التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 31

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 31

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة شعيب عليه السلام: دعوة التوحيد والنهي عن التطفيف

يتناول المقطع بداية دعوة نبي الله شعيب لقوم مدين بالتوحيد الخالص والنهي عن الشرك، ثم يتوسع في النهي عن بخس المكاييل والموازين والظلم في المعاملات. ويرد المؤلف على شبهة الخوارج مبيناً أن هلاك الأمم جاء بعد الشرك وأن جميع الرسل بُعثوا بالتوحيد.

سخرية قوم شعيب من دعوته وتمسكهم بعبادة الآباء

سخر قوم شعيب من دعوته محتجين بعبادة الآباء وحرية التصرف في الأموال، وتهكموا بقولهم: إنك للحليم الرشيد. فرد عليهم بأنه على بينة من ربه ورزقه رزقاً حسناً، مؤكداً أنه لا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ليكون قدوة في اتباع الأمر واجتناب النهي.

منهج شعيب في الإصلاح والتوكّل والترغيب بالتوبة

يبيّن المقطع دعوة النبي شعيب لقومه بالإصلاح الشامل للدين والدنيا مع الاعتماد الصادق على الله، ويذكرهم بعقوبة الأمم السابقة كقوم نوح وهود وصالح ولوط ليكونوا عبرة. ثم يدعوهم إلى التوبة والاستغفار مبشراً برحمة الله وودّه للتائبين مهما عظمت ذنوبهم.

دعوة التوبة للمشركين والقتلة والزُّناة

يذكر الله صفات المؤمنين الذين لا يشركون به، ولا يقتلون النفس المحرمة إلا بالحق، ولا يزنون، ويبين أن من يرتكب هذه الكبائر يلقى عذاباً شديداً. ويدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى الله مغفرةً ورحمة.

