الدرس في كتاب الصيام 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، ويبين أن فعله يوجب الكفارة المغلظة مرتبة: عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. كما يوضح الفرق بين العمد والنسيان، وحكم المسافر في ذلك.
يسوق المقطع أحاديث أبي هريرة وعائشة في قصة الرجل الذي قال: احترقت، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، وفي ذلك دليل على عدم علم النبي بالغيب، وعلى شدة ندم الصحابة ومبادرتهم للتوبة. ويوضح أن المراد بالجماع حصول الإيلاج لا مجرد الإنزال خارج الفرج، ولا يجوز تقديم متأخر على متقدم في الكفارة.
يناقش المقطع خلاف العلماء في وجوب القضاء مع الكفارة، والراجح عدم وجوب القضاء بل التوبة والكفارة، كما يوضح أن الكفارة تجب على الرجل دون المرأة، وأن صوم المكرهة على الجماع صحيح ولا يفسد. ويبين التيسير في الشريعة من خلال تصدق النبي على العاجز عن الكفارة.
يوضح المقطع أن قول الرجل "احترقت" كناية عن حرقة الذنب لا حريق حقيقي، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن المحترق وأمره بالتصدق. فلما اعتذر الرجل بالجوع أمره النبي أن يأكل الصدقة هو وأهله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن ابن عيينة، وهو سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي. قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري، وهو محمد بن مسلم، عن حميد بن عبد الرحمن، وهو حميد بن عبد الرحمن بن عوف القراشي الزهري، كان رحمه الله فقيهاً نبيلاً كما قال الإمام الذهبي رحمه الله، وهو ثقة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله. قال: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قال: وَقَعْتُ عَلَى أَمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لا. قال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال: لا. قال: ثم جلسا، فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق، بعرق فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قال: أفأق؟ قال: «إِيشَ عِنْدَكُمْ؟» ها، أفقر؟ قال: «أَفْقَرُ مِنَّا، فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا». فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، قال: أخبرنا جرير، ومن عبد الحميد، عن منصور، عن محمد بن مسلم الزهري، بهذا الإسناد، مثل رواية ابن عيينة، وقال: «بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ»، وهو الزنبيل، يعني تفسير العرق بأنه الزنبيل، ويقال له الزبيل، ويقال له القفة، هذه كلها من أسماء العرق، وأيضاً يقال له المكتل. قال: ولم يذكر: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه. هذا الحديث في قصة الذي جامع أهله في نهار رمضان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث يدل على أنه يحرم على الرجل أن يجامع أهله في نهار رمضان، يحرم على الرجل أن يجامع أهله في نهار رمضان، وأنه من فعل ذلك متعمداً ذاكراً فإنه يفسد صومه، ويأثم على فعله لهذا الأمر، وتجب عليه الكفارة المغلظة المذكورة في هذا الحديث. ودليل ذلك أن الرجل قال: هلكت، هلكت يا رسول الله، وسيأتي بعض الروايات أنه قال: احترقت، هو يعلم أن هذا محرم، وأن فعل الإثم والمحرم يهلك صاحبه ويحرقه، أي أن الذنوب تحرق صاحبها، فدل هذا على أنه فعل ذلك وهو عالم بالتحريم وذاكر للصيام، ذاكر للصيام. أما إذا كان ناسيا، إذا جامع وهو ناسي أنه صائم، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن صومه صحيح، وهو قول جمهور أهل العلم، أن صومه صحيح، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وهذا حصل منه الجماع على جهة