الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
جاء فقراء المهاجرين يشكون تفوق أهل الأموال في أعمال الخير، فأرشدهم النبي إلى التسبيح والتحميد بعد الصلاة. هذا يدل على المنافسة المحمودة في أعمال البر.
التنافس في الدنيا مذموم إذا كان في حطامها الفاني، بينما التنافس في الآخرة محمود في أعمال البر والطاعة. الغني الشاكر له أجر عظيم قد يفوق الفقير الصابر.
النبي علّم أصحابه التسبيح والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة بعد كل صلاة، وهذا العمل يجعلهم يتساوون مع السابقين. هناك تفسيرين لعدد التكرار، إحدى عشرة أو ثلاث وثلاثون مرة.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عاصم بن النضر التيمي، وهو عاصم بن النضر بن المنتشر التيمي، قال: حدثنا المعتمر، وهو ابن سليمان بن طرخان، قال: حدثنا عبيد الله، وهو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد أبو رجاء عطاردي، قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، قال: حدثنا عن ابن عجلان كلاهما، عن سمي، عن أبي صالح، وذكوان السمان، عن أبي هريرة -واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وإلا مختلف في اسمه إلى نحو من ثلاثين قولا، أشهرها عبد الرحمن بن صخر الدوسي- قال: وهذا حديث قتيبة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». وزاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث، عن ابن عجلان، قال: سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمت -أو وهمت- إنما قال: تسبح الله ثلاثا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثا وثلاثين. فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك. قال: فأخذ بيدي، فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين. قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا حديث بهذا الإسناد، حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ذكر هذه المسابقة والمنافسة بين فقراء المهاجرين وبين الأغنياء، ولعلهم من الأنصار؛ لأن غالب المهاجرين كانوا فقراء؛ لأنهم هاجروا من مكة وتركوا أموالهم وديارهم، ووصفهم الله سبحانه وتعالى بذلك للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فوصفهم الله سبحانه وتعالى بالفقر، فكان أكثر المهاجرين فقراء. والأنصار وهم أهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا -يعني- عندهم الزروع والثمار والأراضي، بخلاف المهاجرين، فكان غالبهم فقراء، وإن كان بعضهم قد حسن حاله فيما بعد ممن عمل في التجارة، لكن هذا هو حال أكثرهم. فقال فقراء المهاجرين أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: ذهب أهل الدثور -أي أهل الأموال والغناء- بالدرجات العلا والنعيم المقيم، بمعنى أنهم قد سبقونا بما عندهم من أموال ينفقون ويتصدقون، ونحن فقراء ما عندنا أموال نتصدق بها ونعتق الرقاب وننفقها في سبيل الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي -يعني ما الفرق بيننا وبين هؤلاء الأغنياء- نحن نصلي وهم يصلون مثلنا، ونحن نصوم وهم يصومون، ونحن وهم يتصدقون ونحن لا نتصدق، وهم يعتقون ونحن لا نعتق؛ لماذا؟ لأن عندهم أموال، فهم يتصدقون بهذه الأموال في أبواب الخير وأبواب البر، ويعتقون الرقاب؛ لأن معهم الأموال يشترون بها الرقاب ويعتقونها، ونحن فقراء ما نستطيع أن نفعل مثل فعلهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشدهم إلى عمل -يعني- يسابقون به غيرهم، ويكون لهم فيه أجر وثواب. لكن انظروا إلى همة هؤلاء الفقراء من المهاجرين -يعني- ما قالوا: نحن خلاص فقراء، الحمد لله ما عندنا أموال معذورون، وهؤلاء من الله عليهم، فهم يتقربون إلى الله جل وعلا بهذه الأموال في سبل الخير والبر. هم أرادوا أن يكون لهم عمل يسابقون به أهل الأموال وينافسونهم، فهذا جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يخبرونه بذلك؛ من محبتهم للخير ومحبتهم لأعمال البر، وكذلك تنافسهم في هذا الباب في باب الطاعة وفي باب العبادات. هذه من المنافسة المحمودة أن تنافس أخاك في أعمال البر، في الصلاة، في الصيام، في حفظ القرآن، في تلاوته، نعم، ونحو ذلك من أعمال البر. فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: لأجل هذا النعيم والفوز به. وكذلك: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ لا تحصيله: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ مَنْ كَانَ مُتَنَافِسًا﴾ هذا الذي تبذل فيه الأوقات وتفنى فيه الأعمار ويتسابق فيه المتسابقون الفوز بالجنة ونعيمها. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لا في التنافس في الدنيا وفي حطامها الفانية. هذا اشترى سيارة، يقول الآخر: أنا سأشتري مثله؛ ليه هو أفضل مني أحسن مني؟ يكون عنده سيارة، وأنا ما عندي سيارة، سأنافسه. هذه منافسة مذمومة. إذا بنى طابقا، قال: أنا سأبني مثله، وإذا بنى الطابق الثاني، سأرفع الطابق الثاني؛ أنافسه ليه أفضل مني؟ ها، هذه منافسة مذمومة. هذه منافسة في الدنيا. المنافسة المحمودة: التنافس في أعمال الآخرة. ولهذا الإمام الحسن البصري رحمه الله يقول: «من نافسك في الآخرة فنافسه، ومن نافسك في الدنيا فارمي بها في وجهه». من أراد أن ينافسك في أعمال البر فحييه، لا هذا باب -يعني- يحمد فيه التنافس. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. هذا باب التنافس والمسارعة والمسابقة -نعم- في أعمال البر والطاعة. ولهذا لما ذكر الله عز وجل السعي في تحصيل الأرزاق وطلب المعاش على ظهر هذه الأرض، أمر -يعني- بالمشي والذهاب، ولم يأمر بالمسارعة والمسابقة. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فانتشروا، اذهبوا، امشوا -نعم- واطلبوا الأرزاق. في الآية الأخرى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ لكن لما ذكر السعي إلى الجمعة، قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أبواب الطاعة: السعي فيها والمسابقة والمسارعة مطلوبة. وأما أمور الدنيا، فالمسارعة فيها والمسابقة والمنافسة مذمومة. فهؤلاء فقراء المهاجرين رضي الله تعالى عنهم أرادوا أن يسابقوا -أن يسابقوا- هؤلاء الأغنياء بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من مال يعملون به من الأعمال ما لا يستطيعون أن يعملوا مثلها لفقرهم وقلة ذات يدهم. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يذكرون له ذلك. وفيه أيضا أن الغني إذا شكر نعمة الله وأنفق أمواله في سبيل الله، فإنه ينال بها الدرجات العالية؛ لأنهم قالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على هذا القول: أن أهل الأموال إذا أنفقوا أموالهم في سبل الخير والبر، فإنهم ينالون بذلك الدرجات العالية والمنازل الرفيعة التي ربما لا يبلغها غيرهم ممن لم يكن عندهم الأموال مثلهم. ولهذا الله عز وجل لما أثنى على أبي بكر الصديق رضي الله عنه -وإن كانت الآية تشمله وتشمل كل من فعل مثله- في قوله عز وجل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ سيكون له من النعيم والأجر والثواب ما يرضى به. فهذا فيه دليل على فضل الغني الشاكر: أن الغني إذا شكر نعمة الله، فهو على خير عظيم، وينال أجرا عظيما؛ لماذا؟ لأن الغالب أن الغنى يطغي صاحبه، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ إذا أغناه الله طغى وتكبر وتجبر. ولها تجدون غالبا -غالبا- أهل الطغيان وأهل الكبر والتجبر هم أهل الأموال. النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث بالرسالة، كان أكثر أتباعه والذين آمنوا بهم الفقراء، وأما أهل الأموال وأهل الغنى وأهل الشرف، فأكثرهم كفروا به. وهكذا أيضا ما حصل في زمن موسى لما -يعني- اتبعه فقراء الناس. وهكذا أيضا نوح عليه السلام كذلك: آمن به فقراء قومه. ما اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديا الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل. نعم، وهكذا سائر الأنبياء: أتباعهم في الغالب هم الفاتقراء، بخلاف أهل الأموال والغنى، فهم في الغالب أهل طغيان، إلا من رحم الله. القليل منهم من يوفق -يعني- للخير والإيمان والهداية. فإذا وفق الغني إلى شكر نعمة الله وإلى الإيمان والتقوى والمسابقة بفعل الخير وإنفاق الأموال في وجه البر، كان له أجرا عظيما -كان له أجرا عظيما- ربما فاق بذلك الفقير الصابر. الفقير: صحيح أن الفقر قد يكون سببا لزيغ صاحبه وانحرافه عن الاستقامة؛ لأنه ربما لا يصبر على الففقر، فيسعى في كسب المال ولو بالطرق المحرمة: بالكذب، والغش، والرشوة، وشهادة الزور، وغير ذلك -يعني- من أبواب الكسب المحرمة. لكن إذا صبر، كان له أجر. كان له أجر عظيم وثواب. لكن لا ينال -يعني- من هذا الأجر كأجر هذا الغني الذي ينفق أمواله في سبيل الخير في سبيل البر. ففي هذا يظهر: أن الغني الشاكر أعظم أجرا وأرفع منزلة من الفقير الصابر. وإن كان الفقير له أجر، له منزلة، له منزلة عند الله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». أفيه متعفف ذو عيال: عنده أولاد وذرية، وهو