  • 12 جمادى الآخرة 1444هـ - 04/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: توقفنا في هذا الكتاب "قصص الأنبياء" عند الانتهاء من قصة نبي الله لوط عليه السلام، ثم ذكر المؤلف رحمه الله قصة نبي الله شعيب عليه السلام. هكذا وقفنا، صح؟ من يتابع معنا؟ الآن قصة شعيب عليه السلام. طيب، قال العلامة المؤلف عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "قصة شعيب عليه السلام". قال: نبأه الله وأرسله إلى أهل مدين، وكانوا مع شركهم يبخسون المكاييل والموازين، ويغشون في المعاملات، وينقصون الناس أشيائهم. وهذا كما تقدم فيه رد على الخوارج الذين يقولون: إن كثيرا من الأمم إنما هلكت لما اختصت به من الذنوب، فيقولون مثلا: قوم لوط إنما أهلكهم الله لأنهم يعاودون تلك الفاحشة، وهكذا قوم شعيب لأنهم كذلك ينقصون المكيال والميزان، فهذه من المعاصي فهي التي أوجبت عليهم العقوبة، هكذا يستدلون. والرد عليهم: أن تلك المعاصي التي اختصوا بها إنما وقعت منهم بعد شركهم بالله، بعد شركهم بالله. وهذا فيه: أن من وقع في الشرك فوقوعه فيما هو دون الشرك من باب أولى، من باب أولى؛ لأنه اختل عنده أصل عظيم من أصول الدين وهو التوحيد. ولذلك تجد أهل الشرك موصوفين بالوقوع في كثير من كبائر الذنوب كاللواط والزنا وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها من الذنوب والآثام. فدعوة جميع الأنبياء إنما كانت أولا إلى التوحيد ونبذ الشرك، ثم اختصت، اختصت بعض الأمم بما اختصت به من ذنوب خاصة، من ذنوب خاصة. ولذلك قال المؤلف قال المؤلف ها هنا: "وهم مع شركهم يبخسون المكاييل والموازين". والدليل الذي يدل على أن جميع الأنبياء دعوا إلى التوحيد: آيات نكررها كثيرا، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فقوله "من رسول" نكرة وقعت في سياق ماذا؟ في سياق النفي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾، فدل ذلك على أن جميع الرسل بعثهم الله عز وجل بالتوحيد، فلا حجة للخوارج في مثل هذا القصص القرآني فيما ذهبوا إليه من ذلك الفكر المنحرف الضال. قال: فدعاهم إلى توحيد الله ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بالعدل في المعاملات، وزجرهم عن البخس في المعاملات، وذكرهم الخير الذي أدره الله عليهم والأرزاق المتنوعة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى ظلم الناس في أموالهم. فالذي أنعم الله عليه بالأرزاق الكثيرة، فهل هو بحاجة إلى أن يتحايل على أموال الناس، وأن كذلك يتخذ الطرق المحرمة لكسب المال، وقد منى الله عليه بأموال كثيرة؟ فحذره من ذلك كما سيأتي في بعض ما ذكره من آيات وردت في سياق هذه القصة. قال: وخوفهم العذاب المحيط في الدنيا قبل الآخرة، أي: أن من استمر على شركه وعلى ظلمه فإن الله عز وجل يعجل له العقوبة الدنيوية قبل العقوبة الأخروية. فهذه هي دعوة نبي الله شعيب لقومه، وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله عز وجل: ينظر ما يحتاجه مجتمعه، إن وقع في مجتمعه التطفيف والغش والظلم حذر الناس من ذلك، وبيّن لهم خطورة وعقوبة ذلك الظلم، وإن وقعوا في الفواحش كالزنا واللواط ونحو ذلك حذرهم من هذه الفاحشة، وهكذا غيرها من المعاصي والذنوب. قال: فأجابوه ساخرين، وردوا عليه متهكمين، وهذه من صفات المعارضين للرسل، ومن صفات الكافرين: أنهم يسخرون ويتهكمون من أهل الحق ومن الدعاة إلى الحق. فقالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. ومعنى الآية -قال المؤلف-: أي فنحن جازمون على عبادة ما كان آباؤنا يعبدون. وقال: هذه حجة ضل بسببها كثير من الأمم ومن الناس، إذا جاءهم الحق المخالف بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم احتجوا بهذه الحجة: "أن نترك ما يعبد آباؤنا؟ هل آباؤنا كانوا على ضلال، كانوا على باطل، كانوا على منكر؟" هذه حجتهم في معارضتهم للرسل. فقالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، أي: هل هذه الصلاة التي تتقرب بها بزعمك إلى إلهك تأمرك أن نترك عبادة غير الله التي كان عليها آباؤنا وأجدادنا؟ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، أي: أننا جازمون على أن نفعل في أموالنا ما نريد من أي معاملة تكون، فلا تدخل تحت أوامر الله وأوامر رسله. فلما تنهى عن الغش أو عن البخس والتطفيف في الكيل والميزان، هذا أمر لا يدخل تحت أوامر الله وأوامر رسله، وإنما هي كما يسميها البعض اليوم: شطارة، أو ذكاء، أو مهارة، أو نحو ذلك. فهذه هي حجتهم، وهذا هو ردهم. ثم قالوا له متهكمين -أو متهكمين-: قالوا له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، أي: ما وجد الحلم والرشد إلا فيك أنت دون غيرنا من الناس، ومن البلد، ما وجد فيك إلا أنت الحلم والرشد. هكذا قالوا ذلك تهكما وسخرية بنبي الله شعيب عليه السلام. فرد عليهم فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾. أي: أغنانا الله، أغنانا الله عز وجل بما أغنانا به من الرزق الحسي والرزق المعنوي. الرزق الحسي: هو ما رزقه شعيب من الأموال ومن كذلك الأرزاق الدنيوية. وأما الرزق المعنوي: فهو رزق الوحي والرسالة والهداية والتوحيد ونحو ذلك. قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. أي: أغنانا الله، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أي: ما نهيتكم عن المعاملات الخبيثة وظلم الناس فيها إلا وأنا أول تارك لها. وهذا فيه: أن الداعي إلى الله إذا دعا إلى فعل أمر أو ترك نهي أن يكون قدوة في ذلك، فهو أول من يأتمر بالأمر وأول من ينتهي عن النهي. لذلك قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أنهاكم عن الشرك فلا أشرك، أنهاكم عن البخس والتطفيف، والتطفيف في الكيل والميزان، فلا أفعل ذلك بل أعدل وأعطي كل ذي حق حقه. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، أي: ما نهيتكم عن المعاملات الخبيثة وظلم الناس فيها إلا وأنا أول تارك لها، مع أن الله أعطاني ووسع علي، وأنا محتاج إلى المعاملة، ولكني متقيد بطاعة ربي. فالمؤمن في هذه الحياة إنما هو ملك لله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلا يتحرك ولا كذلك يتعامل إلا وفق ما أمره الله عز وجل به. فالبيع والشراء وجميع المعاملات إنما هي مقيدة بالشرع الذي أنزله الله عز وجل على نبيه، فما أحله الشرع فهو الحلال عند المسلم، وما حرمه الشرع فهو الحرام عند المسلم. قال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾، أي: أن تصلح أحوالكم الدينية والدنيوية ما استطعت. فبإصلاح العقيدة فهذا الأمر فيه صلاح للدين، فيه صلاح للدين. وهكذا الإصلاح في المعاملات فيه إصلاح في الدنيا، الذي له أثر أيضا في إصلاح الآخرة والدين. فمن أعظم الفساد في الأرض مخالفة شرع الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، أي: لا تفسدوا فيها بالشرك والمعاصي والذنوب. فالمعاصي والذنوب من أعظم أسباب فساد الدنيا والدين، كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فبالاستقامة على الدين تصلح أحوال الدين والدنيا. ولذلك قال لهم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وهذا فيه: أن الداعي لله عز وجل حتى ينجح في دعوته، وحتى يثبت على تلك الدعوة، يستعين بالله عز وجل، ويلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ويصدق الاعتماد على الله عز وجل، فلا حول له ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. فإذا لم يكن العبد متعلقا بالله في أي أمر من أمور دينه ودنياه فإنه لا يوفق، ولا يستمر، ولا يثبت. وإنما ثباتك يا عبد الله على قدر توكلك على الله وتعلقك بالله سبحانه وتعالى. قال: ثم خوفهم أخذات، ثم خوفهم أخذات الأمم التي حولهم في الزمان والمكان، يعني: ذكر لهم عقوبة أمم كانت قبلهم، وقد سمعوا خبرهم، وأن الرسل أرسلوا إليهم فعارضوا وأبوا واستكبروا، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. فهو يذكرهم بأحوال تلك الأمم السابقة لعلهم يرجعون، لعلهم يتعظون. فخوفهم بما وقع للأمم السابقة، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. وهذه الآية فيها: أن لوط كان قبل شعيب، ولذلك المؤلف في هذا القصص يرتب تلك القصص النبوية على حسب الزمان، على حسب الزمان. فشعيب هنا خوف قومه بتلك الآيات التي سمعوا عنها والتي أيقنوا بها، فهي قريبة منهم، ليست عنهم ببعيد. ولذا قال: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، حتى تنسون ما وقع بهم؟ فهم وقعوا في الهلاك في فترة قريبة منكم، ليست ببعيدة، ليست ببعيدة. وهذا فيه أيضا: أن الداعي الله عز وجل يذكر المدعوين بما شاهدوا وبما رأوا من أحوال الظلمة، ومن أحوال العصاة والمجرمين، وما وقع لهم من حوادث، ومن مصائب، ومن كذلك ذلك مخاوف ونحو ذلك. قال: ثم عرض عليهم التوبة ورغبهم فيها. انظر إلى هذا الجهد العظيم الذي يبذله الأنبياء: ترغيب وترهيب، وتحذير وتخويف، ثم بعد ذلك دعوة إلى التوبة والأوبة والرجوع إلى الله عز وجل. فقال لهم: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. مهما فعلتم، ومهما وقع منكم من جرائم، ومن آثام، ومن شرك بالله عز وجل، فإذا صدقتم في التوبة إلى الله فإن ربي رحيم ودود، ودود. فالله عز وجل يدعو جميع الظلمة إلى التوبة إلى الله عز وجل، مهما كانت أعمالهم، مهما كانت أعمالهم. الذين نسبوا إليه الولد والصاحبة، دعاهم الله عز وجل إلى التوبة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾. وهكذا من أشرك بالله وزنى وقتل النفس المحرمة، دعاهم الله إلى التوبة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَ