الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 108، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل تحريم التشبه بأعياد المشركين، مستندًا إلى أقوال ابن تيمية وأحاديث النبي وأقوال الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر. يُظهر أن مخالفة النبي لليهود والنصارى في أعيادهم والإجماع على منع المشاركة في أعيادهم يدل على تحريم التشبه بهم.
يتناول هذا الفصل تحريم المشاركة في أعياد الكفار وتأثير تشبه المسلمين بهم، مستندًا إلى أقوال العلماء مثل مجاهد والحسن وأحاديث وأقوال الصحابة. يُبين أن تشبه المسلمين بالكفار في أعيادهم يعتبر معصية ويجرئ الكفار على إظهار أعيادهم.
يشرح هذا الفصل ضوابط التعامل مع أعياد الكفار، ويحذر من تقليدهم في عيدهم، كما يناقش حكم بناء المساجد في البلاد التي يوجد فيها مسلمون وكفار، مشيرًا إلى ضرورة البناء قرب المسلمين والابتعاد عن أهل الشرك.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدة وجوه في إثبات تحريم التشبه بأعياد المشركين. أنا أذكر عدة أوجه من الكتاب، كذلك ذكر من السنة، وذكرنا ستة أوجه من السنة على ما ذكرها الشيخ، رحمه الله عليه. قال: الوجه السابع من السنة ما روى كريب مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أم سلمة رضي الله عنها، أسألها: أي الأيام كان النبي عليه الصلاة والسلام أكثرها صيامًا؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما يوم عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم». قال: رواه أحمد والنسائي وابن أبي عاصم. أي في السنة، أو لعله في الأحاد والمثاني، وهو محفوظ من حديث عبد الله المبارك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن كريب. ومحمد وعبد الله بن محمد وهاشم مختلف في توثيقه، والظاهر أنه لا بأس به، لكن الحافظ يقول: إنه مقبول. وغالبًا يقولها في الذي حديثه لين، أو أنه مجهول يحتاج إلى متابعة. فالمقبول المراد به عنده أنه مقبول إذا توبع، وإلا فلين، كما ذكروا في مقدمة التقريب. لكن عبد الله بن محمد الكلام فيه يحتمل، أنا يحتمل أن يكون يقبل حديثه لشهرته أولًا، وكذلك أنه من آل بيت رسول الله، واشتهر رحمه الله، فلهذا قبله بعض العلماء. قالوا: هذا نص في شرع مخالفة في عيدهم، أنه هذا ذكر النبي. قال ابن عباس: لما سألوا أم سلمة: أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صيامًا؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد. وهذا أيضًا من الأحاديث التي استدل بها من يضعف حديث النهي عن صيام السبت، أو أنه يحمل على الإفراد. فقال: «إنهما يوم عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم». قالوا: هذا نص في شرع مخالفة في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب. وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك أيضًا بمخالفة، ونذكر حكم صومه مفردًا عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم. والآن استدلال الشيخ رحمه الله يريد أن يبين أن هذا الحديث يستدل به على مخالفة المشركين في عيدهم، مخالفة المشركين في عيدهم، وسواء كان من اليهود والنصارى أو من غيرهم. قالوا: وإنما اختلفوا: هل مخالفتهم يوم عيدهم بالصوم لمخالفة فعلهم فيه، أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ولا بفطر؟ أو يفرق بين العيد العربي والعيد العجمي؟ على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. أنا سأتي التفصيل في مثل هذه المسائل. قالوا: وأما الإجماع والآثار، فمن وجوه معنى الدلالة بإجماع العلماء، وكذلك الآثار التي جاءت عن الصحابة والتابعين. فالاستدلال بها من وجوه، أحدها: ما قدمت التنبيه عليه من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون عيدهم التي لهم، والمقتضى لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس. ثم لم يكن على عهد السابقين من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك، أو يشاركهم في شيء من ذلك. أنا ما كان يشاركونهم، كانوا معهم كثير من اليهود والنصارى كانوا موجودين في جزيرة العرب، لكن كانوا أيضًا لهم عيد ولهم شارات، كما سيأتي في حديث موسى وتقدم أيضًا. لكن أهل الإسلام ما كانوا يوافقونهم أبدًا، ولا كانوا يحتفلون بذلك اليوم، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بمخالفتهم. قال: فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهي عن ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيرًا، أي تشبه الناس باليهود والنصارى. قال: إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم منافيه واقع لا محالة، والمقتضي واقع. قال: فعلم وجود المانع. والمانع هنا معناه يريد أشياء أن يبين أن مقتضى الفعل الناس تحب الفرح وتحب الأعياد، فقيام هذا المقتضى موجود عند الناس، لكنهم لم يفعلوا أن السلف، بل عوام الناس من المسلمين لم يعيدوا بشيء من أعياد الجاهلية. وإن حصل لبعضهم شيء من ذلك، فإن العلماء ينهونهم عن ذلك، كما قال مجاهد وغيره في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: أراد الله عز وجل أعياد المشركين، كأن يروا المهرجان. وقال أيضًا الحسن وغيره: من عيد بالنيروز والمهرجان، وفعل مثل ما فعلوا، فهو منهم. أو كما قال رحمه الله: سيأتي. أو قال أيضًا: جاء عبد الله بن عمر من بنى ببلاد الأعاجم، فصنع نيروزهم ومهرجانهم. النيروز والمهرجان هما من أعياد الفرس. وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة. وسيأتي كما قلنا الأثر التي ذكرها المؤلف رحمه الله. قال: فعلم وجود المانع، والمانع هنا هو الدين، أي أن الدين هو الذي حجبهم أن يتشبه بالكفار. فعلم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، وهو المطلوب. قال: الثاني: أنه قد تقدم في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفقت عليها الصحابة، شروط أهل الذمة وسائر الفقهاء بعدهم: أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام. لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا الشعانين والباعوث. قال: وسموا الشعانين والباعوث. فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعه من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ قال: أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهرًا لها؟ قال: وذلك أن إنما منعناهم من إظهارها لما فيه من الفساد، إما لأنها معصية، أو شعار المعصية. وعلى التقديرين معناه: إما أن أصلها معصية، وإما أنها شعار للمعصية، وهو إظهار عيدهم. ولا شك أن المعنى موجود، أنه أولًا المعصية، وثانيًا أنه شعار للمعصية. قال: فالمسلم ممنوع من المعصية ومن شعار المعصية. ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم إذا فعلها. فعنا لو كان هناك من المسلمين من يفعل أعيادهم، وقد نهاهم عمر أن يظهروا أعيادهم، وفعلها أيضًا. لا إما بعده، فإنه سيأتي المقتضى أنهم يظهرون هذه الأعياد لأن المسلمين معهم. أنا يقول الشيخ هنا: لو كان هناك من المسلمين من يفعل مثل المشركين في أعيادهم، ويعيد معهم، ويحتفل معهم، لأظهر المشركون. ولا أظهر هؤلاء اليهود والنصارى والفرس، لا أظهروا أعيادهم، لأن التقوية بالمسلمين. أنا سيتقوى بالمسلمين، لكن هذا لم يحصل. قال: الوجه الثالث: ما تقدم رواية بالشيخ الأصبهاني عن عطاء بن يسار -هكذا رأيته- ولعله ابن دينار. قال: قال عمر: «إياكم رطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم». إياكم رطانة الأعاجم، رطانة الأعاجم معنى كلامهم. أنا لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في رطانتهم، إلا إذا احتاج إلى ذلك. وأما بدون حاجة، لا ينبغي أنه يتكلم بكلامهم. قال: «وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم». قال: وروى البيهقي بسند صحيح في باب كراهة التخول على أهل الذمة في كنائسهم، واتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم، عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد. وثور بن يزيد هو الكلاعي الحمصي، أبو خالد الذي قال فيه سفيان: «خذ من ثور واحذر قرناه»، لأنه كان قدري المذهب. قال: عن عطاء بن يزيد -قال-: قال عمر: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخط ينزل عليهم». أنا لا يجوز لأحد أن يشاركهم أو يدخل عليهم، حتى قالوا بالإسناد عن الثوري، عن عوف -عوف العرابي، عوف بن أبي جميلة العرابي- عن الوليد أو أبي الوليد -يعني أنه بالشك- وهو مجهول. أنا قال هنا المعلق: الوليد بن عبدة، مولى عمر بن العاص. قال: عن عبد الله بن عمر قال: «من بنى ببلاد الأعاجم، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة». وقد