الدرس في كتاب الإيمان 89، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع شرح حديث نزول ابن مريم وإمامة المسلمين له من خلال عدة روايات وأسانيد مختلفة. يتم توضيح مسائل الرواية والتدليس في الإسناد.
يشرح المقطع نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وحكمه بشريعة النبي، ورفضه الصلاة بالناس لكون إمامهم منهم. كما يبين شرط قبول رواية المدلسين بالعنعنة.
أخبر النبي بقاء طائفة من أمته تقاتل على الحق إلى يوم القيامة، وأن عيسى سينزل ويحكم بشريعة النبي. الطائفة المنصورة تبقى ظاهرة على الحق رغم ضعف المسلمين أحيانا.
يتم توجيه الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه في ختام الدرس. هذا الدعاء يُعتبر تقليدًا إسلاميًا يُمارس في نهاية العديد من النصوص أو الخطابات الدينية.
قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، أن يسابور القشيري -رحمه الله- في صحيحه، في كتاب الإيمان، قال: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، وهو يسمى ابن شهاب محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزهري، كان يقول -رحمه الله-: "العلم كنوز، مفاتيحها السؤال، فمن طرق تحصيل العلم السؤال، أن تسأل العالم عما تحتاج إليه أو تحتاج لمعرفته من مسائل علمية ومسائل مشكلة، تستفيد بذلك علما". "العلم كنوز، مفاتيحها السؤال". وكان يقول -رحمه الله-: "حياة العلم مذاكرته، وآفته النسيان". "حياة العلم" يعني بقاء العلم وعدم ذهابه بالمذاكرة، مذاكرة العلم، فمذاكرة العلم يحفظ لك العلم، يبقى العلم محفوظا موجودا، وآفته النسيان، إذا ترك ولم يذاكر ولم يراجع ينسى، ينسى ويذهب. قال: أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". قال: وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، يعني ابن شهاب، قال: أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم". وسيأتي ما مقصود "وأمكم". قال: وحدثنا زهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي، قال: حدثني الوليد بن مسلم، وهو ثقة، إلا أنه مدلس يدلس تدليس التسوية، ما هو تدليس التسوية؟ تسوية الإسناد بالثقات، يسقط ضعيفا بين ثقتين، سمع أحدهما من الآخر، فيأتي فيسقط هذا الضعيف، ويسوي الإسناد بالثقات، وهذا من التدليس المذموم؛ لأن فيه إظهار السند بأنه صحيح، وهو ضعيف، وفاعل ذلك إذا كان -يعني يقصد إلى ذلك لأجل أن يصحح الحديث- وهو ضعيف، لا شك أن هذا إثم وذنب، ويواخذ على ذلك. والوليد بن مسلم لما سئل عن ذلك: ماذا تصنع؟ فكان يقول: "إني أنزه شيخي أن يروي عن الضعفاء". قال: حدثنا ابن أبي ذيب، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم، فأمكم منكم؟". فقلت لابن أبي ذيب: "إن الأوزاعي حدثنا، والوليد بن مسلم كثيرا رواية عن الأوزاعي، وهو أيضا يدلس كثيرا عن الأوزاعي، ولما يسأل عن ذلك يقول: إني أجل الأوزاعي أن يروي عن أمثال هؤلاء من الضعفاء". فلهذا إذا روى الوليد بن مسلم بالعنعنة لم يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث. قال: قلت لابن أبي ذيب -يعني الوليد بن مسلم-: "إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرة: «وإمامكم منكم»". يعني ما قال: "فأمكم منكم". قال: "فإمامكم منكم". قال ابن أبي ذيب: "تدري ما أمكم منكم؟". قلت: "تخبرني". قال: "فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى، وسنة نبيكم ﷺ". يعني فسر ابن أبي ذيب قول أبي هريرة "وإمامكم منكم" معناه قوله "فأمكم منكم"، قوله "فأمكم منكم" يعني أمكم بكتاب الله، وسنة رسوله، بنفس الشريعة التي أنتم عليها، شريعة النبي عليه الصلاة والسلام. ورواية "وإمامكم منكم" سيأتي تفسيرها: أن إمام المسلمين في ذلك الوقت هو الذي يصلي بالناس عند نزول ابن مريم، فيطلب من ابن مريم أن يتقدم، فيأبى ويصلي خلف إمام الناس في ذلك الوقت. قال: حدثنا الوليد بن شجاع، وهارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر، قالوا: حدثنا حجاج، وهو ابن محمد، عن ابن جريج، وهو عبد الملك، قال: أخبرني أبو الزبير، وهو محمد بن تدرس، وهو مدلس، وكثير الرواية عن جابر، وإذا روى عن جابر بالعنعنة قُبلت روايته إذا كان الراوي عنه من الليث، الليث بن سعد، إذا روى أبو الزبير بالعنعنة عن جابر، وكان الراوي عنه الليث بن سعد، قُبلت روايته، وقُبلت عنعنته؛ لأن الليث بن سعد سأل أبا الزبير عما سمعه من جابر، فأخبره به، فهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر، فتحمل عنعنته في الرواية عن جابر على السماع إذا كان راوي عنه الليث بن سعد. قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة». قال: «فينزل عيسى بن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: تعالى صل لنا». فيقول: «لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة». هذه الحديث فيها إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وهذا كما مر معنا أنه علم من علام الساعة، أو شرط من شروط، أو علام علاماتها الكبرى، وهو نزول عيسى عليه السلام، ينزل فيحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. ونزوله من علامات الساعة الكبرى، ويكون بعد ظهور المسيح الدجال. ولهذا كما جاء بالأحاديث: أنه ينزل فيقتل المسيح الدجال، ثم يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام أربعين سنة، ثم يقبضه الله جل وعلا. وفي هذه الأحاديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث جابر- بقاء طائفة من أمته عليه الصلاة والسلام يقاتلون على الحق، يعني يجاهدون في سبيل الله، ويقاتلون أعداء الله جل وعلا، وهم على الحق ظاهرين، أي هذه الطائفة ظاهرة، واضحة، بينة، وظهورها باق إلى يوم القيامة، باق إلى يوم القيامة. وهذا فيه إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام ببقاء هذا الدين، وظهوره، ونصرته، مهما حصل في زمن الأزمان أن يحصل لأمة الإسلام شيء من الضعف أو الهوان، أو تسلط بعض الأعداء على أهل الإسلام، فليس معنى هذا ذهاب هذا الدين، وخذلانه، وإذ محاله، وعدم بقائه، بل هو باق إلى يوم القيامة. لكن سنة الله جل وعلا في كونه: أن أهل الإسلام إذا ضيعوا هذا الدين، وخالفوا أمر الله، يصيبهم ما يصيبهم من الذل والهوان بسبب ذنوبهم ومعاصيهم. ومع ذلك فتبقى طائفة ظاهرة على الحق، تبقى طائفة ظاهرة على الحق، تقاتل في سبيل الله، وتعلي كلمة الله جل وعلا، وهي باقية إلى يوم القيامة. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بنزول عيسى بن مريم، فينزل والناس يتهيئون للصلاة، فيقول أمير الناس في ذلك الوقت: "تعالى صلي لنا". وفي بعض روايات الحديث: أنه المهدي، مهدي أهل السنة محمد بن عبد الله، فيقول عيسى عليه السلام: "لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة". يعني يرفض أن يصلي بهم، ويقول: إن إمام المسلمين منهم. وهذا معنى الروايات التي مرت معنا: «في ثبي هريرة وإمامكم منكم»، «وإمامكم منكم»، يعني أم المسلمين في ذلك الوقت من هو منهم. وأما رواية «وأمكم منكم» يعني أمكم -كما قال ابن أبي ذيب- بكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقول: «ألا إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» يعني أن تكون الإمارة في هذه الأمة من أهل الإسلام بعضهم على بعض. وعيسى عليه السلام -كما مر معنا- ينزل ويحكم بشريعة النبي ﷺ، لا بشريعة جديدة، ولا بشريعته السابقة؛ لأن شريعته منسوخة، قد نسخت بالإسلام، فالإسلام هو آخر الأديان التي بعث الله عز وجل بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فهو ناسخ للأديان السابقة، والكتاب الذي أنزله الله عز وجل عن نبيه هو القرآن، ناسخ للكتب السابقة، والنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء والرسل، فلا نبي بعده، ولا رسول بعده، وإنما ينزل عيسى كتابعا لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، كغيره من أتباع هذه الأمة، يحكم بشريعة النبي ﷺ. إلى هنا صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.