الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أهمية الأذكار بعد الصلاة وحرص الصحابة على تعلمها والعمل بها، حيث روى الإمام مسلم حديثا نبويا عن الذكر بعد الصلاة.
يفصل هذا الفصل معاني الأذكار التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة، ويبين فضلها ويفرق بين مفاهيم الحمد والمدح والشكر.
يؤكد هذا الفصل على معنى القدرة الإلهية وتأثيرها على العبد، ويبين ضرورة التوكل على الله والاعتماد عليه في جميع الأحوال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وابن مخلد، قالا: أخبرنا جرير، وابن عبد الحميد، عن منصور، وابن المعتمر، عن المسيب بن رافع، عن وراد، مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وأحمد بن سنان، قالوا: حدثنا أبو معاوية، ومحمد بن خازم، عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي المحدث المقرئ، وكان يلقب بالمصحف لقوة حفظه، وكان أعمش -أي في عينيه عمش وضعف البصر- قال: عن المسيب بن رافع، عن وراد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال أبو بكر، وأبو كريب في روايتهما: قال: فأملاه علي المغيرة، وكتبت به إلى معاوية. قال: وحدثني محمد بن حاتم، وميمون، قالا: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج -وهو عبد الملك، وهو ثقة، إلا أنه كان مدلسا- قال: أخبرني عبده بن أبي لبابة: أن ورادا، مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية... ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في السير: أنه تزوج سبعين امرأة، كان مزواجا مطلقا. قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين سلم: بمثل حديث منصور، والأعمش، إلا قوله: «وهو على كل شيء قدير»، فإنه لم يذكره. قال: وحدثنا حامد بن عمر البكراوي -والبكراوي نسبة إلى أبي بكرة الصحابي- قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: وحدثنا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي -وهو من مشايخ الجماعة، أي أصحاب الكتب الستة- قال: وحدثني أزهر، قالا: حدثنا ابن عون، عن أبي سعيد، عن وراد... هنا ذكر الإمام النووي رحمه الله في الشرح: في قوله عن أبي سعيد، اختلفوا في أبي سعيد هذا، فقال: فالصواب الذي قاله البخاري في تاريخه، وغيره من الأئمة: أنه عبد ربه بن سعيد. قال: عن وراد، كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة: بمثل حديث منصور، والأعمش. قال: وحدثنا ابن أبي عمر، ومحمد بن يحيى، قال المكي: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال: حدثنا عبده بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير: أنهما سمعا ورادا، كاتب المغيرة بن شعبة، يقول: كتب معاوية إلى المغيرة: أكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إليه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا قضى الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». هذا الحديث فيه حرص الصحابة رضي الله عليهم على العلم، وسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتعلمه، والعمل به. وهذا معاوية رضي الله عنه، وهذا الظاهر أنه كان حين تولى الإمارة بعد موت -أو مقتل- علي، وتنازل الحسن بن علي، فصارت الإمارة إليه في الشام، فمعاوية رضي الله عنه أول ملوك هذه الأمة الإسلامية، ويعد من أفضل أمراء بني أمية، وأولهم، وأفضلهم، لما له من شرف الصحبة رضي الله عنه. وكتب إلى المغيرة يسأله عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يدل على حرصه على تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والوقوف عليه، والعمل به. ومعاوية أسلم مؤخرا -يعني في عام الفتح- فلعل فاته شيء كثير من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد رضي الله عنه أن يتعلم شيئا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام مما قد فاته، مما لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتب إليه المغيرة بهذا الحديث: أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول، فذكر هذا الذكر الذي يقال بعد الصلاة. ذكر في فضل معاوية رضي الله عنه: أنه أحد كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، لما أسلم معاوية جعله من كتاب الوحي. وكذلك أيضا كان يلقب بخال المؤمنين؛ لأن أخته أم حبيبة -رضي الله