الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أحاديث الصحابة عن ممارسة العزل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم دون نهي، مستدلاً بحديث جابر وأبي سعيد الخدري على جوازه. ويرد على شبهة اليهود بأن القدر لا يرده العزل، مؤكداً أن الأحاديث دالة على الإباحة.
يبين المقطع أن جمهور العلماء (الشافعي، مالك، أبو حنيفة) ذهبوا إلى جواز العزل، بينما كرهه الإمام أحمد وبعض السلف، وذهب فريق إلى تحريمه. ويرجح القول بالجواز استناداً إلى فعل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع جواز العزل عند الجمهور مع الكراهة ما لم تدعُ ضرورة، وينقل فتوى ابن باز بتقييده، ويرفض مفهوم تحديد النسل الغربي لمخالفته مقصد التكاثر. كما يذكر خلاف العلماء في اشتراط إذن الحرة، مرجحاً مذهب الشافعي بجوازه بلا إذن مع الكراهة.
تختتم المترجمة نانسي قنقر العمل بعبارة الاكتفاء بما ذُكر، مع تفويض العلم لله تعالى. وتنسب الترجمة إليها في ختام النص.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب العزل». والمراد بالعزل هو عندما يجامع الرجل امرأته فيخرج المني خارج الرحم، فيخرج خارج الرحم، فهذا يسمى عزلاً. قال: حدثنا مسدد، ومسدد هو من مسرهد، أبو الحسن البصري، كان كما قال البخاري: «مسدد كاسمه مسدد»، هو الذي يأتي بالصواب. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو القطان، عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، إمام الحرم، قال: عن عطاء، وهو ابن أبي رباح المكي، عن جابر قال: كنا نعزل على عهد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: عمرو، أي: ابن دينار، أخبر أن يعطاه أنه سمع جابراً رضي الله عنه قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينهَ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن ذلك. قال: وعن عمرو عن عطاء عن جابر، ظهر بنفس الإسناد، قال: كنا نعزل على عهد النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن ينزل. فهذا الحديث ذكره في باب العزل: «كنا نعزل والقرآن ينزل»، باللفظ الآخر: «كنا نعزل على عهد النبي عليه الصلاة والسلام». فهذا الحديث معناه: أنه لو كان منهياً عنه لنُهي عنه، أو أنه قد بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فلم ينهَ عنه. وخاصة إذا كان شيئاً منتشراً بين الناس، وكان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يأتي القرآن: إن كان حراماً يحرمه، وإلا مثلاً عيدهم، فالقرآن ينزل بحسب الحوادث. ومسألة العزل قد جاءت فيها أدلة: منها ما يجيز ذلك، ومنها ما يحرم ذلك، أو أنه لا يستحبه، يستحبه. فهذا الحديث من الأدلة التي دلت على جوازه، دلت على جوازه. جاء أيضاً في سنن النسائي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال له: كان لنا جواري وكنا نعزل عنهن، وكنا نعزل عنهن، فقالت اليهود: إن تلك الموؤودة الصغرى. فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: «كذبت اليهود، ولو أراد الله عز وجل أن يخلقه لم تستطع رده، إذا أراد الله أن يخلقه لم تستطع رده». وجاء أيضاً عن أبي سعيد بلفظ أخرجه مسلم: قال: «إن لي جارية هي خادمنا وساقيتنا، وأنا أطوف عليها» -أطوف عليها بمعنى: جامعها- «وأنا أكره أن تحبل، فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها». معنى: إذا قدر لها سيأتيها ولو عزلت. قال: فلبث الرجل ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت. فقال: «قد أخبرتك أن سيأتيها ما قدر لها». وسيجيء