الدرس في كتاب الإيمان 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
النبي صلى الله عليه وسلم مدح أشجي عبد القيس لتمتعه بخلقين يحبهما الله، وهما الحلم والأناة، مما يدل على أهمية هذه الأخلاق في الإسلام. هذا الثناء يبين قيمة هذه الصفات في سلوك المسلم.
الحلم والأناة من الأخلاق التي يحبها الله، وتظهر أهميتها في التعامل مع الآخرين، حيث يعكس الحلم والأناة كمال خلق المرء وقدرته على ضبط النفس. هذه الأخلاق تمنع الوقوع في الزلل وتؤدي إلى حسن التصرف.
التأني مطلوب في الأمور الدنيوية لأنه يمنع الندم والضلال، بينما العجلة مطلوبة في أمور الآخرة لأنها تتطلب المسارعة إلى الخيرات. هذا الفصل يبين أهمية الموازنة بين التأني والعجلة حسب السياق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، ابن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله: وحدثني عبيد الله ابن معاذ، وهو العنبري، أبو عمر البصري، قال: حدثنا أبي، وهو معاذ ابن معاذ العنبري الحافظ. وحدثنا نصر بن عبد الله الجهضمي، قال: أخبرني أبي، قالا جميعا: حدثنا قرة بن خالد، وهو السدوسي، عن أبي جمرة - ما اسم أبي جمرة، نصر بن عمران الضبعي - عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، نحو حديث شعبة. وقال: أنهاكم عما ينبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت. وزاد ابن معاذ في حديثه عن أبيه قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للاشجي - شجي عبد القيس - إن فيك خصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه. مر معنا أن نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الانتباذ في هذه الآنية، من الدباء والنقير والحنتم والمزفت، كان في أول الأمر، وكان النهي لسرعة حصول الإسكار في الانتباذ بهذه الآنية، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، ثم في آخر الأمر أجازه الانتباذ فيها، ونهى عن شرب ما أسكر. وهذا قول جمهور أهل العلم: أن النهي عن الانتباذ فيها منسوخ. وفي هذه الرواية زيادة في حديث وفد عبد القيس، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام لأشجي عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه. الحلم هو العقل، والحلم: العقل وحسن التفكير وتصرف. والأناه: التأني وترك العجلة والتثبت في الأمور. وهذان خلقان فاضلان، وصفتان طيبتان أن يكون المسلم متحليا بهما: حليما، عاقلا، يحسن التصرف. نعم، كذلك أيضا من الحلم أن يعفو عن من ظلمه، ولا يقابل السيئة بالسيئة مع قدرته على ذلك. مع قدرته على ذلك، يعني يقدر أن يأخذ بحقه، ويستطيع أن يسيء إلى من أساء إليه، لكن يترك ذلك من باب الحلم عنه، والصفح عنه، والعفو عنه. فهذه من الصفات الكريمة والصفات الفاضلة. وكانت هذه الصفة من صفة خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان عليه الصلاة والسلام حليما. نعم، كثيرا من كان يسيء إليه، ومن كان كذلك أيضا يعامله بسوء المعاملة، وهو يحلم عليه الصلاة والسلام عن من ظلمه، ويعفو عن من أساء إليه. وهذا كما قلنا من عظيم خلق المرء، ليس عن عجز وعن ضعف، بل عن حسن تصرف وحسن خلق. فهذا يكون مدحا، ويكون كذلك رفعة لصاحبه. أما إن كان عجزا، يعني يريد أن يظلم وأن يسيء، لكن ما يستطيع لعجزه، فهذا لا يكون في حقه مدح، وإنما يكون ذما. وفي هذا قول القائل حين قال في قبيلته: وإن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء، وإن هان يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، ومن إساءة أهل السوء إحسانا. هذه الأبيات هي ذم يذم بها قومه. يذم بها قومه، وإن كان في ظاهرها أنها مدح، لكنها ذم. فيقول: قومي وإن كانوا من أهل الحسب، لا يرتكبون شيئا من الشر. يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، من ظلمهم سامحوا وعفوا عنه. وكذلك أيضا ومن أساء إليهم أحسنوا إليه، لكن ليس هذا لكرمهم ولحلمهم ولحسن أخلاقهم، وإنما لضعفهم وعجزهم، فصار هذا ذما لهم. لكن إذا حصل ذلك مع القدرة والاستطاعة، فهذا من كمال خلق المرء. قال: الحلم والأناه، الأناه يعني التثبت في الأمور وعدم العجلة. فهذا أمر يمدح به الإنسان أن يكون متأنيا في سائر أموره. التأني مطلوب في سائر أمور الدنيا. أما في أمور الآخرة، فالمطلوب فيها التعجل والمسابقة والمسارعة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «التأني في كل شيء خير، إلا في أمر الآخرة». التأني في كل شيء خير، أردت أن تسافر تتأنى، تنظر هل أصلح أن تسافر أو لا تسافر، تنظر في المصلحة بذلك. أردت الزواج تنظر هل أصلح أن تتزوج هذه المرأة أو لا. أردت تجارة تتأنى فيها، تنظر هل من المصلحة أن تدخل في هذه التجارة أم لا. أردت عملا، أردت وظيفة، أردت إلى آخره من أمور الدنيا تتأنى فيها، فهي لك خير. وهكذا أيضا في أمور الفتن والمصائب والمحن التي ربما تمر في هذه الأزمان بين الحين والآخر، فالتأني فيها خير. يتأنى الإنسان فيها، لا يتعجل، ولا يخلط فيها، ولا يرفع رأسه فيها فيندم بعد ذلك. لكن يتأنى، ولا يستعجل، ينظر إلى ما يقوله العلماء، وما يحكم به أهل العلم، فيأخذ بأقوالهم، ويستضيء بفتاويهم، فيسلم بذلك من الوقوع في الزلل، ومن الوقوع في الضلال الذي يقع فيه الكثير ممن يتعجل، ولا يتأنى. فالتأني ماذا؟ خير، إلا في أمر الآخرة، فالإنسان يسارع في أمور الآخرة: المسابقة في أمور الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، الصدقة، طلب العلم، وغير ذلك من أمور وأعمال البر. فهذه المطلوب فيها المسارعة. ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، ﴿وسابقوا إلى مغفرة﴾ ماذا؟ ﴿من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾. نعم. قال: «إن فيك خصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه». ولأن الإنسان إذا تأنى لم يندم، لكن إذا تعجل فإنه يندم. نعم، فإنه يندم. إذا تأنى لم يصبه الندم، إن فاته شيء أدركه، لكن إن تعجل فربما يصعب عليه الرجوع. يصعب عليه الرجوع، وقد تقدم، وقد أسرع. فلذلك التأني أمر مطلوب. وفي الحديث الذي يحسن إسناده الألباني رحمه الله: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في العجلة: «إن العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن». وهذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس، واسم الأشج: المنذر ابن عائد. سبب قول النبي عليه الصلاة والسلام لأشج هذا القول، كما ذكر النووي رحمه الله: أنه لما وصل الوفد إلى المدينة بادروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته - يعني ربطها - ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقربه النبي صلى الله عليه وسلم، وأجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «تبايعون على أنفسكم وقومكم؟» قال القوم: نعم، يعني نبايع عن أنفسنا وعن قومنا. فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل عن شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أنفسنا - يعني نحن ما نعلم هل يرضى قومنا بالإسلام أو لا يرضون، أو هل يرضون بهذه البيعة أم لا - فقال: نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه. عندكم في الشرح: ومن أتى قاتلناه، أو ومن أبى أبى. نعم، هذا أصوب: ومن أبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خصلتين...» الحديث. فقال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لما رأى منه من رزانة عقله، وحسن تصرفه، ومن تأنيه وعدم تعجله، ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيه: «إن فيك خصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه». طيب الله ثراه، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.