الدرس في كتاب الإيمان 51، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أفضل الأعمال عند الله هي الإيمان به، يليه الجهاد في سبيله، ثم الحج المبرور كما ورد في أحاديث متعددة. الإيمان يشمل أركانه الستة والإيمان بجميع ما أمر الله به.
الإيمان بالله هو الركن الأعظم في الإسلام ويشمل الإيمان بجميع ما أمر الله به، بما في ذلك أركان الإيمان الستة. هذا ما يستدل به من الأحاديث التي تذكر أفضل الأعمال.
عند العجز عن بعض الأعمال الخيرية، يرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمور تعوض عن ذلك مثل إعانة الصانع أو صنع شيء للمحتاج، وكف الشر عن الناس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي المعروف بالشيخ أبي علي السابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد. وحدثني محمد بن جعفر بن زياد، قال: أخبرنا إبراهيم -يعني ابن سعد- عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. وفي رواية محمد بن جعفر، قال: إيمان بالله ورسوله. قال: وحدثنيه محمد بن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد مثله. قال: وحدثني أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد بن زياد، قال: حدثنا هشام بن عروة. ح وحدثنا خلف بن هشام واللفظ له، قال: حدثنا حماد بن زياد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح الليثي -وهو ثقة كما قال الإمام عبد البر رحمه الله، متفق على توثيقه- قال: عن أبي ذر، وهو جندب بن جنادة، قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا. قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق. قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة على نفسك. قال: وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن أبي مراوح، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، غير أنه قال: فتعين الصانع أو تصنع لأخرق. حدثنا أبو هريرة، سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله والجهاد في سبيل الله. وهذا فيه أن الإيمان بالله جل وعلا عمل، أن الإيمان بالله جل وعلا عمل. ولهذا قال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله، إذن الإيمان عمل؛ لأنه نطق اللسان واعتقاد القلب والجنان وعمل بالجوارح والأركان، فهو عمل: عمل اللسان وهي نطق بشهادتين، وعمل القلب وهو الاعتقاد، وعمل الجوارح وهي فعل الواجبات والفرائض. وفي أن أفضل الأعمال هي الإيمان بالله جل وعلا، إيمان بالله يدخل فيه الإيمان بجميع ما أمر الله سبحانه وتعالى به، ومن أول ذلك الإيمان بأركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وهكذا أيضا الإيمان بالله: بوجوده، وبربوبيته، وبالإلوهيته، وبأسمائه وصفاته. قال: إيمان بالله، ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. الجهاد في سبيل الله يعني قتال الأعداء والكفار لإعلاء كلمة الله، لتحقيق معنى ﴿لا إله إلا الله﴾ وإظهار هذا الدين والدفاع عنه، فالجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال ومن أفضل القربات بعد الإيمان بالله جل وعلا. ثم سئل عليه الصلاة والسلام: ثم ماذا؟ أي بعد الجهاد، قال: حج مبرور. الحج المبرور الذي يسلم فيه صاحبه من الوقوع في الإثم، ويكون مجتنبا للذنوب والمعاصي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» -يعني قد غفر له ذنوبه، قد غفرت له ذنوبه-. ولكي يكون الحج مبرورا لابد أن يكون صاحبه فيه بارا، أي كان في حجه على بر وطاعة وابتعاد عن معصية الله جل وعلا، فالحج المبرور كذلك من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله. وفي الرواية الأخرى، قال: «إيمان بالله ورسوله»، أي بذلك قولي: إيمان بالله، إضافة كذلك الإيمان برسوله، إيمان بالله ورسوله. ولا يتحقق الإيمان بالله إلا بالإيمان برسوله، كما أنه لا يتحقق الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام إلا بالإيمان بالله، فلابد من الإيمان بالله جل وعلا وبرسوله عليه الصلاة والسلام حتى يتحقق الإيمان. وفي حديث أبي ذر، سئل عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله»، كما بحث بهريرة. ثم قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا»، أي الرقاب -يعني الرقاب المملوكة التي يراد عتقها وتحريرها- فأيها أفضل إذا أراد الإنسان أن يعتق رقبة فأي الرقاب يختار حتى يجعلها حرة وتكون -يعني يكون- أجرها أعظم؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا»، أي لتكن نفيسة لها -يعني منزلة عند أهلها ولها قيمة- وأكثرها ثمنا يعني تكون غالية ثمينة. والشيء الذي يراد التقرب به إلى الله جل وعلا كلما كان أنفس وكان أثمن كلما كان أعظم أجرا، كلما كان أعظم أجرا، فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». قال: قلت: فإن لم أفعل -يعني ما أعتقت رقبة ولا جاهدت مثلا في سبيل الله- إذا لم يوجد ذلك أو لم يتيسر، فقال عليه الصلاة والسلام: «تعين صانعا أو تصنع لأخرق». تعين صانعا: الصانع الذي يصنع شيئا يعمل شيئا، فتأتي تعينه في هذا العمل الذي يصنعه، فهذا أيضا من البر ومن الإحسان ومما يوجب عليه الإنسان أن تعين أخاك المسلم في صنع شيء يحتاج إلى أن يصنعه، سواء كان في نجارة مثلا أو حدادة أو عمل مثلا كذلك ديني في تأليف أو كتابة أو غير ذلك من الأمور التي يريد أن يصنعها فتعينه عليها. أو تصنع لأخرق: الأخرق الذي لا يحسن العمل، لا يحسن العمل، إنسان لا يحسن أن يعمل عملا من الأعمال يريد أن يعمله وهو لا يحسنه ولا يتقنه، فتأتي تعينه وتصنع له ما أراد أن يفعله، فهذا من أحب الأعمال إلى الله ومن الأعمال الفاضلة. قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة على نفسك». قال: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل -يعني ما استطعت أن أعمل هذه الأعمال- لا أعين صانعا ولا أصنع لأخرق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة على نفسك». إذا كففت شرك عن الناس فلم تؤذيهم بلسانك ولا بيدك، فهذا صدقة تتصدق بها على نفسك، إن لم تستطع أن تنفعهم وأن تعينهم فلا أقل أنك تكف شرك عنهم، ويكون ذلك صدقة لك. وهذا من كمال إيمان الإنسان وكمال إسلامه أن لا يؤذي المسلمين بلسانه ولا بيده، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، المسلم -يعني كامل الإسلام- من سلم المسلمون من لسانه ويده. الشاهد من هذين الحديثين أن أفضل الأعمال الإيمان بالله جل وعلا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.