فقير، لكنه عنده عفة عن الحرام، عنده عفة عن الحرام مع وجود أسباب -يعني- طلب المال وكسبه، ومع ذلك تعفف عما حرم الله، فكان من أهل الجنة. هذا لا شك أنه أجر عظيم. لكن أجر الغني الشاكر المنفق في سبيل الخير سيكون أعظم بما ينفق ويبذل ويعطيه؛ لأن الفقير والغني سيشتركان في الصبر على طاعة الله والبعد عن معصية الله، هما سواء إذا صبر الفقير عما حرم الله، ورضي بقضاء الله عز وجل وقدره على حاله. فالغني يشاركه في ذلك؛ لأنه شكر نعمة الله، واجتنب ما حرم الله، فهما سواء في مثل هذه المنزلة. لكن سيفوق الغني الشاكر ببذل الأموال والإنفاق في سبل الخير والبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم؟» يعني: يعلمكم عملا إذا عملتموه تشاركون -تدركون به من سبقكم في عمال البر والطاعة- ويكون لكم عمل زائد على عملهم، وتسبقون به من بعدكم ممن يأتي بعدكم، وهو لم يعمل بهذا العمل. أما إذا عمل به، سيكون مثلكم. قال: «ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم» يعني: من عمل هذا العمل الذي ستعملون، فهو سيكون مثلكم، وسيشارهكم في الآجر والمنزلة. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة». تسبحون: أي تقولون: سبحان الله. وتكبرون: تقولون: الله أكبر. وتحمدون: تقولون: الحمد لله. دبر كل صلاة: أي بعد كل صلاة. دبر الشيء: آخره. دبر كل صلاة: أي آخر كل صلاة، ثلاثا وثلاثين مرة. ثم قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله -يعني- ما اقتصروا على ما عندهم من بذل الأموال والتصدق وعتق الرقاب، ما قالوا: خلاص، خل الفقراء المهاجرين -يعني- يتقربون الله بهذه العبادة والطاعة، لا تنافس ومسابقة. سمعوا بهذا الحديث مباشرة: سبحوا، وكبروا، وحمدوا الله دبر كل صلاة مثل ما فعل فقراء المهاجرين، ومثل ما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم. مسابقة في باب الخير. رجع الفقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، أصحاب الأموال فعلوا مثلنا الآن، هم أفضل منا، هم الآن أفضل منا. ما زلنا نحن وأياد في مسابقة: أردنا أن نسابقهم، فسابقونا. وقالوا بمثل ما قلنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». الله سبحانه وتعالى فضلهم بما أتاهم من أموال ينفقون منها ويتصدقون ويعتقون، فكان لهم في ذلك فضل زائد. وهذا من -يعني- فضل الله سبحانه وتعالى عليهم. لكن انظروا كيف كانت المنافسة والمسابقة بينهم، ومحبة الخير والتنافس في ذلك. هكذا ينبغي أن يكون المسلم. ثم ذكر الإمام مسلم رحمه الله تفسيرا أو كيفيا لهذا التسبيح. ذكر عن سمي أنه حدث بعض أهلي بهذا الحديث، فقالوا: وهمت -إنما قال: تسبح الله ثلاثا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثا وثلاثين- يعني: كل تسبيحة يكون مستقلة ثلاثا وثلاثين مرة، وكل تحميده تكون ثلاثا وثلاثين مرة مستقلة، وكل تكبيره تكون ثلاثا وثلاثين مرة مستقلة. فلما رجع إلى أبي صالح، وذكر له ذلك -ذكر له تفسير آخر- قال: لا، إنما تقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين -يعني- كل واحدة تقولها إحدى عشر مرة: تسبح إحدى عشر مرة، وتكبر إحدى عشر مرة، وتحمد إحدى عشر مرة، فيكون مجموع ثلاثا وثلاثين. هكذا فسر أبو صالح الحديث بهذا التفسير. والصحيح: التفسير الأول: تفسير سمي الذي ذكره لأبي صالح، هذا هو الصواب. وستأتي روايات أخرى فيها بيان هذا التفسير: وأن المقصود بثلاثا وثلاثين من كل واحدة -أي من كل تسبيحة ومن كل تحميدة ومن كل تكبيرة- من كل واحدة منها ثلاثا وثلاثين. وفي بعض الروايات: سيأتي أن التكبير أربعة وثلاثين. وفي بعضها: ثلاثا وثلاثين مرة من كل واحدة. ويقول: تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وسيأتي في الروايات القادمة بإذن الله. قال: وحدثني عمرو بن سواد العيشي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا روح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، بمثل حديث قتيبة عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين إلى آخر الحديث. وزاد في الحديث: يقول سهيل: إحدى عشرة. فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون -يعني- بين قول أبي صالح وسهيل: بين قوله ووضحه أنه يقصد أن يقول من كل واحدة إحدى عشر مرة: إحدى عشرة تسبيحة، وإحدى عشرة تحميدة، وإحدى عشرة تكبيرة. وقلنا: هذا التفسير مرجوح، والتفسير الراجح: أنها من كل واحدة ثلاثا وثلاثين مرة، كما سيأتي في الروايات الأخرى. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.