أخرجه الإمام البيهقي في السنن من عدة طرق، فهو صحيح إلى عبد الله بن عمر. قال: ورووا بسندي عن البخاري -أي البيهقي- رووا بسندي عن البخاري صاحب الصحيح، أنه قال: قال لي ابن أبي مريم -وسعيد بن أبي مريم، سعيد بن الحكم- أنبأنا نافع بن يزيد، قال: سمع سليمان بن أبي زينب وعمر بن الحارث سمع سعيد بن سلمة -أو ابن سلمة، بمعنى بكسر اللام- سعيد بن سلمة، مولى آل عمر بن الخطاب. قال: عن سمع سليمان بن أبي زينب وعمر بن الحارث أنه سمع سعيد بن سلمة أنه سمع بال -والظاهر أنه ابن عثمان- أنه سمع عمر رضي الله عنه قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم». معنى هؤلاء المشركين. قال: ورووا بإسناد صحيح نبي أسامة -أبو أسامة هو حماد بن أسامة الكوفي- قال: أحدثنا عوف -وهو ابن أبي جميلة العرابي، ابن أبي جميلة العرابي- عن أبي المغيرة. وأبو المغيرة لعله القادوسي أو غيره. عن عبد الله بن عمر من قوله: «من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة». قال أبو أسامة: الإسناد إلى أبي أسامة، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين. هشام بن يوسف -إذا رأيت هشام وبعده محمد بن سيرين أو حفصة- فهو هشام بن حسان القردوسي، وهو مولى آل سيرين. قال: عن محمد بن سيرين قال: أتي علي رضي الله عنه بهدية النيروز، فقال: «ما هذه؟» قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم النيروز. قال: «فاصنعوا كل يوم النيروز». قال أبو أسامة: كره رضي الله عنه أن يقول نيروز، فأنا يصنعوا كل يوم، أي جعلوه كل يوم، لا تجعلونه عيدًا في سنة أو كذا. وهذا الأثر صحيح، لكن منقطع، محمد بن سيرين لم يسمع من علي. قال البيهقي: في هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك، لم يجعلوا الشرع مخصوصًا به. قال: وهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟ أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ فلا شك أنه كذلك. معنى تقليد الكفار في عيدهم أعظم من أن يتكلم الإنسان بلغتهم، وأعظم كذلك أن يدخل عليهم في كنائسهم. قالوا: إذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه، أليس قد تعرض للعقوبة؟ مثل الآن كثير من الناس تجدهم يحتفلون برأس السنة الميلادية، معنى عيد هؤلاء النصارى، فيحتفل معهم. يقول: هذا معنى أن نشاركهم في الاحتفال، هذا باطل ولا يجوز. قال: ثم قوله: «واجتنبوا أعداء الله في عيدهم»، أي يقول عمر: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم. قال: ليس نهيا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه، فكيف بمن عمل عيدهم؟ والآن يريد الشيخ رحمه الله يدلل على أن عمل عيد المشركين محرم. قال: وأما عبد الله بن عمر، فصرح أنه «من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم». قال: وهذا يقتضي أنه جعله كافرًا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار. حشر معهم لأنه أحبهم، وفعل فعلهم. قال: وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية، لأنه لو لم يكن مؤثرًا في استحقاق العقوبة، لم يجعله جزءًا من المقتضى. إذن المباح لا يعاقب عليه، لو كان مباح تقليد الكفار في عيدهم لما عاقب عليه الله عز وجل. فقال: معنى ابن عمر أنه يحشر معهم من تشبه بهم، حشر معهم. قال: وليس الذم على بعض ذلك مشروطًا ببعض، لأن بعض ما ذكره يقتضي الذم، فاعرف أن سواء كان صنع نيروزهم أو تشبه بهم في شيء من الأمور، ومن ذلك العيد. قال: وإنما ذكر الله -والله أعلم- من بنى ببلادهم، لأنهم على عهد عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، كانوا ممنوعين من إظهار عيدهم بدار الإسلام. وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم. فلهذا نهوا أن يبني المسلم في بلاد المشركين. وأما إذا كان البلاد فيها من المسلمين ومن الكفار، فبنى قرب المسلمين، فلا بأس. ويبتعد عن أهل الشرك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلم والمشرك لا تراء نارهما»، لا تراء نارهما، أن لا تكون نارهما متقاربة أو واحدة. وقال: «أن بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين». قال: وأما علي رضي الله عنه، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟ طيب إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. نكتب بهذا، والله تعالى.