كتاب التفسير من صحيح البخاري 253

كتاب التفسير من صحيح البخاري 253

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 253، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهل الجنة وأهل النار في حديث حارثة بن وهب

يوضح الحديث أن أهل الجنة هم الضعفاء المستضعفون الذين لو أقسموا على الله لأبرهم، بينما أهل النار هم العتاة المستكبرون الغلاظ. ويبين معنى العتل والضعيف في السياق الشرعي والاجتماعي مع شواهد من أقوال الصحابة.

صفات أهل الجنة والنار وتأخير الأغنياء وقصة الربيع بنت أنس

تؤكد الرواية أن الجنة يدخلها غالباً الفقراء والضعفاء، بينما النار للمتكبرين، وأن الأغنياء يدخلون الجنة بعد خمسمائة ألف سنة بسبب تبعات أموالهم. وتسرد قصة الربيع بنت أنس التي كسرت رباعية جارية فحكم النبي بالقصاص، فعفا أهل الجارية بعد حلف أنس.

منزلة أولياء الله وإبرار قسمهم

يذكر الحديث أن أولياء الله إذا أقسموا على الله أبرهم، ويضرب أمثلة بسفيان الثوري والإمام أحمد حيث دعا كل منهما على ظالم فمات في الحال. كما يعيد تأكيد صفات أهل الجنة من الضعفاء وأهل النار من المستكبرين.

