الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 29، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع شناعة فاحشة اللواط وانتكاسها للفطرة، مبيناً عقوبتها الشديدة في الدنيا والآخرة. وينقل إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به مع تفصيل الشروط واختلاف كيفية القتل.
يحذر المقطع من خطورة اللواط واعتباره أفحش من الزنا مع بيان أسباب الوقاية منه كغض البصر. ثم يشرح مفهوم التعريض المشروع مستدلاً بتورية إبراهيم عليه السلام في قوله «إني سقيم» وقوله في سارة «إنها أختي».
يتناول المقطع مفهوم التعريض كبديل مشروع للكذب مستشهداً بإجابة النبي صلى الله عليه وسلم «أنا من ماء» وقول لوط عليه السلام. ويستخلص صفات الرجل الرشيد من دعاء لوط «أو آوي إلى ركن شديد» كنصرة المظلوم والأمر بالمعروف.
يعلن المتحدث عن انتهاء الجلسة لهذا اليوم مودعاً الحضور. ويوجه الشكر للمترجمة نانسي قنقر على جهودها في الترجمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف من قصة نبي الله لوط عليه السلام، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وفي هذه القصة من الفوائد والعبر والعظات"، قال: "أكبر دليل على أن فاحشة اللواط من أشنع القبائح". ومن أين أخذ هذا الاستنباط؟ من نوع العقوبة التي حلت بقوم لوط، إذ أن الله عز وجل قلب عليهم قريتهم فجعل عاليها سافلها، ولم يقتصر الأمر عند هذا، بل ورجموا بحجارة من سجيل منضود، كما مر معنا. وقال: "وأنها توجب العقاب الشديد، وأن من ابتلي بهذه الفاحشة فمع ذهاب دينه قد انقلب عليه الحسن بالقبيح". ففي الحقيقة هذه الفاحشة انتكاس للفطرة، انتكاس للفطرة؛ إذ أن الله عز وجل خلق بنات آدم لذكورهم، ولم يجعل الذكور للذكور، فهذا انتكاس للفطرة. فلذلك فإن هؤلاء يرون القبيح حسناً، ويرون الحسن قبيحاً لانعكاس فطرتهم. ولذلك قال لهم نبي الله لوط: ﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ [هود: 78]، أي أن إتيان الذكران فيه من النجاسة، وفيه من القبح وغير ذلك من تلك المعاني القبيحة. قال: "فاستحسن ما كان قبيحاً، ونفر من الطيب، وذلك دليل على انحراف الأخلاق". ولذلك جاء في شرعنا الوعيد الشديد، والعقوبة كذلك الشديدة، لمن يفعل هذه الفاحشة. فقد وردت أحاديث وهي معللة، مثل حديث ابن عباس: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»، لكن هذا الحديث معل لا يصح، ولكن يشهد له فعل الصحابة، بل إجماع الصحابة. فقد نقل غير واحد من أهل العلم، كابن قدامة في المغني، وكذلك شيخ الإسلام في بعض كتبه، نقلوا الإجماع، إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول. وإنما اختلف الصحابة في كيفية القتل، فمنهم من قال: يرمى من أعلى شاهق في البلد ثم يرجم بالحجارة، استدلالاً بما وقع لقوم لوط، فجمع الله عز وجل عليهم العقوبتين: وهو قلب القرية عليهم، ورجمهم بالحجارة. ومنهم من قال: يرجم، ولم يقل بإلقائه من أعلى شاهق. ومنهم من قال: يقتل ولو بالسيف. ومنهم من قال: يحرق، وهذا القول يخالف السنة. فالمهم أنه وجد الإجماع، ونقل الإجماع على قتل الفاعل والمفعول به بشروط معلومة عند أهل العلم، ومنها: الاختيار من الفاعل والمفعول، ولم يكن المفعول به مغصوباً، وإنما بطوعه. وهكذا أن يكونا بالغين، فإن لم يكونا بالغين فلا تقام الحدود عليهما، ولكن يعزران بما يراه ولي الأمر. فهذا الحكم يدل على شناعة هذه الجريمة. كذلك مما ذكره أهل العلم، وهو قول جمهور السلف كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: أن في هذه الفاحشة لا يفرق بين البكر والثيب، لا يفرق، ليس مثل الزنا. الزنا معلوم: إن كان ثيباً يرجم، وإن كان بكراً لم يتزوج من قبل فإنه يجلد ويغرب، كما هو معلوم من حكم هذا الفعل في الزنا. لكن في اللواط لم يفصل جمهور السلف فيه، بل القتل يكون للثيب وللبكر. واستدل بعض العلماء بهذا على أن اللواط أشنع من الزنا. وكل هذا يدل على خطورة هذه الفاحشة. ولذلك الله عز وجل بعدما يذكر هذه القصة في كتابه يعظ المؤمنين، ويذكر لهم أنه ما ذكر هذه القصة إلا للعبرة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَبْصِرُونَ ﴾ [الصافات: 137-138]، انظروا إلى ديارهم، وانظروا إلى مآلهم، فمن ابتلي بهذا فسيصيبه ما أصابهم، فسيصيبه ما أصابهم. فيبتعد المرء عن هذه الفاحشة وعن مقدماتها. كما أن الله عز وجل في الزنا حذرنا من خطواته، فحرم علينا النظر والخلوة، وكذلك كشف العورة، وما شابه ذلك. فهذا أيضاً يكون مع الأمرد، فلا يخلو به، ولا يصاحب من هو أكبر منه، ولا ينام بجانبه، ولا يتطلع إلى عورته. وكل هذه الأشياء لربما تهيج إلى فعل هذه الفاحشة. ولذلك شيخ الإسلام في كثير من كتبه، إذا حذر من النظر إلى النساء، ذكر أيضاً النظر إلى المردان، ويحذر من أن يحد الرجل نظره إلى الأمرد. بل جاء عن السلف التحذير من ذلك، وكذلك عدم مخالطة هؤلاء إلا لعلم أو لنفع أو نحو ذلك، مع أمن الفتنة بالخلوة به، أو بالنظر إليه، أو نحو ذلك. هذه فاحشة شنيعة، كما سمعتم، وللأسف الشديد أنها توجد في مجتمعات المسلمين في بعض البلاد، وفي بعض الأحياء التي بعدت عن العلم، وعن القرآن، وعن السنة، فتسمع بين الفينة والأخرى وقوع مثل هذه الفاحشة بين أوساط الشباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا أمر خطير ينبغي الحذر منه، والابتعاد عن كل ما يؤدي إليه. قال: "وفيها -وفي قصة إبراهيم- جواز التعريض"، ويريد بالتعريض التورية، الذي هو يغني عن الكذب، يغني عن الكذب. وسيعرف المؤلف التعريض فيما سيأتي. فالتعريض هو أن يقصد المتكلم قصداً لا يفهمه المخاطب أو المستمع، وإنما يفهم مقصداً آخر، أو يفهم فهماً آخر، وهذا يسمى المعاريض أو التورية. وسينبه على شيء من ذلك إن شاء الله. قال: "أما قصة إبراهيم، ففي قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 88-89]، وسقيم بمعنى مريض. وقول إبراهيم: إني سقيم، فهم المشركون أنه مريض مرضاً حسياً، مريض مرض حسي عنده مثلاً ألم، أو عنده جرح، أو عنده صداع، أو نحو ذلك، أو نحو ذلك، فهموا هذا. لكن هو يقصد المرض المعنوي، يقصد المرض المعنوي، وهو مرض القلب بما هم عليه من الشرك، بما هم عليه من الشرك، فإنه سقيم مما يرى من شركهم، ومن عبادتهم لغير ربهم سبحانه وتعالى. فلا شك أن هذا يورث مرض القلوب، يورث مرض القلوب. ولذلك حتى يعالج مرض قلبه، كسر هذه الأصنام، كسر هذه الأصنام. ومثل ما مر معنا في قصة إبراهيم مع زوجته، نعم، مع زوجته سارة، وأنه قال لها لهذا الملك: «إنك أختي»، أنك أختي، فسيفهم الملك أنها أخته بالنسب، وهو يقصد أخته بالدين، كما قال لها: «فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك». نعم، فهذا تسمى المعاريض. فإن احتجت إلى ذلك ففيه غنى عن الكذب، لا تكذب كذباً صريحاً لا وجه له، وإنما لك أن تعرض، توري، فلا تكن كاذباً بإذن الله. ومثل ما جاء أيضاً في السيرة، لما جاء الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه: «من أين أنت؟» في أحد الغزوات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا من ماء»، فظن هذا الرجل أنه من بلد اسمها ماء، من بلد اسمها ماء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقصد من نطفة، هذا هو الماء، هذا هو الماء. فهذا فيه معاريض، فيه شيء من المعاريض. قال: «وأما لوط، في قوله: ﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ [هود: 78]»، فكما تقدم أنه قال ذلك ليس على سبيل إباحة بناته لهؤلاء المشركين، وإنما على سبيل الإقناع والمجادلة لهم بالتي هي أحسن، لأنه يعلم أنهم لا رغبة لهم في النساء، أنهم لا رغبة لهم في النساء، فهذا من باب كذلك التعريض. قال: «والتعريض يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، وهو أن يقصد المتكلم أو العامل لعمل أمراً من الأمور التي لا بأس بها، ويوهم السامع والرائي أمراً آخر، ليستجلب منفعة أو يدفع مضرة». فهذا هو معنى التعريض، أي أنك تقول أو تفعل شيئاً تقصد به أمراً، والذي يراك أو يسمعك يفهم أمراً آخر غير الأمر الذي تفهمه أو تقصده. قال: «ومنها أن من علامة الرجل الرشيد أنه هو المسدد في أقواله وأفعاله»، وهذا في قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]، وعرفنا ما معنى الركن الشديد: أي المناصر والمعاون على ردعي وزجري ومنعي هؤلاء من فعلتهم الشنيعة. وما هي هذه العلامات التي سدد فيها في أقواله وأفعاله؟ قال: «ومن ذلك أنه ينصر للمظلومين»، فالذي ينصر للمظلومين هذا دليل على رشده، على رشده، وأنه رجل رشيد، رجل رشيد؛ لأن فعل الفاحش بهؤلاء الأضياف من الظلم، فإذا وجد هذا الرجل الرشيد منع هؤلاء الفساق، وكذلك هؤلاء الذين انتكست فطرتهم من فعل هذه الفاحشة، فهذا من صفات الرجل الرشيد أنه ينصر للمظلومين، ويفرج الكرب عن المكروبين، فهذه كربة نزلت بلوط عليه السلام. قال: «ويأمر بالخير وينهى عن الشر»، ومن الأمر بالخير أن يأمر هؤلاء أن يتزوجوا النساء، هذا الذي أحله الله عز وجل لهم، ومن النهي عن الشر: النهي عن الوقوع في هذه الفاحشة المنكرة، الوقوع في هذه الفاحشة المنكرة. قال: «هذا هو الرشيد حقيقة»، قال: «هذا هو الرشيد حقيقة». فإذا كنت، أو إذا أردت أن تكون رجلاً رشيداً، فاتصف بهذه الصفات، اتصف بهذه الصفات: نصرة المظلوم، وتفريج الكرب عن المكروبين، وكذلك الأمر بالخير وهو المعروف، والنهي عن الشر وهو المنكر، فهذا هو من رشد الرجل، من رشد الرجل أن يتصف بهذه الصفات، لقول لوط عليه السلام: ﴿ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]. نعم، قال: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ [هود: 78]، قال: «فلهذا قال لوط: أليس منكم رجل رشيد؟»، أي فيأمر بمعروف، وينهى عن منكر، ويدفع أهل الشر والبغي. طيب، نكتفي إن شاء الله اليوم، وبهذا إلى الله ترجمة نانسي قنقر، شكراً.