الدرس في كتاب الإيمان 99، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
رأى النبي صلى الله عليه وسلم عيسى بن مريم والدجال عند الكعبة في المنام، ووصف عيسى بالجمال والآدمية والدجال بأنه أعور وجعد. يبين الحديث أوصافهما كما رآهما النبي.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدجال بأنه جعد قطط وأعور العين اليمنى، بينما وصف عيسى بأنه رجل آدم سبط الشعر. هذه الأوصاف جاءت في عدة أحاديث نبوية.
بعد انتهاء الصلاة، أشار شخص ما للنبي أن يسلم على مالك صاحب النار، فالتفت إليه وبدأه بالسلام. ورد الحديث بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأته على مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، قال: عن نافع، مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلا آدم، كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماء، متكئا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح ابن مريم. ثم إذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية، فسألت: من هذا؟ قيل: هذا المسيح الدجال». هذا الحديث حديث عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه رأى ليلة عند الكعبة. والكعبة سميت بذلك لأنها مربعة، لارتفاعها وتربعها، كما ذكر النووي رحمه الله. وكل بيت مربع عند العرب فهو كعبة. قال: «أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلا آدم، كأحسن ما أن ترى من أدم الرجال». آدم بمعنى أسمر، والمراد بهذا الوصف وصف المسيح عيسى بن مريم. وقد مر معنا في الأحاديث السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن عيسى لونه أحمر، وهنا ذكر بأنه أسمر. الآدم معنى الأسمر، وجمع بين الروايتين بأنه في وصفه بالحمرة ليس بشديد الحمرة، وفي وصفه بأنه آدم أو أسمر ليس بشديد السمرة، يعني بين الأدمة والحمرة. قال: «له لمة كأحسن ما أن ترى من اللمم». الشعر الذي يصل إلى الأذنين يقال له لمة، فإذا تجاوز الأذنين إلى المنكبين فيسمى جمة. قال: «قد رجلها، يعني مشطها، فهي تقطر ماء». تقطر ماء يعني كأنه رجلها من قرب حتى إنها لتقطر ماء. وجاء في رواية أخرى: «كأنه خرج من ديماس»، يعني من حمام، وهذا إشارة إلى جماله وحسنه. قال: «متكئا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت». العاتق ما بين المنكب والعنق، يسمى عاتقا. فسألت: «من هذا؟ قيل: هذا المسيح ابن مريم». والمسيح ابن مريم سمي بذلك كما ذكر أهل العلم، اختلفوا في سبب التسمية. فقيل: لأنه كان إذا مسح ذاعاهة برئت. وعيسى عليه السلام مما أيده الله به أنه يبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، فسمي بذلك. قال: «ثم إذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية». جعد يعني جعد الرأس، قطط يعني شديد الجعودة. فشعره متقصف. أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية. فسألت: «من هذا؟ قيل: هذا المسيح الدجال». قوله أعور العين اليمنى، في بعض الروايات أعور العين اليسرى. وأيضا وصف عين الدجال بأنها ممسوحة. قال رحمه الله: وحدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، قال: حدثنا أنس يعني ابن عياض، قال: عن موسى، وهو ابن عقبة، صاحب السيرة، عن نافع، قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: «إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية». قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم، كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضع يديه على منكبي رجلين، وهو بينهما يطوف بالبيت، قلت: من هذا؟ قال: المسيح ابن مريم. ورأيت وراءه رجلا جعدا قططا، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعا يديه على منكبي رجلين، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال». قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور»، فيه إثبات صفة العينين لله جل وعلا. قال: «إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى». ومعلوم أن العور يوصف به من له عينان فذهبت إحدى عينيه، فيقال له أعور. وإذا ذهبت كلتا العينين يقال له أعمى. وصفة العين ثابتة لله جل وعلا كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. فلله جل وعلا عينان يرى بهما سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله: وحدثنا ابن نمير، وهو عبد الله، وحدثنا أبي، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت عند الكعبة رجلا آدم سبط الرأس، واضع يديه على رجلين، يسكب رأسه أو يقطر رأسه، فسألت: من هذا؟ قال: عيسى بن مريم أو المسيح بن مريم». لا ندري أي ذلك قال: «ورأيت وراءه رجلا أحمر جعد الرأس، أعور العين اليمنى، أشبه من رأيت به ابن قطن، فسألت: من هذا؟ قال: المسيح الدجال». ذكر النووي رحمه الله هنا في معنى الجعد أنه في صفات الرجال قد يكون مدحا وقد يكون ذما. قال: فإذا كان ذما فله معنيان: أحدهما القصير المسيء المتردد، والآخر البخيل. يقال: رجل جعد اليدين، وجعد الأصابع، أي: بخيل. نعم، هذا إذا قيد، إذا أريد به معنى البخل فيقيد. يقال مثلا: جعد اليدين، جعد الأصابع، بمعنى أنه بخيل. لكن الأصل إذا أطلق لفظ الجعد، أو يقال: جعد الرأس، فالمراد به وصف الشعر بالجعودة. قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن عقيل، وهو ابن خالد، عن الزهري، محمد بن مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما كذبتني قريش، قمت في الحجر، فجل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه». وهذا لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم أصبح وهو عند أهل مكة. فلما أخبرهم بذلك وما حصل له من الإسراء كذب أهل مكة النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: وحدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم، رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، بين رجلين، ينطف رأسه ماء أو يهراق رأسه ماء، قلت: من هذا؟ قال: هذا ابن مريم. ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل جسيم جعد رأسه، أعور العين، كأن عينه طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال. أقرب الناس به شبها ابن قطن». قال رحمه الله: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حجاج بن المثنى، قال: حدثنا عبد العزيز، وهو ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، قال: فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي، أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبتهم به». وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود. وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه. قال: فحانت الصلاة، فأممتهم، يعني صليت بهم إماما. فلما فرغت من الصلاة، قال قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.