الدرس في كتاب الصلاة 48، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، مؤكداً على تعظيم الله في الركوع والدعاء في السجود. هذا النهي جاء في عدة أحاديث عن علي بن أبي طالب.
يستحب التسبيح في الركوع بقول "سبحان ربي العظيم" وفي السجود بقول "سبحان ربي الأعلى". كما يُستحب الاجتهاد في الدعاء أثناء السجود لكونه موضعاً لإجابة الدعاء.
حدث اختلاف بين الرواة في سند حديث معين حول ذكر ابن عباس. يمكن تفسير هذا الاختلاف بأن الراوي سمع الحديث من أكثر من شخص أو سمعه مباشرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري رحمه الله: حدثنا سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». قال أبو بكر: حدثنا سفيان، عن سليمان، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ابن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، قال: اشكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: «اللهم هل بلغت، ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له»، ثم ذكر بمثل حديث سفيان. ولما ذكر مسلم هذه الرواية الأخرى التي فيها عنعنة سفيان بن عيينة، فإنه قال: حدثنا سفيان، عن سليمان. سفيان مدلس، لكن في الرواية التي قبلها في سند الذي قبله صرح بالتحديث بقوله: «أخبرني سليمان بن سحيم»، وهو يشير بهذا رحمه الله إلى أن سفيان قد سمع هذا الحديث من سليمان. وهذا حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، وذلك في أيام مرضه عليه الصلاة والسلام، مرضه الذي مات فيه، كما في الرواية الأخرى، قال: ورأسه معصوب، يعني بخرقة أو نحو ذلك. فالمريض إذا مرض ربما يصيبه الصداع، فلا بأس أن يعصب رأسه بخرقة أو نحو ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤية الصالحة، يراها المسلم أو ترى له»، يعني هذا من ما يبشر به المؤمن بالخير الذي قد يحصل له بالرؤية الصالحة التي يراها أو ترى له، يراها له غيره، فتقع في الغالب هذه الرؤية. ثم نهى عليه الصلاة والسلام، وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث، نهى عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود، قال: «وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا». القرآن أفضل الذكر، القرآن أفضل الذكر، أفضل من التسبيح والتكبير والتهليل، لكنه في هذا الموضع في حال الركوع والسجود، فإنه ينهى عن قراءته، ينهى المسلم أن يقرأ القرآن حال ركوعه وحال سجوده. وفي هذا الموضع يكون التسبيح أفضل، يكون التسبيح أفضل من قراءة القرآن، بل لا يجوز أن يقرأ القرآن، لا يجوز أن يقرأ القرآن حال الركوع وحال السجود، لأن هذا النهي، والأصح النهي أنه للتحريم، فيحرم على المسلم قراءة القرآن حال الركوع والسجود. ولعل ذلك أن هذه الهيئة هيئة المصلي راكعا وساجدا، لا تناسبها قراءة القرآن الذي هو كلام الله جل وعلا، وأصدق الحديث وأفضله، الذي ينبغي أن يقرأه في حال يكون فيه في علو وارتفاع، والله أعلم. لكن في هذا الموضع عليه بالتسبيح والتعظيم، عليه بالتسبيح لله جل وعلا والتعظيم، قال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»، «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء»، يعني مع التسبيح. كذلك في الركوع تعظم الله جل وعلا بقولك: «سبحان ربي العظيم»، كما بين النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الأخرى. فالمشروع في الركوع أن تقول: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى». فهذا هو المقصود بالتعظيم في حال الركوع، فأنت تقول: «سبحان ربي العظيم»، «سبحان» مصدر من «سبح يسبح»، «سبحان» بمعنى أنزه الله عن كل نقص وعيب، «سبحان ربي العظيم» الذي له العظمة والكبرياء، فـ«سبحان» فيها تخلية، و«العظيم» فيها تحلية، أن تتنزه الله عز وجل عن النقائص والعيوب، وتصفه بكمال المحامد والثناء، فله جل وعلا كمال التعظيم سبحانه، فهو المتفرد جل وعلا بالربوبية والألوهية، والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى. قال: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء». وهكذا أيضا تقول: «سبحان ربي الأعلى»، «سبحان ربي الأعلى»، تنزه الله عز وجل عن النقائص والعيوب، وتمدح الله عز وجل وتثني عليه بأنه الأعلى جل وعلا، الذي له علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، العلو المطلق له سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وهو العلي العظيم﴾، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾، وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فأنت تسجد لله جل وعلا وتعظمه سبحانه بمثل هذا الدعاء. وقوله: «فعظموا فيه الرب»، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، الأصل في الأمر أنه للوجوب. وإلى هذا ذهب الإمام محمد رحمه الله إلى أن التسبيح في الركوع والسجود واجب، خلافا للجمهور. فالأئمة الثلاثة قالوا بالاستحباب، قالوا بالاستحباب، وصرفوا هذا الوجوب بحديث التعليم في صلاته، قالوا: بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما علمه الصلاة ما ذكر له التسبيح في الركوع والسجود. لكن يجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه علم المصلي في صلاته بين له أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها، التي لا تصح الصلاة إلا بها. وأما التسبيح في السجود والركوع فهو واجب، وليس بركن، أو قد يكون وجوبه كان بعد ذلك، والله أعلم. فالصحيح أنه واجب، وأقل الواجب مرة واحدة، أقل الواجب أن تقول: «سبحان ربي العظيم» في الركوع مرة واحدة، و«سبحان ربي الأعلى» في السجود مرة واحدة. وما زاد على ذلك فهو مستحب. وقوله: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم»، «قمن» بمعنى حقيق وجدير أن يستجاب لكم. ففيه استحباب الدعاء في حال السجود، استحباب الاجتهاد في الدعاء، يعني الإنسان يبذل جهدا ويكثر من الدعاء حال سجوده لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك موضع من مواضع إجابة الدعاء، وذلك لأن العبد يكون في غاية من الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، فهو ساجد، وقد ذلل جميع أعضائه لله سبحانه وتعالى. فهذا الحال الذي هو عليه، مع كذلك ذل القلب واستكانته وتضرعه، ولجوه إلى الله وتعلقه به، يكون سببا لإجابة الله جل وعلا دعاءه، قال: «فقمن أن يستجاب لكم»، حقيق وجدير أن يستجاب لكم. هذا موضع من مواضع إجابة الدعاء، ومنها كذلك من مواضع إجابة الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وهكذا أيضا بعد الأذان مباشرة، بعد أن تردد ألفاظ الأذان وتأتي بالذكر، فإن الدعاء بعده مستجاب، وهكذا أيضا بين الأذان والإقامة، وهكذا أيضا آخر ساعة يوم الجمعة، وهي على الصحيح آخر ساعة قبل المغرب. ونعم، هذه مواضع يتحرى فيها الدعاء، مما يغلب على الظن أو مما جعلها الله سبحانه وتعالى مواضع يستجاب فيها الدعاء. قال رحمه الله: وحدثني أبو الطاهر، وحرملة، قال: أخبرنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أن أباه حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب، قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعا أو ساجدا». قال: وحدثنا أبو كريب، محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد، يعني ابن كثير، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، أنه سمع علي بن أبي طالب، يقول: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد». قال: وحدثني أبو بكر بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القراءة في الركوع والسجود». ولا أقول: «نهاكم»، وليس معنى هذا النهي خاص به، ولكن مراده أن اللفظ الذي خاطبه به النبي عليه الصلاة والسلام هو قوله: «ماذا لا تقرأ»، يعني وجه الخطاب إليه، ونهاه بقوله: «لا تقرأ القرآن راكعا أو ساجدا»، وإلا فالحكم يعني له ولسائر الأمة، فإن خطاب النبي عليه الصلاة والسلام لرجل من الأمة يعم غيره، ما لم يبدو دليل على الخصوصية. قال: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق، قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا داود بن قيس، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي، قال: «نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعا أو ساجدا»، حبيبي يعني محبوبي، أي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع... وحدثني عيسى بن حماد المصري، قال: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب... وحدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان... وحدثنا المقدمي، قال: حدثنا يحيى، وهو القطان، عن ابن عجلان... وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد... وحدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل، يعني ابن جعفر، قال: أخبرني محمد، وابن عمر... وحدثني هناد بن السري، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق. كل هؤلاء عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، إلا الضحاك، وابن عجلان، فإنهما زادا عن ابن عباس، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم. كلهم قالوا: «نهاني عن قراءة القرآن وأنا راكع»، ولم يذكروا في روايتهم أن نهي عنها في السجود، كما ذكر الزهري، وزيد بن أسلم، والوليد بن كثير، وداود بن قيس. قال: وحدثناه قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنين، عن علي، ولم يذكر في السجود. قال: وحدثني عمر بن علي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، أنه قال: «نهيت أن أقرأ وأنا راكع»، ولا يذكر في الإسناد علي. وهذه الأسانيد والطرق، يعني ساقها الإمام مسلم رحمه الله ليبين الاختلاف في الرواية عن إبراهيم بن حنين في ذكر ابن عباس. ففي بعضها ذكر ابن عباس، وفي بعضها لم يذكر، أي بين علي وبين عبد الله بن حنين. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى هذا الاختلاف، وأن الدارقطني رحمه الله قال: من أسقط عباس أكثر وأحفظ. وهذا الاختلاف لا يؤثر، كما قال النووي رحمه الله، لأن الحديث صحيح، لكن قد يحمل على أنه سمعه عبد الله بن حنين من ابن عباس ورواه عن علي، وسمعه من علي مباشرة، فمنه من رواه عنه بإسقاط ابن عباس، ومنه من رواه عنه بذكر ابن عباس.