الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المؤلف فائدة من قصة لوط عليه السلام في طلب القوة والنصرة للدعوة، مبيناً أن الداعي يسعى فيمن يعينه ولو كان من أهل الشر. كما نصرت قبائل الأنبياء شعيباً ومحمداً صلى الله عليهما وسلم رغم كفرهم بحكم العصبية القبلية، فدفع الله بهما الباطل وأيد الحق.
يتناول المقطع موقف أبي طالب في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم رغم كفره، وتفاصيل حصار الشعب الاقتصادي على بني هاشم، ومكر قريش لقتل النبي بتوزيع الدم على القبائل، وكيف نجاه الله بالهجرة. ويخلص إلى أهمية السعي في طلب الأعوان للدعوة، ويختم بالتحذير الشديد من فاحشة اللواط مستدلاً بآيات العبرة من قصة قوم لوط.
ينقل المقطع آثاراً عن سلف الأمة كسفيان الثوري وفتح الموصلي وسعيد بن المسيب والحسن بن ذكوان وابن تيمية وابن المبارك تحذر من معاشرة الأحداث الأمرد والنظر إليهم. وتعتبر ذلك فتنة عظيمة أشد من فتنة النساء، وتؤكد أن من يكرر النظر إليهم مدعياً عدم الشهوة فهو كاذب، وتأمر بإبعادهم عن مجالس العبادة والخلوة.
تحذر الآثار الواردة من تعلق الكبار بالصور أو مخالطة الصغار لما في ذلك من خطر الوقوع في الفاحشة. وتؤكد أن الكبير ينبغي أن يصاحب الكبير والصغير يصاحب الصغير درءاً للفتنة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فما زلنا فيما ذكره المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه قصص الأنبياء، وفي سياق ذكره للفوائد المستنبطة من قصة نبي الله لوط عليه السلام. قال: ومنها -أي من هذه الفوائد- الحث على السعي في الأعوان على أمور الخير ودفع الشر. وهذا يؤخذ من قول لوط عليه السلام: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾. ومعنى "ركن شديد" كما مر معنا: أمر، يعني على أمر أستعين به وأتقوى به على دفع بغيكم وظلمكم وشركم ونحو ذلك. ففيه هذه الفائدة: أن الداعي إلى الله عز وجل يسعى في من يعينه على تبليغ دعوة الله سبحانه وتعالى. قال: ولو كان المعاون على ذلك من أهل الشر، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم عند الله. وقوله: "ولو كان المعاون على ذلك من أهل الشر" -هذا أيضا يؤخذ من الآية المتقدمة: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾. فمعلوم أن لوطاً لم يكن ممن آمن معه من أهل الوجاهة ومن أهل المدافعة عنه، فإذا لا يوجد إلا من هو من أهله وهو على الكفر، وهو على الكفر، فلا بأس أن يعان صاحب الحق على تبليغ دين الله عز وجل بالرجل الفاجر. وذلك كأن يكون هذا الرجل لا يهمه دين، وإنما همه نصرة قبيلته وأفراد عشيرته، فقد يتعصب الفاجر أو الكافر لبني جنسه أو لبني قبيلته وعشيرته. وسيذكر المؤلف نحو ذلك في حال بعض الأنبياء كما سيأتي معنا. قال: ولهذا قال لوط: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾. قال: وأكثر الأنبياء يبعثهم الله في أشراف قومهم، ويحصل بذلك من تأييد الحق وقمع الباطل والتمكن من الدعوة ما لا يحصل لو لم يكن كذلك، أي أن النبي منهم يتقوى بعشيرته التي تدافع عنه وتحامي من أجله. قال: واعتبر بحال شعيب، وقول قومه له: ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾. هكذا قال قوم شعيب لشعيب، قالوا له: "لولا رهطك". ما معنى "رهطك"؟ يعني عشيرتك وقبيلتك وجماعتك التي أنت منهم وفيهم. فهذا دليل على أن هذه القبيلة أو تلك العشيرة كانت مانعاً لهم -أي للكفار- من أن ينالوا من شعيب، أو أن يؤذوه، أو يقتلوه، أو يضربوه، أو نحو ذلك. ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾: لولا قبيلتك وجماعتك لرميناك بالحجر ورجمناك بها. ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾: إذن من الذي منعه من ذلك؟ هذه القبيلة. وما هي قبيلة؟ هل هم مؤمنون؟ لا، منهم وفيهم، لكن نظراً لأنهم من قبيلة هذا النبي، وبما يتعارف عليه أهل القبائل والعشائر أن لا يعتدي أحد على أحد من أفراد قبيلتهم. وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث في أشراف قومهم في قريش، وأعزه. وقد رماه قومه بالعداوة البليغة، وعقدوا المجالس المتعددة في إبطال قوله ودينه، بل في كيفية الفتك به. ومن الأسباب التي أوقفتهم عند حدهم خوفهم من قبيلته. وانظر إلى حالته في تضييقهم عليه بالشعب، وانحياز قبيلته معه، مسلمهم وكافرهم. انظر إلى هذا المثل الواضح في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. النبي صلى الله عليه وسلم لما أظهر الدعوة، لا شك أن الكفار كما مر معنا في السيرة عادوه وآذوه، وأرادوا قتله، وأرادوا ضربه وإخراجه من بلده مكة. ولكن من الذي كان يدافع عنه؟ ومن الذي كان يحامي عنه؟ قبيلته. فأبو طالب عمه وهو على الكفر، ومع هذا كان يدافع عن نبينا ويحوطه. وأعظم مثال على ذلك ما وقع في حصار الشعب. في حصار الشعب، وقد اتفق الكفار ألا يبايعوا بني هاشم، ولا يناكحوهم، ولا يوصل إليهم طعاماً. حصار، كما يسمى إن صح التعبير في هذا الزمان، الحصار الاقتصادي. فانحاز بنو هاشم إلى الشعب، مسلمهم وكافرهم، الكل تضامن مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليس من أجل الدين، وإنما من أجل ماذا؟ من أجل القبيلة والعشيرة، من أجل القبيلة والعشيرة. فلما رأى المشركون صلابة وجلادة النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته وقبيلته، نقضت تلك الصحيفة الجائرة، وعاد الأمر كما كان عليه من قبل. فأراد المؤلف من ذكر ذلك بأن الحث على السعي في الأعوان على أمور الخير ودفع الشر مطلوب من الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، حتى لا يكون ضعيفاً في مجتمعه، وحتى لا يمنع من تبليغ دعوة الله سبحانه وتعالى. قال: ولم يخطر ببالهم أنهم يصلون إلى الفتك بشخصه الكريم حتى مكروا ذلك المكر العظيم، إذ اتفق رأيهم على أن ينتدب لقتله من كل قبيلة رجل، ليتفرق دمه في القبائل، فيعجز قومه عن الأخذ بثأره. ولكنهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. هذا ورد أيضا في السيرة: أن من مكر المشركين أنهم اتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلة رجلاً من جميع القبائل الموجودة في مكة، من هذا البطن والقبيل رجل، ومن ذاك رجل آخر، وهكذا مجموعة من الرجال من قبائل مختلفة. لماذا؟ حتى إذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم من قبل هؤلاء جميعاً، اتفقوا أن يضرب هؤلاء -أن يضرب هؤلاء الرجال النبي صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة، ضربة رجل واحد- فإذا قيل: من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: هؤلاء الجماعة من قبائل متعددة. ماذا ستفعل قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم مع تلك القبائل الكثيرة؟ فيقولون -فيقولون: سيعجز قومه عن الأخذ بثأره، لأنهم قبيلة واحدة، ومن تواطى على قتله قبائل كثيرة متعددة. ولكن الله عز وجل دافع عن نبيه، فأخبر نبيه بذلك، فهاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، ونجاه الله سبحانه وتعالى من مكر أولئك. الخلاصة: الخلاصة أن السعي، أو الحث على السعي في الأعوان، أمر مهم للداعي إلى الله عز وجل، حتى يبلغ دين الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة. والله عز وجل، كما مر معنا في نهاية ذكره لهذه القصة، يأمرنا بأخذ العبرة والعظة من هذه القصة، خصوصاً في التحذير من تلك الجريمة الشنعاء والفاحشة النكراء، وهي فاحشة اللواط. فكم من آيات بعدما يذكر الله عز وجل هذه القصة يقول: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾. "لآية" يعني لعبرة وعظة. بل في نهاية هذه القصة في بعض المواضع قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَبْصِرُونَ ﴾. أي: خذوا العبرة من هذه القصة. فالواجب البعد كل البعد عن مثل هذه الفاحشة النكراء، وقد علمنا حكم الشرع فيها، وكلام العلماء في خطورتها، وفي قبحها، وفي عظيم عاقبتها، وأن عاقبتها وخيمة وأليمة. وذكرنا أيضا أنه ينبغي على المسلم أن يبتعد كل البعد عن كل ما يؤدي إليها، عن كل ما يؤدي إلى الوقوع في هذه الفاحشة. يحذر المسلم من خطوات الشيطان. ولذلك جاءت الآثار الكثيرة عن سلفنا الصالح في التحذير من مجالسة المردان. والأمرد هو الولد الصغير الذي لم تنبت له لحية. فجاء عن السلف الآثار الكثيرة في التحذير من ذلك، من مصاحبته، ومن الخلوة به، ومن حد النظر إليه. وما ذاك إلا من أجل قطع كل سبب وكل وسيلة تؤدي إلى تعلق القلب بهذه الفاحشة النكراء. ولا بأس تتمة لهذه القصة: هل ننقل لكم بعض الآثار التي وردت عن سلفنا الصالح في التحذير من تلك الخطوات؟ فمن ذلك ما جاء عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: «إن مع المرأة شيطاناً، ومع الحدث شيطانين -أو شيطانين-». «إن مع المرأة شيطاناً» أي واحداً، «وإن مع الحدث» -والمراد بالحدث يعني الأمرد، الولد الصغير الأمرد- «ومع الحدث شيطانان». وهذا لا شك من باب التحذير من هذه الفاحشة. وكان يقول سفيان، أو كان سفيان لا يدع أمرد يجالسه، لا يدع أمرد يجالسه. وهكذا جاء عن فتح الموصلي رحمه الله أنه قال: «صحبت ثلاثين شيخاً، صحبت ثلاثين شيخاً كانوا يعدون من الأبدال، يعني من العلماء العباد الزهاد، يعدون من الأبدال، فكلهم أوصوني عند فراقي إياهم، قالوا لي: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم، اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم». يعني يبتعد عن ذلك. وهذا لا شك أنه يحمل على غير المجالس معهم للنفع، من علم النافع، وفي مكان ليس هو مضنة الخلوة ونحو ذلك، فهذا لا بأس به. وإنما المراد الميل إلى هذا الشيء في الحديث، وفي الصحبة، وفي الدخول والخروج، ونحو ذلك، فهذا لا يليق بالمسلم. وهكذا مما جاء عن بعض التابعين أنه كان يقول: «ما أنا على الشاب -يعني العابد- لو جلس مع أسد، مع سبع، ما أخاف عليه مثل خوفي عليه من جلوسه مع ولد أمرد». وهذا لا شك فيه التنفير من هذا الأمر، من هذا الأمر. وجاء أيضا عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه». ومعنى "يلح": يعني يكرر ويديم النظر إلى الأمرد، والصور الحسنى من المرد، فهذا اتهموه، فإن قلبه قد تعلق بذلك، فيخشى عليه. وهكذا جاء عن الحسن بن ذكوان رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذرة، وهم أشد فتنة من العذرة». لأن أولاد الأمراء يعيشون في ترف وفي بذخ وفي أكل طيب، فلا شك أن أجسامهم تكون في غاية النعومة والليونة ونحو ذلك، فكان السلف يحذرون من ذلك. وجاء أيضا عن بعض التابعين أنه قال: «كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه، أو أدامه، وقال: إني لا أنظر لشهوة، كذب في ذلك». وإنسان إذا أنكر عليه لما رآه الناس ينظر إلى الأمرد، وقال له: اتق الله، أنت نلاحظك تنظر وتحد النظر، ويقول: أيها، أنا أنظر لكن ليس في قلبي شيء، أنا ما أنظر لشهوة. هذا كذاب. وإلا لو كان صادقاً لما نظر أصلاً. لماذا أنت تنظر إذا لم تنظر لشهوة؟ إذن هكذا عبث تنظر. شيخ الإسلام يقول: إنه كاذب إذا قال: أنا ما أنظر لشهوة. قال: إنه كاذب. وجاء عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أن سفيان الثوري دخل الحمام، والحمام هو مكان عام للاغتسال، يستحم فيه الناس للمياه الدافئة الموجودة فيه، كأن يكون مكان جرماي طيب أو نحو ذلك، كانوا يغتسلون فيه جماعة. نعم، فدخل سفيان الثوري ذات مرة الحمام، فدخل عليه غلام صبيح، يعني غلام جميل وأمرد، فقال: أي سفيان، «أخرجوه، أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام بضع عشرة شيطاناً، بضع عشرة شيطاناً». فأمر بإخراجه. هذه الآثار ذكرها جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، في عدة من كتبه. وكل هذه الآثار تحذرنا من هذا المسلك، وأن الشاب الكبير لا يتعلق بهذه الصور، فإنها مضنة الوقوع في هذه الفاحشة، والعياذ بالله. وكذلك في هذه الآثار: ولا ينبغي للكبير أن يصاحب ويلازم الصغير. فالكبير يصاحب الكبير، والصغير يصاحب الصغير. نعم، طيب. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.