النار مثوى للمتكبرين وعذاب الله فيها

تذكر الآية أن جهنم هي مثوى للمتكبرين، وحديث الله للنار بأنها عذابه يعذب بها من يشاء. ويؤكد أن العذاب في النار بيد الله وحده لا شريك له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، والفضل بن دكين الكوفي، قال: حدثنا سفيان. ومن سفيان صحيح؟ تعرف سفيان؟ ها، سفيان هنا الثوري، سفيان الثوري. عرفنا سفيان الثوري بأبي نعيم، أبو نعيم دائماً يروي عن سفيان الثوري، وإذا روى عن ابن عيينة يقول: ابن عيينة. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، أبو عبد الله، إمام وفقيه من فقه الإسلام. قال: عن معبد بن خالد، وهو الجدلي أيضاً، كوفي، قال: سمعت حارثة بن وهب الخزاعي يقول: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواض مستكبر». فهذا الحديث ذكر هنا لقول الله عز وجل: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ﴾. فالعتل كما تقدم معنا هو المستكبر، الغليظ، الفاحش. وبعضهم أيضاً ذكروا أن العتل أيضاً حتى في أحيانا يكون في خلقه، وقد ذكروا أن العتل أيضاً يقال للسمين العظيم العنق والبطن، لكن هنا المقصود به الغليظ المتكبر، عتل بعده زنيم. وفي الحديث: «كل عتل جواض مستكبر». فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبر». وجاء في رواية: مستضعف. أن الضعيف المراد غالباً الفقير الذي لا وجاهة له في المجتمع، ولا يعرف بجاه ولا بمال، فيقال: ضعيف. وغالباً الضعيف الذي لا ظهر له، أو لا مكانة له عند الناس. مثل ما جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي في الصحيحين، لما قال: كنت عند النبي عليه الصلاة والسلام، فمر رجل من ضعفاء المسلمين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تعدون هذا فيكم؟» فقالوا: هذا حري، إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع. ليس له جاه ولا مال. إن تكلم لا يسمع له، لا يسمع الكلام لأنه ضعيف، استحقاراً للناس. وإن شفع، وساطته لا تقبل. وإن خطب لا يزوج لأنه لا مال له. هذا معناه في عرف الناس، هم يريدون شيئاً أن يذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم العرف الظاهر في أهل الدنيا. ثم مر رجل من أغنياء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون هذا فيكم؟» قال: هذا حري، إن تكلم أن يسمع له، وإن شفع أن يشفع، وإن خطب أن يزوج. على هذه الصفات التي تذكر، والتي أيضاً يتعامل بها الناس في الدنيا، فيتعاملون مع الغني بهذه المثابة، ويتعاملون مع الفقير والضعيف بهذه المثابة. وجاء في الحديث الصحيح أيضاً في الصحيحين: قالت الجنة: احتجت على ربها، وقالت: يا رب، ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء؟ واحتجت النار، فقالت: يا رب، ما لي لا يدخلني إلا المتكبرون الجبارون؟ فقال الله عز وجل للجنة: «أنت رحمتي، أرحم بها من أشاء من عبادي». وقال للنار: «أنت عذابي، أعذب به من أشاء من عبادي». فلهذا الجنة غالباً ما يدخلها الضعفاء، هذا غالب وصف أهل الجنة. والنار غالباً ما يدخلها المتكبرون الجبارون، وأيضاً الذين يجمعون الأموال بدون أن يخرجوا حقها. ولهذا قال: «كل عتل جواض مستكبر». وقال: الجواض المختال في مشيته، كثير اللحم، يدل على شراهة في الدنيا، يختال حتى في مشيته، يتكبر. لكن أهل الجنة هم الضعفاء غالباً، وإلا يدخلها أهل الأغنياء، لكن الأغنياء يدخلون بعد الفقراء بخمسمائة ألف سنة، ويتأخرون عن الضعفاء وعن الفقراء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأصحاب الجد محبوسون». يدخل أول من يدخل الجنة الفقراء، وأهل الجد أي أهل الغنى محبوسون، محبوسون بأموالهم، لأن عندهم تبعات كثيرة بسبب كثرة الأموال، فلا يدخلون الجنة حتى يهذبوا، حتى يهذبوا، سواء كان من الأموال، أو سواء كان أيضاً من التبعات التي تكون تبعات الأموال. والتهذيب أيضاً حتى يكون لغيرهم، كما جاء في صحيح البخاري في حديث أبي سعيد: أنه إذا دخل الناس الجنة، حبس أهل الخصومات في قنطرة، أهل الخصومات يحبسون في قنطرة، حتى إذا هذبوا، أن يصفوا بينهم البين، وحكم الله عز وجل بينهم، دخلوا الجنة. فلا يدخلون الجنة حتى يهذبوا ويصفوا أنفسهم من تلك الأموال، أو من تلك المظالم التي حصلت لهم في هذه الدنيا. فلهذا فأول من يدخل الجنة هم الضعفاء الفقراء الذين غالباً لا يحاسبون على أشياء كثيرة، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أول من يدخل الجنة فقراء المهاجرين، ويدخلون معهم سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب». فقال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره». ومعنى: لو أقسم على الله لأبره، معنى: يحلف بالله عز وجل، لربه جل وعلا، فإذا أقسم على الله أبره الله عز وجل من قسمه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله عز وجل من لو أقسم على الله لأبره»، منهم البراء بن معرور، منهم البراء بن معرور. ولما حصلت قضية الربيع بنت أنس، عمة أنس بن مالك، وأخت مالك بن النضر، أو النضر بن أنس، أو أنس بن النضر، عمة أنس بن مالك. لما كسرت الربيع بنت أنس رباعية جارية، حكم النبي عليه الصلاة والسلام أنها تكسر رباعيتها. الرباعية: معنى الضرس الذي يكون بعد الثنية. فحكم النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكسر رباعية الربيع. فقال أنس بن النضر: والله يا رسول الله، لا تكسر رباعية الربيع. فقال: «يا أنس، كتاب الله القصاص». أنا يقول لأنس: كتاب الله الذي نزله القصاص، وأنس يحلف على أنه يقسم بالله عز وجل أن الربيع لا تكسر رباعيتها. فجاء أهل الجارية وعفوا، جاء أهل الجارية وعفوا عن القصاص. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، من لو أقسم على الله لأبره». فهذا سفيان بن سعيد الثوري رحمة الله عليه، لما طلبه المهدي للقضاء وهرب، فكان المهدي يقول: «لو ظفرت بسفيان لضربت عنقه». ثم علم المهدي أن سفيان في مكة، وهو فجاء وجهز لأجل أن يدخل مكة، فكان بعض أصحابه كان عنده الفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وجماعة، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تفعل؟ فهذا المهدي داخل إلى مكة. فقام سفيان رحمه الله إلى الكعبة، توجه إلى أستار الكعبة، فقال: «برئت إن دخل». قال: «برئت إن دخل، إن دخل مكة، أقسم على الله عز وجل بالبراءة من دين الله»، وكذا. وإن كان هذا قسماً، لكن أولاً غالباً يوفقون فيما يقولون. فقال: «برئت إن دخل». فمات قبل أن يدخل، مات المهدي قبل أن يدخل. وهذا أيضاً مثل ما حصل لإمام أحمد رحمه الله، لما جاء المأمون وأراد أن يقتل أحمد، وقال: «لا أقتله إلا بيدي». فلما أراد أن يدخل بغداد، قال الإمام أحمد رحمه الله: دعا، أو أقسم على الله، وقال: «يا رب، والله غر حلمك هذا الرجل»، أو كذا، «أنا غر بحلمه». فانطفأ ومات في ساعته، مات هذا المأمون في تلك الساعة التي دعا فيها الإمام أحمد رحمة الله عليه. فلهذا فهذا منزلة عظيمة يعطيها الله عز وجل أولياء الكرام، أنهم لو أقسم على الله لأبرهم الله، تعظيماً لشأنهم، وأيضاً لمنزلتهم عند الله جل وعلا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أقسم على الله لأبره»، وهو ضعيف، وهو فقير، لكن معه الله، مع ذلك، إلا أنه ما يطلب من الله عز وجل الدنيا. ولهذا لما قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله: يا سالم، هل تريد تسأل شيئاً؟ فقال: «أسألك وأنا في حرم الله». قال: نعم. قال: «تريدني أن أسألك عن الآخرة وعن الدنيا؟» قال: «سألتني عن الآخرة فهي لله، سألتني عن الدنيا، قال: والله ما سألتها من يملكها، قال: والله ما سألتها من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟ فأنا ما سألت الله عز وجل وهو مالك هذه الدنيا، لم أسأله عن الدنيا، فكيف أطلبها وأسأل من لا يملكها أصلاً؟». فلهذا فهؤلاء أولياء الله، حفظ الله عز وجل، فعاملهم الله عز وجل بصدقهم وبما هم عليه من هذه الطاعة العظيمة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟» قال: «كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره». فقال: «ألا أخبركم بأهل النار؟» كل عتل جواض مستكبر. أخبركم، وهذه المعاني أكثرها متقاربة. فالعتل كما قلنا: شديد الخصومة، أو الجافي في موعظة، أو الغليظ القلب. وكذلك أيضاً الجواض، الجواض هو كما ذكرنا: الفظ الغليظ، وبعضهم يقول: هو المختال في مشيته، المتكبر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل عتل جواض مستكبر». وقال للنار، وقال ربنا جل وعلا: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾. وقال الله عز وجل للنار: «أنت عذابي، أعذب فيك من أشاء». فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى.