الدرس في التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش حكم قراءة القرآن في السجود ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن ذلك ويأمر بالدعاء بدلاً منه، كما يتحدث عن جواز إطالة السجود لعارض معين.
ذكر صفة رفع النبي صلى الله عليه وسلم من السجود، حيث كان يرفع رأسه مكبراً، وكان يرفع يديه مع التكبير أحياناً، وكان هذا من إتمام الصلاة.
يشرح تفاصيل الجلوس بين السجدتين في الصلاة، بما في ذلك كيفية الافتراش والإقعاء والإطمئنان والأذكار التي تقال في هذه الجلسة.
ذهب الإمام أحمد إلى وجوب الصلاة كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم استنادا إلى فعله وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة الباني رحمه الله في كتابه "صفة صلاة النبي" صلى الله عليه وسلم: "النهي عن قراءة القرآن في السجود". قال: "وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، ويأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن، كما مضى في الركوع". هذا مضى الكلام عليه. وكان يقول: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء فيه». رواه مسلم عن ابن عباس. وقد مر الكلام على هذا الحديث في الكلام على الركوع. وعلمنا أنه لا يجوز قراءة القرآن حال الركوع وحال السجود، إلا إذا أتى في السجود ببعض الأدعية المقتبسة من القرآن، هذا لا بأس به. "ربنا اغفر لنا"، "ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"، يقتبس هذا الدعاء منه ويتمم على جهة الدعاء، هذا لا بأس به. قال: "إطالة السجود". قال: "وكان صلى الله عليه وسلم يجعل سجوده قريبا من الركوع في الطول، وربما بالغ في الإطالة لأمر عارض". كما قال بعض الصحابة: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى، ثم كبر للصلاة فصلى، ثم فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها". قال: "فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي". فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال الناس: "يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك". قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني -يعني صعد على ظهري كالراحلة-، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته». نعم، هذا فيه جواز إطالة السجود لعارض، وفيه أيضاً ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والرحمة والشفقة. قال: "فضل السجود". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة». قالوا: "وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟" قال: «أرأيت لو دخلت صيرة -يعني الزريبة- فيها خيل دهم بهم -يعني سوداء خالصة لا يخالطها لون آخر- وفيها فرس أغر محجل -يعني في غرته بياض وفي قوائمه-، أما كنت تعرفه منها؟» قالوا: "بلى". قال: «فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من الوضوء». الحديث رواه أحمد بسند صحيح. هذا حديث فيه فضيلة للسجود، أن المصلي الذي يسجد لله سبحانه وتعالى يأتي يوم القيامة فيه آثار السجود. قال: "السجود على الأرض والحصير". قال: "وكان يسجد على الأرض كثيراً". وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مفروشاً بالحصر، وإنما كان مفروشاً بالحصى والرمل. جاء من حديث أبي هريرة في "الصحيح" المسند: "وكان أصحابه يصلون معه في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه". رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه. ومعنى هذا أنهم كانوا يصلون في الأرض، فتكون الحرارة شديدة، فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته أن يضعها في الأرض بسط ثوبه أو عمامته أو طرف الرداء أو نحو ذلك ويسجد عليه. قال: "وكان يقول: «جعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت الصلاة فصل، وعنده طهوره»". وكان من قبل يعظمون ذلك -يعني أن يصلوا في غير مواضع العبادة من كنائس والبيع-. قال: «إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم». الحديث في مسند الإمام أحمد، وأصله في "الصحيحين" حديث جابر رضي الله عنه. فالأرض كلها مسجد وطهور، فالمسلم أينما أدركته الصلاة فعنده طهوره، إذا تيسر الماء توضأ وإن لم يتيسر تيمم وصلى، والأرض طاهرة. وهذا من خصائص هذه الأمة، أما الأمم السابقة ما يصلون إلا في البيع وكنائس. قال: "الرفع من السجود". قال: "ثم كان صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه من السجود مكبراً، وأمر بذلك المسيء صلاته". فقال: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يرفع رأسه حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً». رواه أبو داود والحاكم. وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً -يعني عند الرفع من السجود- فيرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً. الحديث رواه أحمد وأبو داود من حديث مالك بن الحويرث. قال: "الافتراش بين السجدتين". قال: "ثم يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئناً". يعني إذا رفع من السجود يجلس مفترشاً، يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها. كيف الافتراش؟ يفرش اليسرى وينصب اليمنى. هذه الجلسة مستحبة في جميع جلسات الصلاة. قال: "الإقعاء بين السجدتين". قال: "وكان أحياناً يقعي -ينتصب على عقبيه وصدور قدميه-". والحديث في مسلم، حديث ابن عباس. وفيه أن الإقعاء بين السجدتين سنة، وقد نفى بعض العلماء هذه الجلسة أو أغفلها، والصحيح أنها مستحبة. قال: "وجوب الإطمئنان بين السجدتين". قال: "وكان صلى الله عليه وسلم يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه". كما في حديث حذيفة الساعدي. وأمر بذلك المسيء صلاته، فقال له: «لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك». يعني يطمئن. من حديث رفاعة. وكان يطيلها حتى تكون قريبا من سجدته. حديث البراء بن عازب في "الصحيحين"، يطيل يعني الجلوس بين السجدتين حتى تكون قريبا من السجود. قال: "الإذكار بين السجدتين". كان صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الجلسة: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وهدني وعافني وارزقني". هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وهذا الحديث في خلاف صحته. ولهذا الذي بعده أصح منه، وهو حديث حذيفة: «رب اغفر لي، رب اغفر لي». وتارة يقول: «رب اغفر لي، اغفر لي». هذا رواه ابن ماجة من حديث حذيفة بن اليمان، وهو أصح من حديث ابن عباس. قال: "السجدة الثانية". قال: "وكان يصنع في هذه السجدة مثل ما صنع في الأولى". ثم يرفع رأسه مكبراً، وأمر بذلك المسيء صلاته. وقال له بعد أن أمره بالسجدة الثانية كما مر: «ثم يرفع رأسه فيكبر». قال: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن أنقصت منه شيئاً أنقصت من صلاتك». يعني لو حصل له شيء من النقص ما كبر، هذا نقص في الصلاة. وهو قول الإمام أحمد والترمذي. وهذا فيه دليل على أن عدم التكبير لا يبطل الصلاة، وهذا قول جمهور أهل العلم، أن تكبيرات الانتقال مستحبة وليست واجبة. فذهب الإمام أحمد إلى الوجوب لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».