معنى حديث أبي سعيد وألفاظه التي جاءت فيه. وفي بعض الألفاظ أن اليهود هم الذين قالوا: إنها الموؤودة الصغرى، أنهم قالوا. وجاء في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماه كذلك. لكن الأحاديث التي فيها الإباحة أكثر. لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما عليهم أن يفعلوا، ما من نطفة إلا ويخلقها الله». وجاء في لفظ: «ما قدر في الرحم سيكون، ما قدر في الرحم سيكون». وجاء أيضاً بلفظ: «لا عليكم أن لا تفعلوا، لا عليكم أن لا تفعلوا». فهنا هذا اللفظ: «لا عليكم أن لا تفعلوا»، حمله بعضهم على النهي، أي: لماذا تفعلون هذا؟ وجاء أيضاً عن أسامة بن زيد أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لماذا تفعل ذلك؟» فقال الرجل: أشفق على ولدها، على أولادها الصغار، فأنا أشفق على ولدها. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كان ذلك ضاراً ضرّ فارس والروم، أنا لو كان هذا يضر لضرّ فارس والروم، فهم يعزلون، يعزلون ولا يضرهم، وكذلك يجامعون». وظهر أن هذا الحديث جاء في مجامعة المرضع، مجامعة المرضع، لكن قصر بعض الرواة فذكروا مثل هذا. فخلاصة هذا الحديث يدل على جوازه. وجاء في حديث جثامة بنت وهب عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «هو الوأد الصغير الخفي»، قال: «هو الوأد الصغير الخفي». أخرجه الإمام مسلم. وجاء من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة، أنا جعلته على صخرة، لم يخرج الله عز وجل نفساً هو خالقها، لم يخرج الله عز وجل نفساً هو خالقها». وهذا الحديث أخرجه أحمد بإسناد لا بأس به. وأيضاً جاء عند النسائي من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن العزل، وقيل: إن اليهود تزعم أنها الموؤودة الصغرى، فقال: «كذبت يهود، لو أراد الله خلقاً لم تستطع عزله». ولا حديث في ذلك كثيرة. وقد جاء أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود، وصحح بعضهم وقفه، أنه قال: «عزل الماء لغير محله من الأشياء التي تكره». فذكر عشرة أشياء يكرهها الله، فذكر منها: عزل الماء لغير محله. لكن كما قلنا: ظاهر أنه موقوف، وصححه ذلك الإمام البخاري رحمه الله، أي أنه ليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وصح عن بعض العلماء أو بعض الصحابة كراهية العزل، وأنه مكروه، أو أنه محرم. جاء ذلك عن زيد بن ثابت، وعن ابن عباس. وجاء أيضاً عن سعد بن أبي وقاص. وجاء هناك حديث من حديث أبي هريرة، لكن اختلف العلماء في صحته، وهو قوله في العزل: «لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها». ولكن هذا الحديث كما قلنا اختلف العلماء فيه، ورجح الإمام الدارقطني أنه موقوف، أنه موقوف على عمر، وليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث في هذا الباب، وكذلك جاءت آثار عن السلف. وجاء أيضاً عن بعض السلف أنهم أجازوا ذلك. جاء عن بعض السلف أنهم أجازوا العزل. وذكر مالك في الموطأ عن سعد بن أبي وقاص، وعن أبي أيوب الأنصاري، وعن زيد، وابن عباس أيضاً، أنهم كانوا يعزلون. معناه: يذكر عن ابن عباس الكراهة، ويذكر أنه كان يجيز ذلك. وذكره أيضاً ابن المنذر في الأوسط عن علي، وخباب بن الأرت، وجابر، أنهم كانوا يفعلون ذلك، أي: العزل. وجاء عن جماعة من التابعين: كابن المسيب، وطاوس. وجمهور أهل العلم على ذلك: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة. وكرهه أحمد، وكرهه أحمد. وجاء أيضاً عن بعض السلف أنه شدد فيه. جاء عن عبد الله بن مسعود، وعن ابن عمر، أنهم كانوا يشددون