الدرس في كتاب الإيمان 64، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أنواع من الناس يعذبون يوم القيامة، وهم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر. يوضح أن العدد المذكور لا يفيد الحصر، وأن العقوبة تكون أشد لمن لا توجد لديه دواعي ارتكاب المعصية.
شرح حديثا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أنواع من الناس لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. يتناول أسباب هذا الوعيد ودلالاته ومعاني الحديث وأسبابه.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عدة أصناف من الناس لا يكلمهم الله يوم القيامة، منهم من بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، ومن حلف على يمين كاذبة ليأخذ مال مسلم. هذه الأفعال محرمة وتستوجب الوعيد الشديد يوم القيامة.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عشر ذنوب خطيرة يعاقب أصحابها يوم القيامة، حيث لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. هذه الذنوب تشمل الأخذ بغير حق والقهر والقوة والغش.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج، أبو الحسين، القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه مسعود، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا وكيع، والجراح، وأبو معاوية، عن الأعمش، سليمان المهران، عن أبي حازم، وهو سلمان الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم». قال أبو معاوية: «ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر». هذا الحديث، حيث بهريرة رضي الله عنه، في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بعذاب ثلاثة آخرين ممن قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم»، فذكر ثلاثة غير المذكورين في حديث أبي ذر، قال: هنا شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر. وهذا يدلنا على أن العدد ليس له مفهوم العدد، لا يفيد الحصر، فقوله: «ثلاثة» ويذكر هؤلاء الثلاثة لا يدل على أن غيرهم ليس له نفس هذا العذاب وهذه العقوبة، لكن المراد من ممن يعذب ويعاقب بهذه العقوبة هؤلاء الثلاثة، وإن كان هناك غيرهم. ولها ذكر في حديث أبي ذر: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. وهنا في حديث بهريرة ذكر ثلاثة آخرين: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر. وسيأتي معنا في رواية أخرى كذلك من حديث أبي بكر، من حديث أبي هريرة كذلك ذكر ثلاثة آخرين. فذكر في هذا الحديث من هؤلاء الثلاثة الذين يعذبون أو يعاقبون بهذا العقاب ويعدون بهذا الوعيد: شيخ زان، شيخ، أي كبير في السن، كبير في السن، ومع كبره في السن يرتكب الزنا. شيخ زان، لماذا كان له هذا الوعيد وهذه العقوبة الشديدة؟ لأن دواعي الزنا وأسباب الزنا عنده ضعيفة، دواعي الزنا عنده ضعيفة، فإن دواعي الزنا تأتي من الطيش وقلة العقل وغلبة الشهوة، وهذه في حق الشيخ الكبير في السن تكون قليلة وضعيفة. فكونه يقع في الزنا مع كبر سنه، وذهاب زمن الطيش وفترة الشباب التي تغلب فيها الشهوة، يدل على محبة له بهذه المعصية، واستخفاف بأمر الله جل وعلا، واجتناب هذه المعصية، فكان له هذا الوعيد الشديد. قال: وملك كذاب، ملك، يعني رجل عنده ملك، عنده مملكة، كرئيس أو حاكم أو ملك لدولة، مع هذا الملك يكذب. والكذب، كما هو معلوم، أمر محرم، وصفة ذميمة من صفات أهل النفاق. والإنسان الذي يكذب قد يحتاج أو قد يقع في الكذب لأجل الضعف الذي عنده، قد يكون ضعيفا أو يخاف ممن هو أقوى منه، أو من قد يصل به إلى شيء من الضرر، فيكذب حتى ينجو ويسلم. وهذا الملك، ما الحاجة التي له حتى يكذب، وهو ملك ورئيس على الناس، ولا يخشى أحدا منهم؟ فداعي الكذب غير موجود عنده، فلما كذب مع كونه ملكا، دل ذلك على محبة لهذه المعصية وهذا الذنب، فكانت له هذه العقوبة وهذا الوعيد. وليس معنى هذا أن من لم يكن ملكا لا بأس أن يكذب، لا، الكذب حرام، الكذب حرام، سواء كان لملك أو غير ملك، لكن يشتد الإثم وتشتد العقوبة في حق من لم تكن عنده الدواعي لفعل هذه المعصية. قال: وعائل مستكبر، عائل، أي فقير، عائل بمعنى فقير، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ومع كونه فقيرا فهو مستكبر، عنده كبر وترفع. والاستكبار مع الفقر غير مناسب، وليس من دواعي الكبر الفقر، بل من دواعيه الغنى والبطر والترف، هذا قد يوقع الإنسان في الكبر، قد يوقع الإنسان في الكبر إذا كان غنيا، صاحب مال، صاحب ترف، وشيء من ذلك، فيكون متكبرا. أما يتكبر فقير، على ماذا يتكبر؟ هو ما عنده شيء، هذا يدل على مرض في القلب، مرض في القلب، ومحبة لهذه المعصية، فلذلك كذلك كان له هذا الوعيد، لأن الدواعي لهذه المعصية مفقودة، دواعي هذه المعصية مفقودة. إذن هؤلاء الثلاثة كان لهم هذا الوعيد الشديد بسبب عدم وجود الدواعي لفعل هذه المعصية، فدواعي هذه المعاصي قد فقدت، ففعلهم لهذه الذنوب وهذه المعاصي يدل على محبة لها، كما ذكرنا، وكذلك أيضا في نوع من الاستخفاف بحق الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، أو ذكوان السمان، عن أبي هريرة. وهذا حديث أبي بكر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف». قال: وحدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا جرير. وحدثنا سعيد بن عمر الأشعثي، قال: أخبرنا أبو عبثر، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد مثله، غير أن في حديث جرير: «ورجل ساوى ما». هذا الحديث، فيه كذلك ذكر ثلاثة آخرين ممن أوعدوا بهذا الوعيد، ممن أوعدوا بهذا الوعيد بأن الله جل وعلا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: «رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل»، رجل على فضل ماء، يعني زائد، ما زائد عن حاجته، بالفلاة، يعني في الأرض المنقطعة، يمنعه من ابن السبيل، ابن السبيل الذي يسافر، المار في طريقه في السفر، المنقطع عن بلده، يأتي الإنسان يريد ماء، والماء هذا زائد عن حاجته، فيمنعه منه، يمنعه منه، ولا يسقيه، ولا يعطيه. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يمنع الإنسان فضل الماء الزائد عن من يحتاج له في الرعي، قال: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ»، يعني يأتي إنسان عنده بئر أو سقى، وعنده ما زائد، يأتي إنسان عنده مواشي يريد يرعى، ويحتاج في رعيه إلى أن يسقي الأغنام مثلا، فيريد ما، فيمنعه، حتى لا يرعى في هذا العشب. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: «ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وهو على غير ذلك»، رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، سلعة، يعني سلعة يبايع عليها، يريد اشتريها منه. وكان هذا البيع بعد العصر، وذكر أهل العلم تخصيص هذا الوقت، لأنه الوقت الذي تجتمع فيه الملائكة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر»، فلأجل ذلك كان هذا الوقت وقتا معظم ومشهود تشهده الملائكة. قال: «فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وهو على غير ذلك»، يحلف له بالله أنه اشتراها بكذا وكذا، هو كاذب، يحلف أيمان كاذبة من أجل أن يمشي هذه البضاعة. فهذا موعود بهذا الوعيد الشديد. قال: «ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف»، رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، يعني من أجل مصلحة دنيوية يبايعه، ويعتقد أن له بيع وله سمع وطاعة، فإذا أعطاه وفى له بالسمع والطاعة، وإذا منعه لم يفي له، ونقض البيعة. فهذا الفعل كذلك موعود صاحبه بهذا الوعيد الشديد. قال: وحدثني عمر الناقد، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أراه مرفوعا، يعني إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه». قال: وباقي حديثه نحو حديث الأعمش. هذه الرواية فيها أن حلف هذا الذي يحلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه، يعني أخذه باليمين، وأخذ مال المسلم حرام، أن يأخذ الإنسان مال غيره بغير حق هذا حرام، فكيف إذا كان مع أخذه له تحلف يمينا فاجرة وكاذبة؟ وزد على ذلك إذا كانت بعد العصر فهو أشد. قال: «حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه»، أخذه قد يكون هذا عند التحاكم عند الحاكم، فيقول الحاكم للمدعي: البينة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، فيطالب المدعي بالبينة، يقول: ما عندي بينة، قد يكون وصاحب الحق وصاحب المال، لكن لا توجد عنده بينة، فيقال للآخر المنكر: اليمين، فيحلف بالله أنها له، وأن هذا المال له، وهذا الحق له، هو كاذب، فيقضى له بأنه له، وذلك أن القاضي والحاكم يحكم بالظاهر. بحديث أم سلمة رضي الله عنها، قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له، فمن قضيت له من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار». وهذا يدل على أن حكم الحاكم لا يحل الحرام، لا يحل الحرام، فإذا حكم بأن هذا الأمر له على ما ظهر، وهو يعرف الذي قضي له بذلك أنه ليس له، فهو حرام، لا يحله، الحرام حرام، لا يحله قضاء القاضي، العبرة بما في نفس الأمر، وفي حقيقة الأمر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أيضا موعودون بهذا الوعيد الشديد. فإذا عندنا في هذه الروايات حديث أبي ذر، حديث أبي هريرة، سبعة أصناف، عندنا سبعة أصناف من قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم». من هؤلاء السبعة؟ ها، من يذكرهم؟ ها، بعض: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر، هؤلاء سبعة. بقي أيضا ثامن، الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب، هذا السادس أو سابع، ثامن، سابع، آذن، بقي بقي ثلاثة، ها نعم: رجل بايع إماما لا يبايع إلا لدنيا، إن أعطاه وفى، وإن لم يعطه لم يف، التاسع أو العاشر، التاسع، هذا الثامن التاسع، نعم: الحلف على يمين على سلعة هذا مر، فاقتطعه، فذكره. من منع فضل ماء على ابن السبيل، الآن في حديث أبي ذر ثلاثة: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. وفي حديث بهريرة: الشيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر، هؤلاء ستة. وفي الحديث الآخر: ثبر، الآخر، من منع فضل ماء، السابع، الثامن، من حلف، من بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله أخذها بكذا وكذا، الثامن التاسع، نعم: من بايع إماما، العاشر، من حلف على يمين بعد العصر اختطع بها مال مسلم. هذه عشرة، عشرة ذنوب، ها، فرق هذا، هذا بالبيع، وهذا في اختطعه، يعني بغير حق، أخذه بالقهر أو بالقوة، أو بالغش، ثم حلف أنه له. طيب، هذه عشر ذنوب، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو في أصحابها: «لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». طيب، هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله، وصحبه، أجمعين.