كتاب الإيمان 97

كتاب الإيمان 97

الدرس في كتاب الإيمان 97، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل العلم وطلب الحديث وتفسير الصلاة على النبي

يتحدث هذا الفصل عن أهمية طلب العلم والحديث، ويذكر قصة ابن عباس وأهمية استعداد طالب العلم للزمن الذي يحتاج فيه الناس إلى علمه، كما يشير إلى تفسير الصلاة على النبي وذكر بعض الأئمة.

رؤية النبي للأنبياء أثناء الإحرام وتفسيرها

يتناول هذا الفصل رواية النبي عن رؤيته للأنبياء أثناء إحرامهم، ويشرح العلماء كيفية حدوث هذه الرؤية مع أن الأنبياء قد ماتوا، موضحين عدة تفسيرات لذلك.

هدي الأنبياء في التلبية أثناء الحج

يصف هذا الفصل رؤية النبي لموسى ويونس عليهما السلام وهما يلبيان أثناء مناسك الحج، ويذكر تفاصيل حول كيفية تلبية موسى عليه السلام ورفعه صوته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ذكرنا في درس الماضي أن أبا العالية اسمه ربيع ابن مهران، وهذا تصحيف، والصواب رفيع، رفيع بالفاء، ليس ربيع، رفيع ابن مهران. قال الإمام مسلم: حدثنا الحجاج أبو الحسين، أن يسابوري القشيري، رحمه الله، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، وهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزيل بغداد، أبو عبد الله، أحد الأئمة، إمام أهل السنة والجماعة. قال فيه الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في التقريب: ثقة، حافظ، فقيه، حجة، وهو صاحب المسند، مسند الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة. قال: وسريج من يونس، سريج من يونس هو ابن إبراهيم البغدادي، أبو الحارث المروزي، ثقة، عابد. قال: حدثنا هشيم، وهو ابن أبي بشير، أبو معاوية، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، وهو القشيري، قيل: كنيته أبو بكر، وقيل: أبو محمد البصري. قال فيه الحافظ: ثقة، ثبت، ثقة، متقن. عن أبي العالية، وهو الرياحي، رفيع بن مهران، وهو ثقة، كثير الإرسال، ومراسيله ضعيفة. له أثر مشهور في صحيح البخاري، ذكره البخاري في صحيحه. ما هو كثير ما يذكره أهل العلم في معنى الصلاة، صلاة الله على عبده، ثناء الله عليه في الملأ الأعلى. في تفسير الصلاة، صلاة الله على عبده، يعني: ثناه عليه في الملأ الأعلى، هذا التفسير مشهور عنه. قال: عن ابن عباس، اسمه عبد الله، من عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو أحد السبعة الذين رووا فوق الألف من الحديث. وكان ذا همة عالية في طلب الحديث، طلب العلم. كان يأتي إلى الصحابة إلى بيته فيجده في وقت القيلولة، فيقيل تحت بيته، تحت باب داره، ينتظر خروجه، وتأتيه الرياح فتسفه، وهو صابر حتى يخرج فيسأله عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان يتلقى عن الصحابة، كان له صاحب من الأنصار، لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، قال له ابن عباس: فلنأخذ العلم عن أكابر الصحابة. فقال له صاحبه: أتظن أن الناس يحتاجون إليك، وفيهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كثر. قال: فترك الأنصاري الأخذ عن الصحابة، وأقبل ابن عباس يحضر مجالس العلم، ويسمع من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أتى يوم احتاج الناس إلى العلم من ابن عباس، فالتفوا حوله. فننظر هذا الأنصاري إلى ابن عباس، فقال: لقد كان هذا الفتى أعقل مني، لأنه أقبل على العلم، وهذا ترك. فجاء الوقت والزمن الذي احتاج الناس إلى ابن عباس، فالتفوا حوله. وهكذا طالب العلم، ربما يطلب العلم في وقت لا يحتاج الناس إليه، لوجود من يرجع الناس إليه، لكن سيأتي وقت وزمن يحتاج الناس إليك، ولا سيما العلم الذي عندك، إذا ذهب من هو أعلم منك، فسيحتاج الناس لمن بعدهم. فطالب العلم يهيئ نفسه إلى الزمن الذي سيحتاج الناس فيه إلى علمه. قال: على ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ قال: هذا واد الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية. ثم أتى على ثنية هرشا، قال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشا. قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، وهو يلبي. قال ابن حنبل في حديثه: قاله شيم، يعني: ليفا. هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء من أحوال الأنبياء التي رآها أو أخبر بها عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام. وقوله: كأني أنظر، يدل على أنه رأى ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ذلك بعينيه. وذكر الإمام النووي، رحمه الله، عن القاضي عياض: أنه ربما يعترض فيقال: كيف أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور التي رآها من الأنبياء، والأنبياء قد ماتوا؟ فكيف يعني يخبر بأنه رآهم يلبون على هذه الأحوال؟ فذكر رحمه الله أقوالا في ذلك. منها: أن الأنبياء أحياء، وإن كانوا قد ماتوا في الدنيا، فهم أحياء عند الله عز وجل، كحال الشهداء. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ والأنبياء أفضل من الشهداء، إذن فلا إشكال حينئذ أنهم أحياء عند الله جل وعلا. ومنها أيضا: أن عمل الآخرة بالذكر والدعاء، كما قال الله عز وجل: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: أهل الجنة، فيكون ما أخبر به عنهم من ذكرهم لله وتلبيتهم، منح ذلك هذا من ذكر الله الذي يذكره أهل الجنة ويذكرون به الله جل وعلا. ومنها: أنه ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أنها رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، أريها النبي عليه الصلاة والسلام. ومنها: أنه أري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم، أري أحوالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له كما كانوا في حياتهم، كيف كانوا يلبون وكيف كانوا يحجون. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأني أنظر إلى موسى وكأني أنظر إلى عيسى». ومنها: أنه أخبر عما أوحي إليه من أمرهم، أخبر مما أوحي إليه من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم بعينه، لكن كما ذكر قاضي رحمه الله في أول الأمر: أن ظاهر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ذلك ليلة أسري به. وعلى كل، إن فهذه الأحوال أو الأوجه محتملة. وقوله: «كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار»، الجؤار: رفع الصوت بالتلبية، رفع الصوت بالتلبية. قال: «وله جؤار إلى الله بالتلبية»، يعني: يرفع صوته في التلبية. ثم أتى على ثنية هرشا، وثنية هرشا، قال النووي رحمه الله: وجبل على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. فقال: «أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشا». ثم قال: «كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة»، جعدة: بمعنى ممتلئة اللحم، «عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة»، خلبة: يعني من ليف، كما فسر، قاله الشايم، يعني: ليفا، قال: «وهو يلبي». وهذا فيه: أن التلبية في الإحرام كان من هدي الأنبياء، كان من هدي الأنبياء، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن موسى وعن عيسى وعن يونس بن متى هذا الحال الذي يكون عليه المحرم من التلبية، بل رفع الصوت بها، رفع الصوت بالتلبية، فكان هذا من هدي الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثني محمد بن المثنى وموسى العنزي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، وهو محمد بن إبراهيم، عن داود، عن داود، عن داود، داود مشيء، داود عن داود، فمن داود ابن أبي هند. عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: «أي واد هذا؟» فقالوا: وادي الأزرق. قال: «كأني أنظر إلى موسى صلى الله عليه وسلم»، فذكر من لونه وشعره شيئا لم يحفظوه، «داود واضعا إصبعيه في أذنيه»، إصبع في اللغة لها عشرة أوجه في نطقها، يقال: أصبع، بفتح الهمزة وكسرها وضمها، ومع الباء كذلك، ثلاثية بالضم والكسر والفتح، فهذه تسعة، مع الباء، مع الفتح والضم والكسر، مع الهمزة تكون تسعة، والعاشر: أصبع، بالمد، فهذه عشر لغات في أصبع، وكلها صحيحة. قال: «أصبع في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية»، مار بهذا الوادي. قال: «ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هرشا». أولفت، هكذا ضبطناه بكسر اللام وإسكان الف، ولها أيضا وجهان آخران، الثاني: فتح اللام مع إسكان الف، والثالث: فتح اللام والفاء. قال: «كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مار بهذا الوادي ملبيا». وقول هنا: «كأني أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية»، يعني: فعل ذلك لأن هذا يكون أبلغ في رفع الصوت، أبلغ في رفع الصوت. ولهذا استحب للمؤذن إذا أذن أن يضع أصبعيه في أذنيه، حتى يكون هذا أبلغ في رفع صوته وتبليغ الأذان. وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، على مذهب من يرى أن مذهب شرع من قبلنا شرعا لنا، إذا لم يأت في الشرع ما يخالفه، الصحيح: إذا ورد في شرع من قبلنا شيئا، ولم يأت في شرعنا ما يخالفه أو ما يبطله، فإنه يحتج به، ويستأنس به، بل ربما يأتي كذلك في شرعنا ما يؤيد ذلك، فيدل على جوازه. فذكر النبي في هذا الحديث أنه رأى موسى ورأى عيسى عليه السلام، ويونس أيضا، رأى موسى ورأى يونس بن متى، وهما يلبيان. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.