الدرس في كتاب الإيمان 98، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث عن رؤية النبي للأنبياء في المعراج وصفات الدجال، حيث ورد أن الدجال مكتوب بين عينيه كافر ويقرأه كل مؤمن. كما ذكر أن أكثر أتباع الدجال من اليهود.
تحليل سند حديث عرض الأنبياء على النبي صلى الله عليه وسلم، مع التركيز على أحوال الرواة ودرجة صحة الرواية، خاصة الليث بن سعد وأبي الزبير ومحمد بن مسلم بن تدرس.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء في الإسراء والمعراج، واختياره للبن على الخمر دلالة على هداية أمته، حيث أشبه إبراهيم عليه السلام.
الخروج عن الأصل والصراط المستقيم يعتبر انحرافا عن الهدي القويم، ويمثل مخالفة للمسار الصحيح الذي ينبغي أن تسلكه الأمة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، واسمه محمد بن إبراهيم، عن علي بن عون، وهو عبد الله بن عون أبو عون البصري، قال فيه الحافظ: ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل، يعني أيوب بن أبي تميم السختياني، قال: عن مجاهد بن جبر، إمام من أئمة التفسير، تلميذ ابن عباس، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، أوقفه عند كل آية، أسأله عنها. قال: كنا عند ابن عباس، فذكر الدجال، فقال: إنه مكتوب بين عينيه كافر. قال: فقال ابن عباس: لم أسمعه، قال: ذاك، ولكنه قال: أما إبراهيم، فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى، فرجل آدم جعد، على جمل أحمر، مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي. وقول ابن عباس حين ذكر الدجال، وأنه مكتوب بين عينيه كافر، لم أسمعه، قال: ذاك، ولكنه قال: إما أن يريد، يعني في ذكره الدجال، حين ذكر ما رآه في معراجه، أو أنه لم يبلغه قول النبي عليه الصلاة والسلام هذا في الدجال، أنه مكتوب بين عينيه كافر. وإلا فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام إخباره بذلك، أن الدجال مكتوب بين عينيه كافر. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقرأه كل مؤمن، سواء من يحسن القراءة ومن لا يحسن القراءة. فالله جل وعلا يجعله يقرأ هذه الكلمات التي بين عينيه، وهذه من دلائل كذب الدجال ودجله، ومع ذلك يتبعه من يتبعه من الناس. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أتباع الدجال من اليهود، يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان. فالدجال يجد له أتباعا، ولهذا لا تستغرب أن تجد في كل زمن صاحب باطل يأتي بباطله ويجد له من يتبعه. وجد من يدعي النبوة، وجد لهم أتباع يصدقونهم ويؤمنون بهم. فهكذا دائما كل صاحب دعوة وصاحب باطل يجد له من يتبعه على باطله، حتى يكون آخرهم الدجال، ومع ذلك يجد له أتباعا ومن يصدقه. قال ابن عباس: ولكنه قال: أما إبراهيم، فانظروا إلى صاحبكم، يعني أنه يشبه النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أشبه الناس به هو النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: أما موسى، فرجل آدم جعد، آدم يعني أسمر، جعد يعني ممتلئ أو مجتمع الجسم، وممتلئ اللحم، أو يراد به جعد الرأس، بأن يكون شعره ليس بالشعر السلس الناعم، بل فيه شيء من الجعودة والخشونة. قال: على جمل أحمر، مخطوم بقلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي. مخطوم، الخطام ما يوضع في فم الجمل من اللجام الذي يتحكم به السائق الجمل وراكبه، يوضع عليه الخطام والإجام حتى يسير على ما يريد، فيسمى خطام، وربما وضع في أنفه حتى ينقاد له. قال: وحدثنا قتيبة من السعيد، وقتيبة من السعيد، من طريف، من جميل أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا الليث، ومن سعد، حى، وحدثنا محمد من رمح، حى. ما يراد بها؟ يراد به الحديث، هذا قول له ثلاثة معاني: أحدها اختصار الحديث، يقول حى بمعنى الحديث. والمعنى الثاني: ها عمر، تحويل السند. والثالث: ها بطار، اختصار حدثنا. نعم، اختصار حدثنا. وأي المعاني المراد هنا؟ تحويل السند. قال: حدثنا محمد من رمح، وابن المهاجر التجيبي، ثقة ثبت، كما قال الحافظ، هو من رجال البخاري ومسلم، قال: أخبرنا الليث، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا البخاري ومسلم، أي محمد من رمح، قال: أخبرنا الليث، وابن سعد أبو الحارث الفهمي. ماذا قال فيه الشافعي؟ الليث أفضح من مالك، إلا أنه يعني لم يقم أتباعه بحفظ مذهبه، أو ضيعه أتباعه. الليث أفضح من مالك. وقال فيه: ما تأسفت على أحد تأسفي على الليث وابن أبي ذئب. ما تأسفت على أحد، أو تحسرت على أحد، تحسري على الليث وابن أبي ذئب، يعني في عدم ملاقاتهم. ما تأسفت على أحد تأسفي على الليث وابن أبي ذئب، على الليث وابن أبي ذئب. قال: عن أبي الزبير، هذا السؤال عند أبي الزبير: من هو أبي الزبير؟ محمد بن مسلم بن تدرس. ما حال روايته عن جابر؟ مدلس، يعني يدلس عن جابر. وهنا رواية العنعنة عن أبي الزبير عن جابر. محمد بن مسلم بن تدرس، طيب، متى تقبل روايته عن جابر مطلقا، ولو روى بالعنعنة؟ إذا روى عن أبي الزبير، يعني محمد بن تدرس. الليث كما في هذا السند هنا، الليث روى عن أبي الزبير، فعنعنته هنا مقبولة. لماذا؟ لأن الليث سأله عما سمعه من جابر، فأخبره، فإذا روى عنه الليث، معناه أنه حدث عن جابر بما سمعه منه، ولو روى بالعنعنة، فهي محمولة هنا على السماع. قال: عن أبي الزبير عن جابر، وهو من عبد الله بن حرام، أحد السبع الذين رووا فوق الألف من الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. من يذكرنا بهم؟ المكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرض علي الأنبياء، فإذا موسى، ضرب من الرجال، كأنه من رجال شنوءة. ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود. ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم، يعني نفسه. ورأيت جبريل عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية. وفي رواية ابن رمح: دحية بن خليفة. وقد مر معنا الكلام على بعض فقرات هذا الحديث في الأحاديث التي قد سبقت. وذكر هنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى عيسى عليه السلام، وأقرب من رأى به شبها عروة بن مسعود، سيأتي ذكر، يعني شيئا من صفته التي رأى النبي عليه الصلاة والسلام، مما يدل على ما كان عليه من حسنه وجماله. قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: وعبد بن حميد، وصاحب المنتخب، قال: وتقارب في اللفظ، قال: ابن رافع، حدثنا، وقال عبد: أخبرنا، عبد الرزاق، من عبد الرزاق، وهو صنعاني ابن همام صنعاني، قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد، نزيل اليمن، عن الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن الشهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وهو من سادات التابعين، سعيد بن المسيب بن حزن، والمسيب، وحزن صحابيان. ويعد سعيد بن المسيب من أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة الذين ذكرهم. قال: عن أبي هريرة، وسعيد يعد من أثبت الناس في أبي هريرة، لأن بينه وبينه قرابة، فما هي؟ زوج ابنته. سعيد بن مسيب زوج ابنة أبي هريرة، فأبو هريرة يعني عمه، كما نقول في العرف، فكانت يعني علاقته به قوية من جهة المصاهرة. قال: عن أبي هريرة، وهو حافظ الصحابة، مختلف في اسمه، وأرجح الأسماء أنه عبد الرحمن بن الصخر الدوسي، ودوس من اليمن، صاحب النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث سنوات، جاء في فتح خيبر في السنة السابعة، وروى من الحديث أكثر من غيره من الصحابة، أو أكثر صحابة رواية للحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين أسري بي، لقيت موسى عليه السلام، فنعته النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ذكر صفته، فإذا رجل، حسبته قال: مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة. قال: ولقيت عيسى، فنعته النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ربعة، أحمر، كأنما خرج من ديماس، يعني حماما. قال: ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، أنا أشبه ولده به. قال: فأتيت بإناء، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربته، فقال: هديت الفطرة، أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر، غوت أمتك. قوله: فنعته النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رجل، حسبته قال: مضطرب. مضطرب، ومر معنا في لفظ: ضرب، أن في وصف موسى، أنه ضرب من الرجال. الضرب يعني بين معنى وسط، في كثرة اللحم وقلته، ليس بالقليل، ولا هو بالكثير، يعني معتدل. معتدل في جسمه. وكذلك أيضا معنى مضطرب. وبعض أهل العلم، كما أشار الإمام النووي رحمه الله، أنه قال: بأن قوله مضطرب، يعني ليس بثابت، بقوله: حسبته قال، كأنه شك، يقول: بأن الراوي شك، فيكون الرواية الصحيحة: ضرب. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن مضطرب أيضا تذكر في اللغة بمعنى ضرب، بمعنى ضرب، وهو الخفيف اللحم، كما ذكر عن بعض أهل اللغة، فلا تعارض بين الروايتين. قال: رجل الرأس، رجل الرأس، بمعنى ممشط الرأس. ترجيل الرأس، تمشيطه، أن يمشطه، سواء كان يعني مع دهن أو ماء، فالمراد بالرأس الشعر. رجل الرأس، يعني رجل الشعر، شعره ممشط، كأنه من رجال شنوءة. ثم ذكر عيسى، فنعته، أي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ربعة، أحمر، ربعة، يعني معتدل في الطول والقصر، بين الطول والقصر، لا هو بالطويل، ولا هو بالقصير. أحمر، يعني لونه، كأنما خرج من ديماس، يعني حماما، يعني جماله وحسنه. وجاء في بعض الروايات: كأن رأسه يقطر، يعني يقطر ماء، كأنه خرج من حمام، اغتسل. أراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ذكر جماله وحسنه. ثم ذكر إبراهيم بأنه أشبه الناس به نفسه عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر بأنه أوتي بإناء، وقد مر معنا ذلك في الروايات السابقة، عرض له الخمر واللبن، فأخذ اللبن، وقيل: هديت الفطرة. ولو أخذ الخمر، لغوت أمته، يعني خرجت عن الفطرة، وصارت يعني أمة أمة غواية وزيغ، ومائلة إلى الذنوب والمعاصي، ومائلة عن الفطرة. لكن هداه الله جل وعلا لأخذ اللبن، فكانت مهتدية مستقيمة على الفطرة، وإن خرج يعني بعض الأمة، فليس هذا هو يعني هديها وأصلها. فهذا خروج عن الأصل وخروج عن الصراط المستقيم والهدي القويم الذي ينبغي أن يكون عليه كل فرد من أفراد هذه الأمة.