عنها- زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يلقب بذلك لبيان فضله وشرفه، والرد على الروافض الذين كانوا يطعنون فيه رضي الله عنه. وكذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له -لما بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعوه، فوجده يأكل، ثم ذهب مرة أخرى فوجده يأكل، ثم ذهب المرة الثالثة فوجده يأكل- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أشبع الله بطنه»، أي لمعاوية. وهذا الحديث عده أهل العلم من فضائل معاوية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم فاجعلها عليه رحمة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فعد هذا الحديث من فضائل معاوية: أن هذه الدعوة -لدعاها النبي عليه الصلاة والسلام عليه- تعتبر رحمة، رحمة له. فكتب له بهذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قضى الصلاة -يعني فرغ من صلاته، أي صلاة الفريضة- قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له». هنا في الرواية الأولى قال: «إذا فرغ من الصلاة وسلم»، أي الفصل، انصرف من الصلاة بعد الفراغ من السلام. لكن هل يقوله مباشرة؟ لا يقوله بعد أن يقول بعد الاستغفار ثلاثا، وقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، هذا أول ذكر يقال بعد الفراغ من الصلاة، كمرة معنا في الحديث السابق، ثم بعد ذلك يأتي بهذا الدعاء، وما بعده من الأدعية والأذكار. «لا إله إلا الله»، أي: لا معبود بحق إلا الله. «لا إله»: نفي الألوهية عن كل من سوى الله، «وإلا الله»: إثبات الألوهية لله وحده. وهذان هما أركان الشهادة، لا يتحقق التوحيد للمرء إلا بتحقيق هذين الركنين: النفي والإثبات. فمن نفى ولم يثبت لم يكن موحدا، ومن أثبت ولم ينف كذلك لم يكن موحدا، فلابد من النفي والإثبات. «وحده»: هذا تأكيد للإثبات: أنه لا إله يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده. وقوله: «لا شريك له»: هذا تأكيد للنفي: أنه لا شريك مع الله في إلوهيته، ولا ربوبيته، ولا أسماء وصفاته. قال: «له الملك»، أي: كل الملك، كل الملك لله، فالملك كله لله، ملك السماوات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، كله لله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فالملك ملكه، ملكه سبحانه وتعالى. قال: «وله الحمد»، كذلك، أي: كل الحمد، كل الحمد لله، فهو جل وعلا المستحق للحمد، والحمد والثناء على الله جل وعلا، مع المحبة والتعظيم، الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. والله عز وجل يحمد لكماله سبحانه وتعالى، فهو الكامل في ربوبيته، وإلوهيته، وأسماءه وصفاته، ويحمد لعظيم فضله، وإنعامه، بما أنعم على العباد من النعم، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. والفرق بين الحمد والمدح: أن المدح قد يكون من غير محبة ولا تعظيم، قد يمدح الإنسان غيره ولا يحبه، هذا ما يسمى حمدا، يسمى مدحا، قد يمدحه لمصلحة من مصالح الدنيا، كما يفعل الشعراء الذين كانوا يمدحون الأمراء والملوك من أجل نيل شيء من عرض الدنيا، هم ربما لا يحبونهم، بل يبغضونهم، إذن المدح يكون من غير محبة وتعظيم، لكن الحمد لا بد أن يكون مع محبة وتعظيم. والفرق بين الحمد والشكر: أن الشكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، والحمد باللسان فقط. الشكر أعم آلة، وأما الحمد فأخص آلة. الحمد سببه أعم، والشكر سببه أخص. يعني الحمد أعم سببا، وأخص آلة، والشكر أعم آلة، وأخص سببا. الحمد يكون باللسان، آلته اللسان، أنت تحمد الله عز وجل بلسانك، هذه آلة الحمد، إذن آلته خاصة، فهو أخص آلة، وأعم سببا؛ لأن الحمد يكون عند النعم، ويكون عند المصائب، الإنسان إذا أصيب بنعمة، قال: «الحمد لله»، وإذا أصابته مصيبة، قال: «الحمد لله»، فهو يحمد الله عند النعم، وعند المصائب، فسببه عام، وآلته خاصة، وهي اللسان. أما الشكر، فإن سببه أخص، وآلته أعم، فالشكر يكون عند النعم، سببه هو حصول النعمة، فتشكر الله سبحانه وتعالى، وآلته أعم؛ لأنه يكون باللسان اعترافا ونطقا، وبالقلب اعترافا، وبالجوارح عملا، فآلته عامة. قال: «وهو على كل شيء قدير»، لا يخرج شيء عن قدرة الله سبحانه وتعالى، على كل شيء، كل من ألفاظ العموم، «شيء» نكرة في سياق الإثبات، وتفيد الإطلاق، فكل شيء، فالله سبحانه وتعالى قادر عليه، لا يخرج شيء عن قدرة الله سبحانه وتعالى. قال: «اللهم»، أصلها: «يا الله»، حذف «يا» النداء، وعوض عنها بميم الجمع، «اللهم لا مانع لما أعطيت»، «ما» هنا اسم موصول، لمعنى «الذي»، أي: لا مانع للذي أعطيته، فالشيء الذي يريد الله أن يعطيه للعبد، لا يستطيع أحد أن يدفعه، ولا أن يمنعه، سواء كان هذا العطاء حسيا، أو كان معنويا، العطاء الحسي كالمال، والولد، والذرية، إذا أراد الله سبحانه وتعالى للإنسان حصول مال، لا يستطيع أحد أن يمنعه، أو أراد الله عز وجل أن يرزق هذا الإنسان مولودا، كذلك لا يستطيع أحد أن يمنع عطاء الله سبحانه وتعالى، وهكذا إذا كان العطاء معنويا كالإيمان، والهدى، والعلم، فلا يستطيع أحد أن يدفعه. «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، نعم، كذلك إذا منع الله عز وجل العبد شيئا، لا يستطيع أحد من العباد أن يعذا إياه، وأن يسره له، كم من الناس من ربما يحرم من الذرية، يعني الله عز وجل قضى عليه أنه لا ولد له، فتجده يسعى من هنا إلى هناك، ومن طبيب إلى آخر، يريد أن يرزق بولد، لكن الله ما قضى ذلك، منعه من ذلك، والحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، هل يستطيع أحد من العباد أن يعطيه الولد؟ الجواب: لا، ما يستطيع، فلا معطي لما منعت، وهكذا لو منع الله عز وجل العبد الإيمان، وقضى عليه بالشقاء، عدلا منه سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد أن يسر له الهدى، وأن يوفقه للإيمان. فهذا يجعل في قلب العبد المؤمن الإيمان التام، وكذلك أيضا تعلق القلب بالله سبحانه وتعالى، والتوكل عليه، والاعتماد عليه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن ما أراده الله عز وجل وقضاه، فلابد أن يصل إلى العبد، وما منعه الله سبحانه وتعالى وقضى به، فلن يستطيع العبد أن يصل إليه. وهذا أيضا يجعل في قلب المؤمن تحقيق مقام الإيمان بالقضاء والقدر، وأن كل شيء بقضاء الله وقدره، ما يسره الله سبحانه وتعالى له، فهو بقضاء الله وقدره، وما منعه الله سبحانه وتعالى عنه، فهو بقضاء الله وقدره. قال: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، «لا ينفع ذا الجد»، أي: صاحب الجد، «الجد» يعني: الحظ، والغناء، «لا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي: لا ينفع صاحب الغناء، والحظ، حظه، وغناؤه منك، ما ينفع الإنسان، أو لا؟ نعم، ينفع صاحب الغناء غناؤه، «منك»، لا ينفع صاحب الغناء غناؤه من الله جل وعلا، ولا ينفعه ذلك إذا عصى الله، وخالف شرع الله سبحانه وتعالى، لن ينفعه غناؤه، ولن ينفعه كذلك حظه، الحظ الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياه، إلا أن يكون مطيعا لله سبحانه وتعالى، منقادا لأوامره، مجتنبا لنواهيه. «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، لا يغتر بما أتاه الله من غناء، ومن أموال، ومن متاع الدنيا، وكنوزها، إذا -كما قلنا- خالف أمر الله، وليعتبر بمن مضى، ومن آتاه الله عز وجل من كنوز الدنيا ما آتاه، هل نفعهم غناهم حين كفروا بالله، وخالفوا أمر الله؟ الجواب: لا، هذا قارون الذي آتاه الله عز وجل من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، هذه المفاتيح، كيف بالكنوز؟ كيف بما داخل هذه الكنوز؟ ومع ذلك لما كفر، وتكبر، واغتر، هل نفعت هذه الكنوز؟ الجواب: لا، خسف الله به، وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين، ما نفعه غناه. هكذا فرعون الطاغية الذي كان يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، اغتر بما أتاه الله سبحانه وتعالى من الملك، ومن المال، هل نفعه، ودفع عنه ذلك عذاب الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: لا، كان أمره أن أهلكه الله، وأغرقه بهذه الأنهار التي اغتر بها، وهكذا كثير من أمثال هؤلاء، إذا «لا ينفع ذا الجد منك الجد»، فلا غنى للعبد عن ربه سبحانه وتعالى، فهو الفقير إلى الله، والمحتاج إلى ربه جل وعلا في سائر أحواله، وفي سائر تقلباته، سواء كان فقيرا، أي: فقيرا، فقيرا، وقليل ذات اليد، أو كان غنيا، عنده من المال ما أعطاه الله، فهو فقير إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا الحديث فيه استحباب هذا الذكر الذي كان يقوله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفراغ من الصلاة، فيحرص المسلم على أن يقول هو، أن يأتي به بعد فراغه من صلاة الفريضة. صلى الله عليه وسلم، على نبينا محمد، وآله، وصحبه، أجمعين.