فيه. وجاء أيضاً عن أبي أمامه أنه كان يقول: «ما كنت أرى أن مسلماً يصنعه، يصنع ذلك». وأيضاً جاء عن بعض التابعين: كإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله بن عمر، أنهم كانوا يحرمون العزل. والصحيح الذي عليه، كما قلنا، أكثر العلماء: أنه جائز، أنه جائز. ولكن الأفضل تركه، الأفضل تركه. وأيضاً الاستمرار عليه: بعض العلماء الآن يفتي بتحريمه، كالشيخ ابن باز رحمه الله. الشيخ ابن باز يفتي على أنه لا يجعله أكثر من سنتين، بل حتى يقول: لا يجوز أن يجعل العزل بعد السنتين. وبعضهم يقول: يجوز لكن مع الكراهة، وأنه فيه قد يكون نقص بالتوكل على الله، إلا إذا كانت هناك حاجة: كأن تكون المرأة مريضة، أو المرأة مثلاً عندها عملية، أو مثلاً يضرها الحمل، فهذا لا شك أنه جائز، لا شك أنه جائز، وليس فيه كراهة إذا كان كذلك. وهذا العزل لعله أفضل الحلول. وأما هذه الحلول الآن التي تأتي من الغرب، فغالبها، غالبها مضرة. أولاً: غالبها يضر المرأة. إذا كانت المرأة مثلاً تتعب أو تمرض، وكذا يصيبها شيء من الإرهاق الشديد الذي لا تستطيع أن تؤدي بعد ذلك عملها، فلا بأس أن تستخدم شيئاً من هذا، لكن لا يكون باستمرار. وأعداء الله عز وجل من الكفار يبثون في المسلمين مثل هذه الأشياء، لأجل: أولاً: لأجل كثرة الزنا، لأجل أن المرأة لو زنت ما يظهر الحمل. وأيضاً كذلك يجعلونه للمسلمين مما زعموا: تحديداً للنسل، تحديداً للنسل. وهذا ليس من الإسلام في شيء. مثل تحديد النسل: هذا الإنسان مثلاً يكتفي باثنين، يكتفي بثلاثة، يقول: خلاص عندي ثلاثة يكفين. فهذا ليس من الإسلام في شيء. فالإسلام لم يجعل حداً للأولاد، لم يجعل لذلك حداً. لكن هؤلاء أهل الباطل يريدون حداً للمسلمين، يريدون حداً للمسلمين. مع أنه قد صح في سنن النسائي وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». تزوجوا الودود: أي التي تودد إلى زوجها، والولود: أي التي تكثر في الأولاد. تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة. هذه أمنية النبي عليه الصلاة والسلام أن أمته تكون أكثر الأمم يوم القيامة. فدخلت اليهود وأعداء الله عز وجل بهذا المبدأ، وهو: تحديد النسل. فليس هناك شيء في الإسلام يسمى تحديد النسل، إلا كما قلنا: إذا كان للضرورة، أو كان للحاجة الماسة، فلا بأس في ذلك. فهذا الذي ذكره العلماء. وأما من ناحية العزل عن الحرة إلا بإذنها، فقد ذكر مالك وجمهور العلماء ذلك، لكن لم يصح كما قلنا عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في ذلك. وحكمه حكم العزل مطلقاً، سوى كان من الرجل أو المرأة، سوى كان من الرجل، أقصد: سوى كان بمعنى: الرجل يفعله، أو أنه بمعنى: بأمر المرأة أنها تريد ذلك. وكل هذا يعتبر في الحكم. ومذهب الشافعي والمشهور في مذهبه: أنه يجوز من غير توقف على إذنها، أو بمعنى: على إذنها، أو بغير إذنها. بمعنى: سواء كان تأذن أو لم تأذن. إذا مثلاً احتاج الرجل أن يعزل فله أن يعزل. هذا مذهب الشافعي رحمه الله: على أنه يجوز أن يعزل، سوى كان في أمة أو في حرة، متى ما أراد أن يعزل لأجل أمر ما. مثلاً: قد يكون الرجل لا يريد أولاداً من هذه المرأة، لكن معه زوجة أخرى يريد منها أولاداً، وغير ذلك. فهذا قد يكون جائزاً، لكن مع الكراهة، لكن مع الكراهة كما تقدم. فخلاصة الأمر: أن العزل الصحيح أنه يجوز، لكنه مع الكراهة. وإن شاء الله تعالى أيضاً نتكلم عليه في حديث أبي سعيد، لأن حديث أبي سعيد يدل فيه على الكراهة. حديث جابر يدل على الجواز. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر