كتاب الإيمان 28

كتاب الإيمان 28

الدرس في كتاب الإيمان 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث حلاوة الإيمان وإسناده

المقطع الأول يتناول إسناد حديث حلاوة الإيمان وشرحه، مع ذكر بعض صفات أيوب السختياني وأبي قلابة. الحديث النبوي يبين علامات حلاوة الإيمان.

تفصيل الخصال الثلاث لحلاوة الإيمان

الحديث النبوي يذكر ثلاث خصال من تخلق بها وجد حلاوة الإيمان، وهي محبة الله ورسوله، ومحبة المرء لله وحده، وكره العودة إلى الكفر. هذه الخصال تجعل المؤمن يجد لذة في الإيمان والطاعة.

علامات محبة الله ورسوله وتقديمها على غيرهما

المؤمن الحق يقدم محبة الله ورسوله على غيرهما، ودليل ذلك تقديم رضى الله ورسوله على غيرهما. المحبة الحقيقية تظهر في الاتباع والتطبيق، وليست مجرد ادعاء باللسان.

تحقيق الإيمان وخطورة الميل القلب

الميل القلب إلى شيء يؤدي إلى محبته والتشبه به، وتحقيق الإيمان يتطلب تحقيق خصال معينة. المؤمن الحق يجب أن يحقق هذه الخصال العظيمة ليكون مؤمنا حقا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، والحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي المعروف بابن راهويه، إمام من الأئمة، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن بشار -لقبه بندار-، قالا: عن عبد الوهاب الثقفي، وهو الإسفاطي، قال ابن أبي عمر: حدثنا عبد الوهاب، وهو ابن عبد المجيد الثقفي، قال: عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، أيضا إمام من أئمة أهل الحديث. قال شعبة رحمه الله: حدثني أيوب، وكان سيد الفقه، وكان شديدا في السنة. قال حماد بن زيد رحمه الله: كان أفضل من جالسته، وكان شديدا في السنة، في الدفاع عنها، وفي ذم البدع وأهلها. قال فيه مالك بن أنس: كان من العالمين العاملين الخاشعين. كان من أهل العلم العاملين بعلمهم، الخاشعين لله. ولهذا كان يوصيه، كما أوصى شيخه أبو قلابة، كان يوصي أيوب، يقول له: إذا أحدث الله لك علما، فأحدث له عملا. يعني اعمل بهذا العلم، وهذا هو ثمرة العلم، هو العمل. إذا علمت، فأحدث له عملا. فكان أيوب رحمه الله عاملا بعلمه، كان ذا عبادة وخشوع. ولهذا قال فيه مالك: كان من عباد الناس وخيارهم. قال: عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، أبو قلابة، وهو أيضا من الأئمة الأعلام، وكان أيضا شديدا في السنة، وله مقالات في ذم البدع وأهلها. قال فيه عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لا تزالوا بخير ما دام فيكم هذا، يعني أبا قلابة. قال: عن أنس، وابن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار». قال: وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار -لقبه بندار-، قالا: حدثنا محمد بن جعفر -لقبه غندر، بمعنى مشاغب-، قال: حدثنا شعبة، أمير المؤمنين في الحديث، قال: سمعت قتادة -وهو قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي، ولد أعمى-، يحدث عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه، وجد طعم الإيمان: من كان يحب الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه». قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا النضر بن شميل، قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، والبنان، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديثهم، غير أنه قال: «من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا». هذا الحديث حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام، كما قال النووي رحمه الله. يخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن ثلاث خصال، إذا تخلق بها المسلم، وتحلى بها، وجد حلاوة الإيمان، يعني وجد للإيمان لذة. وهذه الحلاوة حلاوة معنوية، ليست حلاوة حسية، يذاق باللسان، لكنها معنوية، يجد لذتها في قلبه، وانشراحا في صدره، وطمأنينة في قلبه، وراحة. قال: «ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان»، وجد للإيمان والطاعة والعبادة لذة، فتجده يحب الطاعة، ويحب العبادة، ويتمنى الاستمرار فيها، وتشوق إليها إذا تركها. هذا كله من لذة الإيمان الذي يجده المؤمن في قلبه. بخلاف من كان فاقدا لهذه الخصال الثلاث، فإنه يحرم لذة الإيمان. تجد ربما يدخل العبادة، وهو يريد أن يخرج منها، ولا يتشوق إليها، ولا يجد طمأنينة وراحة في فعلها. وهذا من ضعف إيمانه. قال: «من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، يعني من كانت محبته لله، ومحبته لرسوله، مقدمة على سائر المحاب، مما سواهما، من محبة الدنيا، ومحبة المال، ومحبة الأهل، ومحبة الأولاد، ومحبة الوالدين، وغيرها من شهوات النفس التي تحبها النفس، وتميل إليها. فمحبة الله ورسوله عنده مقدمة على سائر هذه المحاب. والله عز وجل توعد من قدم محبة الدنيا على محبة الله ورسوله، ﴿قل إن كان آباؤكم وأزواجكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. فالمؤمن حقا ما يقدم شيء على محبة الله ورسوله. ودليل ذلك، والضابط الذي يتبين به من يحب الله ورسوله، ويقدم محبتهما على غيرهما، إذا تعارضت المحبتان، فأيهما يقدم؟ إن قدم رضى الله، ورضى رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا دليل على تقديمه لمحبة الله ورسوله. وإن قدم محبة هذه المحبة التي أحبها، ولو كان في ذلك سخط الله، فهذا دليل على ضعف إيمانه، وعلى عدم تحقيق لهذا المقام العظيم: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». ودليل المحبة الاتباع، ليست المحبة مجرد دعاء باللسان، لكن هي فعل وتطبيق لهذه المحبة. ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾. إن المحبة ليست مجرد ادعاء باللسان، لكن هي فعل وتطبيق لهذه المحبة. إن المحبة لمن يحب مطيع، المحب يطيع من أحب، ويفعل ما أحبه، وما أمره به. قال: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، هذه خصلة الثانية، وهي المحبة في الله. أن تكون محبة المسلم لأخيه لله، وفي الله، لا يحبه إلا لله، يحبه لصلاحه، واستقامته، وللخير الذي عنده، محبة لله. إذا كانت محبته لله، فإنه يحقق هذا المقام العظيم: «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». وفي الأثر: «من أحب لله، وأبغض لله، ووالى في الله، وعادى في الله، فقد استكمل الإيمان». إذن من كانت محبته في الله، وبغضه لله، وولاؤه لله، ومعاداته لله، فقد استكمل إيمانه. ومن كان على غير ذلك، فهذا خلل في إيمانه. قال: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار». وهذه المرتبة الثالثة، كراهة الكفر. لأن من أسباب كمال الإيمان، وتحقيق هذا المقام العظيم، هو تحقيق التوحيد. ولا يتحقق التوحيد إلا ببغض الكفر وأهله. فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى. فالمؤمن حقا يكره الكفر، ويحمد الله عز وجل أن جعله من أهل الإيمان، لم يجعله يهوديا، ولا نصرانيا، ولا مجوسيا، ولا وثنيا. ولهذا في الرواية الأخرى: قال: «من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا»، يعني يكره ذلك، كما يكره أن يقذف في النار. فإذا كره الكفر، كره أهله، وكره عباداتهم، وكره خصائصهم، وكره عاداتهم. فالذي يحقق هذا المقام، ما يتشبه بالكفار، لا يتشبه بهم في عباداتهم، وفي عاداتهم الخاصة، وفي أحوالهم. لأن التشبه بهم في الظاهر، لا يقع إلا بعد ميل في الباطن. إذا مال القلب إلى شيء، أحبه، وأحب أن يتشبه به، أو يتشبه بمن مال قلبه إليه. فالأمر خطير. لهذا كان من تحقيق الإيمان، ويكون المؤمن مؤمنا حقا، أنه يحقق هذه الخصال العظيمة، من هذه الخصال الثلاث. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم، ويعيننا على تطبيق هذه الخصال، وأن يجعلنا من أهلها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.