التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 17

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الصحابي وحكم المرتد العائد ومراتب الصحابة

يُعرّف الصحابي بمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على الإيمان، ويُبقي اسم الصحبة على من ارتد ثم عاد للإسلام كالأشعث بن قيس عند الجمهور. وتتفاوت مراتب الصحابة في الفضل حسب ملازمتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

مراسيل الصحابة وطرق إثبات الصحبة

يُقبل مرسل الصحابي عند الجمهور لاحتمال سماعه من صحابي آخر، وتثبت الصحبة بالتواتر والاستفاضة والشهادة والنص على النفس مع القرائن. كما يُعد حديث من لم يسمع من النبي مرسلاً لكن مرسل الصحابي حجة.

تعريف التابعي وشروطه وطبقة المخضرمين

التابعي من لقي صحابياً مؤمناً ومات على الإيمان، ولا يشترط طول ملازمة ولا سماع مباشر ولا بلوغ سن التميز. أما المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي فهم من كبار التابعين لا الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «نكتة النظر في توضيح نخبة الفكر»: «وقولي: ولو تخللت ردة» يعني بتعريف الصحابي. قال: أي بين لقائه له مؤمنًا به وبين موته على الإسلام، فإن اسم الصحبة باقٍ له، سواء رجع إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعده. يعني: لو حصلت الردة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فيبقى له اسم الصحبة، وسواء لقيه ثانيًا أم لا، يعني: لقيه النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أم لا. قال: «وقولي في الأصح إشارة إلى الخلاف في المسألة»، وما ذكره الحافظ رحمه الله هو قول جمهور أهل الحديث والفقهاء والأصوليين. وقال في ذلك الحنفية والمالكية، والراجح قول الجمهور. قال: ويدل على رجحان الأول قصة الأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، وأوتي به إلى أبي بكر الصديق أسيرًا، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، يعني: من ذكر أسماء الصحابة ككتاب «الاستيعاب» صاحب «الاستيعاب»، وهكذا الحافظ في «الإصابة» ذكروا الأشعث بن قيس من الصحابة. قال: ولا عن تخريج أحاديث في المسانيد وغيرها، كما استدل الإمام أحمد وغيره، وهذا يرجح ما ذكره المصنف رحمه الله. قال: تنبيهان. وقصة الأشعث بن قيس مذكورة، يعني مشهورة في كتب السنن، أنه لما عاد إلى أبي بكر أسيرًا وأسلم، فزوجه أخته، فعمد الأشعث إلى السوق، فما وجد بعيرًا أو ناقة إلا عقرها ونحرها، فقال الناس: ارتد الأشعث. فقال: لا، لكن أبا بكر زوجني أخته، وأراد أن يولم، فأولم بوليمة كبيرة، رضي الله عنه. قال: تنبيهان. أحدهما: لا يخفى برجحان رتبة من لازمه صلى الله عليه وسلم وقاتل معه، أو قتل تحت رايته، يعني في عصر النبي عليه الصلاة والسلام، وقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام وقتل معه، على من لم يلازمه، يعني: لم يلازم ويصاحب النبي عليه الصلاة والسلام، أو لم يحضر معه مشهدًا، يعني: من مشاهد القتال والغزو، وعلى من كلمه يسيرًا، أو شاهد قليلا، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولة، يعني: رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل، فهو صحابي، لكن من لازم النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن لم يكن كذلك، وإن كان له شرف الصحبة. قال: وإن كان شرف الصحبة حاصلًا للجميع، يعني: من لازم النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يلازمه، لكن من لازمه ف رتبه أعلى ومنزلته أكبر. قال: ومن ليس له منهم سماع منه، يعني: من عُدّ صحابيًا لأنه لقي النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من الأحاديث، قال: فحديثه مرسل، يعد حديثه مرسلًا إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، فحديثه من قسم المراسيل، لكن مراسيل الصحابة قال: من حيث الرواية، يعني: إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فحديثه يعد مرسلًا، ليس متصلًا. قال: وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية. قال: ثانيهما: يُعرف كونه صحابيًا. طبعًا: مرسل الصحابي مقبول في قول جمهور العلماء، مرسل الصحابي مقبول عند جمهور العلماء، بل بعض من نقل الاتفاق على قبول رواية مرسل الصحابي. كيف يكون مرسل الصحابي؟ يُخبر الصحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو لم يدرك هذه الحادثة والواقعة، فمعنى أن روايته مرسلة، لكنها مقبولة؛ لأن الغالب في رواية الصحابة أنه معلوم عن الصحابة، إن لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سمعه من أحد الصحابة. قال: ثانيهما: يُعرف كونه صحابيًا بالتواتر، يتواتر النقل بأن هذا فلان من الصحابة، مثل تواتر نقل الصحبة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، أو بالاستفاضة والشهرة. نعم، كالشهرة: عكاشة بن محصن، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبقك بها عكاشة». حيث روى ابن عباس لما ذكر دخول السبعين ألفًا الجنة بغير حساب ولا عذاب، وذكر صفاتهم، قال عكاشة: يا رسول الله، اجعلني منهم، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر، قال: يا رسول الله، اجعلني منهم. قال: «سبقك بها عكاشة». اشتهر هذا الحديث، اشتهر هذا حتى صار يعني مثلًا: في من سبق إلى شيء سبق غيره، يقال: «سبقك بها عكاشة». فأصبح عكاشة يعني لفظًا يُعرف به مشهورًا، مستفادًا أنه صحابي. أو بإخبار بعض الصحابة، يقول: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وفلان، مثلا، هذا معنى أن فلان هذا صحابي. أو بعض ثقات التابعين يخبرون أن فلانًا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، أو صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رأى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه قال: يعني ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو كذا، أو يقول: إن فلانًا من الصحابة أو صحابي. أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي، إذا كان دعواه ذلك تدخل تحت الإمكان، إذا كان دعواه تدخل تحت إمكان أن يكون من الصحابة. قال: وكذلك عُرف منه العدالة. أما إذا كان لا يمكن، فهذا لا يقبل. قالوا: قد استشكل هذا الأخير جماعات، من حيث إن دعواه ذلك نظير دعوى من قال: أنا عدل. ويحتاج إلى تأمل. نعم، ولا شك أن من ادعى العدالة لنفسه، ادعى العدالة لنفسه، فهذا لا يكفي حتى يعدل من جهة ذوي الخبرة والشأن، أن فلانًا عدل. وهكذا أيضًا إذا أخبر بأن الصحابي، إذا أمكن هذا وعرف عنه، يعني: أو وجدت قرائن تدل على هذا، قبل، وإلا فلا، لم يقبل. كما أنه لو قال فلان: أنا عدل، ما يقبل منه هذا حتى يعدله من له الشأن في هذا. وهكذا يقال: إن فلانًا صحابي، وهو غير معروف بالصحبة، ما يقبل منه، ما يكفي هذا أن يقول: أنا صحابي، لكن لا بد من قرائن تدل على هذا. فالخلاصة الظاهر - والله أعلم - مثل هذا أنه ما يقبل إلا إذا، كما قلنا، أثبت هذا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، أو شيء من ذلك مما مر معنا مما تثبت به الصحبة. قال: أو تنتهي غاية الإسناد إلى التابعي، وهو من لقي الصحابي، كذلك لقي الصحابي، يعني: مؤمنًا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك، هذا هو التابعي. وهذا متعلق بالتلقي وما ذكر معه يعني من قيود وشروط، إلا قيد الإيمان به، فذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. يعني: إذا قيل في التابعي: من لقي الصحابي مؤمنًا به ومات على ذلك، قد يفهم: مؤمنًا به يعني بالصحابي، لا، لكن المراد: مؤمن به أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: مؤمنًا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك، لأنه إذا لقيه وهو كافر، لقي يعني شخصًا من الصحابة وهو كافر، ما يعد تابعيًا؛ لأنه ليس بمؤمن. قال: وهذا هو المختار يعني في تعريف التابعي. قال: وهذا هو المختار، وهذا الذي عليه الأكثرون، كما قال العراقي رحمه الله. قال: وقال: خلافًا لمن اشترط في التابعي طول الملازمة، أو صحبة السماع، أو التميز. عندكم: صحبة السماع، عند صحبة السماع هنا التعليق. قال: قال العراقي في شرحه: الصحبة مع الصحبة بالسماع، فلو صاحبه ولم يسمع منه الحديث لا يكون تابعيًا. وصُحِّفت الصحبة بالصحة، يعني: الصواب: صحبة، أو يحتمل الوجهين: هذا وهذا، يعني: صحة السماع، يعني: اشتراط أن يكون سمع التابعي من الصحابي، هذا لا يشترط، أو صحبة السماع يكون صحبة هو سمع منه، هذا أيضًا لا يشترط، يعني: كل اللفظين محتمل. قال: أو التميز، يعني: أن يكون في سن التميز، هذا أيضًا لا يشترط. إذن لا يشترط طول الملازمة، أو صحبة السماع، أو التميز. وبقي بين الصحابة والتابعين طبقة اختلف في إلحاقهم بأي القسمين، وهم المخضرمون، يعني: هل يلحقون بالصحابة لكونهم عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يلحقون بالتابعين لكونهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانوا صغارًا أو كبارًا. المراد بالجاهلية: يعني قبل البعثة، قبل البعثة، وبالإسلام: بعد البعثة. قال: فعدهم ابن عبد البر في الصحابة، ابن عبد البر جعلهم في طبقة الصحابة، يعني: في ترجمتهم يذكرهم في طبقة الصحابة، وإن كانوا ليسوا بصحابة. وزعم عياض وغيره أن ابن عبد البر يقول إنهم صحابة، وفيه نظر؛ لأنه أفصح في خطبة كتابه بأنه إنما أوردهم ليكون كتابه جامعًا مستوعبًا لأهل القرن الأول، يعني: من كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: في كتابه «الاستيعاب»، فأراد أن يذكر في هذه الطبقة من كانوا في القرن الأول من الصحابة وغير الصحابة كالمخضرمين، ممن رأى النبي عليه الصلاة والسلام، أو من عاش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. إذن قول من قال، وهو قاضي عياض رحمه الله، أن ابن عبد البر يقول إنهم صحابة، هذا خطأ، إنما ذكرهم في طبقة الصحابة لأجل استيعاب من كان في هذا القرن. قال: والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين. نعم، مختلف: هل يعدون من كبار التابعين أو صغار التابعين؟ والصواب أنهم من كبار التابعين. سوى عرف أن الواحد منهم كان مسلمًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كالأصحم أم لا. الأصحم: ملك الحبشة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. والأصحم لقب لكل من ملك الحبشة، مثل: قيصر لقب لمن ملك الروم، وكسرى لقب لمن ملك الفرس، وفرعون لقب لمن ملك مصر، وتبع لمن ملك اليمن، وهكذا. لكن في ذلك الزمن، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان ملكًا للحبشة، أسلم لما سمع القرآن من جعفر بن أبي طالب ومن كان معه من المسلمين، أسلم، حتى صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، وأمر الصحابة أن يصلوا عليه. لكن هل رأى الأصحم النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. ومثل هذا يعد في طبقة المخضرمين. قال: سواء عرف أن الواحد منهم كان مسلمًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كالأصحم أم لا، يعني: من لم يكن مسلمًا. قال: لكن إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كشف له عن جميع من في الأرض فرآهم، فينبغي أن يعد من كان مؤمنًا به في حياته إذ ذاك، يعني: في ذلك الوقت وقت الإسراء، وإن لم يلقه، يعني: لم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم، هو في عالم الدنيا في أي مكان في الأرض، في الصحابة، يعني: ينبغي أن يعد صحابيًا لحصول الرؤية من جانبه صلى الله عليه وسلم. وهذا لم يثبت، فحينئذ ذكر هذا فيه نظر، بل رده جماعة من أهل العلم، أن مثل هذا يحتاج إلى دليل ثابت، ولم يثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام. وحينئذ سيكون الصحابي ليس من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بل من رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خلاف ما ذكره بتعريف الصحابي. نعم، فالخلاصة: أن هؤلاء المخضرمين يعدون من طبقة كبار التابعين. نعم. طيب، نكتفي بهذا القدر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. صلى الله عليه وسلم، حسنًا، وشكرًا.