فاعله. وأصل قولك: «أحسن بزيد»: «أحسن زيد»، أي: صار ذا حسن. نحو: «أورق الشجر»، يعني: صار ذا ورق. شجرة عبارة عن عيدان لا أوراق فيها، فطلع لها الورق، فيقال: ماذا؟ «أورق الشجر». «أورق الشجر». وهكذا، لما تقول: «أحسن بزيد»، أصله: «أحسن زيد»، أي: صار ذا حسن. كان ما فيه جمال، فإذا به صار جميلاً، فتقول: ماذا؟ «أحسن زيدًا» أو «زيد»، أي: صار ذا حسن. نحو: «أورق الشجر». ثم غيرت صيغته إلى صيغة الأمر، فقبح إسناده إلى الظاهر، فزيدت الياء الباء في الفاعل. ما معنى هذا الكلام؟ انتبهوا إلى هذا: «أحسن»، «أحسن بزيد». قال: هذا الفعل «أحسن بزيد»، أصلها «أحسن زيد». أصله: «أحسن»، فعل ماضٍ، فعل ماضٍ، وفعل صح، يعني: صار ذا حسن. لكن أيش الذي صار حتى تغير إلى «أحسن»؟ أيش الذي صار؟ قال: غيرت صيغته إلى صيغة الأمر. بدل ما «أحسن زيد»... ما هو أمر؟ «أحسن»، «أحسن»، «أحسن»، «أحسن» صار... «أحسن زيد». تقدم معنا لو تذكرون في الفعل الأمر، أنه... أو في استتار الضمير، أنه إذا كان الفاعل للمفرد المذكر المخاطب يجب استتاره. مثل: «اضرب»، أي: أنت. صح؟ «اضرب»، أي: أنت. ومثله: «أحسن». مفروض فاعله يكون ماذا؟ يكون مستتر، لا يكون ظاهر. فعل الأمر للواحد المفرد المخاطب يجب أن يكون ماذا؟ مستتر، لا يكون ظاهراً. وإن جاء ظاهراً فلا يعرب فاعلاً، إنما يعرب ماذا؟ توكيد. صح؟ إذن، هل هذا يصح: «أحسن زيد» أن يكون «زيد» فاعلاً؟ ما يصح. ولذلك هنا قال: «فقبح إسناده إلى الظاهر»، لأن هذا خلاف القواعد. قبح. إذن ما المخرج من هذا القبح؟ ما هو المخرج؟ قاموا وزادوا ماذا؟ الباء. فقالوا: «أحسن بزيد». فقالوا: «أحسن بزيد». فالباء هنا زائدة. الباء هنا زائدة. فإذن كيف تعرب «أحسن بزيد»؟ تقول: «أحسن»: فعل أمر يفيد التعجب. طيب، والباء زائدة، أتي بها لإزالة القبح. و«زيد» هنا: فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها ماذا؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. «ما» هنا حجازية نافية، ترفع الاسم وتنصب الخبر. ولفظ الجلال اسمها، و«غافل» خبرها مرفوع، خبرها منصوب، وعلامة نصبه ماذا؟ الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو الباء في «بغافل». وهذا مثله. تقول: «زيد» فاعل مرفوع بضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إذن، هاتان صيغتان للتعجب. نكتفي بهذا إن شاء الله اليوم.