النسيان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيَتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». فكما أنه أكل وشرب، والأكل والشرب بالإجماع مما يفطر به الصائم إذا فعله متعمداً ذاكراً، فحصل منه على جهة النسيان أنه لا يفسد صومه، فكذلك الجماع إذا حصل منه نسياناً فإنه لا يفسد صومه، وإنما يفسد إذا فعل ذلك ذاكراً متعمداً. فإذا حصل ذلك من الصائم أن جامع أهله في نهار رمضان وهو عامد ذاكر، وأيضاً إذا كان مقيماً، أما إذا كان مسافراً هو وأهله في سفر، فالمسافر لا يجب عليه الصيام، لأن مسافر مع أهله أتى أهله في النهار وهو في سفر، هل تجب عليه الكفارة؟ ها، سافر هو وزوجته وهما صائمان، وفي السفر أتى أهله، هل تلزمه الكفارة؟ ها، ليش؟ يعني يجوز له أن يفطر، يجوز أن يفطر بالجماع كما يفطر بالأكل والشرب، يجوز له أن يفطر بالجماع، وحينئذ ما يلزمه شيء، لأن المسافر لا يجب عليه الصيام، لا يجب عليه الصيام، إذا انتجب الكفارة إذا كان مقيماً ممن يلزمه الصيام، فإذا فعل ذلك وجبت عليه الكفارة، وهي أولاً: عتق رقبة، يعتق رقبة مملوكة فيحررها من الرق، إن وجد وتيسر، كانت الرقبة موجودة ويستطيع شراءها، فيجب عليه أن يعتق رقبة، فإن لم توجد رقاب، أو توجد رقاب لكن لا يملك ثمنها، فينتقل إلى الصيام، فيصوم شهرين متتابعين، يصوم شهرين متتابعين، معنى متتابعين: أي لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي، لا يفطر بين هذين الشهرين إلا لعذر شرعي، فإذا أفطر من غير عذر لزمه أن يعيد الصيام من جديد، لو أنه صام شهراً ونصف، صام شهراً ونصفاً ثم أفطر يوماً، قال: أستريح يوم، يوم، إن شاء الله ما يضر، وأكمل بعد ذلك، فأفطر يوماً متعمداً من غير عذر، عليه أن يعيد الصيام من جديد، لابد من شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي، مثل مرض طرأ عليه، مرض يشق عليه الصيام، له أن يفطر ثم يستمر ويكمل، أو سفر طار ضروري، لا بأس إذا سافر أن يفطر ثم بعد ذلك يكمل ما عليه من الصيام، فإن كان لا يستطيع، لا يستطيع الصيام لكبر سن، أو لشدة شغفه مثلاً ورغبته في النساء، ولا يتحمل أن يصوم شهرين، فينتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكيناً، قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» يطعم ستين مسكيناً، قال جمهور أهل العلم: أنه يطعم عن كل مسكين مداً من الطعام، يعني يجب عليه خمسة عشر صاعاً من الطعام. قال: في هذا الحديث، بعد أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارات على هذا الترتيب: عتق رقبة، فلما قال لا يجد، أمره أن يصوم شهرين متتابعين، فلما قال لا يستطيع، أمره أن يطعم ستين مسكيناً. وقوله هنا: «هَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» هذا فيه دليل لأنه يجب اعتبار هذا العدد، يجب اعتبار هذا العدد، أن تطعم ستين مسكيناً، فما يجزئ مثلاً أن تعطي طعاماً لعشرة أشخاص يأكلونه ست مرات، لا، لا بد من ستين مسكيناً، لا بد من ستين مسكيناً. فالرجل قال: لا، ما يجد ما يطعم ستين مسكيناً، ما عنده، ثم جلس، فجاء رجل، أو أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، والعرق عرفنا أنه المكتل والزنبيل الذي يوضع فيه الطعام، نحن نسميه في لغتنا ولهجتنا الدارجة بالقفة، هو أيضاً لغة عربية، القفة التي يوضع فيها الخبز ونحو ذلك، هذا الزنبيل، العرق، والعرق يعني: ذكر الإمام النووي أن أهل العلم ذكروا أنه يسع خمسة عشر صاعاً، يسع خمسة عشر صاعاً. فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العرق من التمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، تصدق بهذا التمر، فالرجل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: أفقر منا يا رسول الله، يقول: تصدق عليه، على من؟ نحن أفقر من في المدينة، نحن أحوج، كان يقول: نحن أحوج إلى هذا التمر يا رسول الله، أفقر منا، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، نحن أفقر من في المدينة. وقوله: المراد بلابتيها حدود المدينة الشرقية والغربية، ويقال للأكم ذات الحجارة السوداء: لابة، فالمدينة محاطة في الشرق والغرب بأكم ذات حجارة سوداء، وفي الشمال والجنوب جبل عير وثور، هذه حدود المدينة، فهو يقول: يعني ما بين حدود المدينة أحد أفقر منا، نحن أحوج إلى هذا التمر. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، وهذا يعني في نادر من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أن يضحك حتى ترى أنيابه وأسنانه وأضراسه، والغالب أنه كان يبتسم عليه الصلاة والسلام، إلا في حوادث يعني يسيرة وقليلة كان يضحك عليه الصلاة والسلام، ولا بأس بهذا إذا كان قليلاً، إذا كان قليل، يعني في بعض المواضع التي يتعجب منها الإنسان أو شيء، لأنه لم يتمالك نفسه فضحك، لا حرج بذلك، إنما المذموم هو الكثرة، كثرة الضحك يكون من حال الإنسان دائماً الضحك والقهقهة، هذا خلاف ما إما أن يكون عليه حامل القرآن وحامل العلم، والأغلب أن يكون عليه الابتسامة، ولا بأس بالضحك أحياناً كما كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وضحك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه جاء في أول الأمر يقول: هلكت، واحترقت، ثم يرجع في آخر الأمر، ما شاء الله، ومعه التمر يطعمه أهله، ها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من حاله وشأن هذا الرجل، وهذا فيه يعني عظيم ما على هذه الشريعة العظيمة المباركة من التيسير والتخفيف، وكذلك حصول الخير حتى لو وقع الإنسان في أمر محرم من غير قصد، يعني أو غلبته نفسه، يجد في الشريعة المخرج، يجد المخرج بالتوبة والإنابة إلى الله، وأيضاً ما جعل من كفارات تكفر عن هذا الذنب وهذا الخطأ، فإن كان الإنسان عاجزاً، رغم يجد ما ينتفع به، ما ينتفع به، مثل هذا الرجل، يعني وجبت عليه إطعام ستين مسكيناً كفارة لهذه المعصية وهذا الذنب الذي وقع فيه، ولم يكن عنده شيء، هو فقير ما يملك شيئاً، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التمر، قال: أعطعمه، تصدق به، قال: نحن أحوج، فقال: كلوا، أطعمه أهلكم، وجد هذه الصدقة التي ينتفع بها هو وأهله، وهذا من عظيم هذه الشريعة المباركة، وكذلك أيضاً ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرحمة والشفقة وحسن التعامل مع المخالفين والمخطئين عليه الصلاة والسلام. وبقي من مسائل الجماع في نهار رمضان: هنا لم يذكر في الحديث أمر الرجل بالقضاء، هل يجب عليه أن يقضي هذا اليوم الذي أفسده بالجماع؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قال يقضي، من قال يقضي، واستدل برواية جاءت في خارج الصحيح فيها ذكر القضاء، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه ليس عليه قضاء، وإنما عليه التوبة من هذا الذنب وهذه الكفارة، وليس عليه قضاء هذا اليوم، وقالوا: بأن ذكر لفظة القضاء في روايات هذا الحديث لا تصح، لا تصح، ولو كان القضاء واجباً لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به كما في هذا الموضع، سواء كان في مسلم أو في البخاري، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالقضاء، فما ورد في خارج الصحيح متكلم فيه من حيث السند، وكذلك أيضاً أنه أفسد هذا اليوم يعني متعمداً، ومن أفسد عبادة، من أفسد عبادة عمداً لا ينفع فيه القضاء، وإنما عليه أن يتوب توبة نصوحة، مثله من ترك الصلاة متعمداً حتى خرج وقتها، هذا ما ينفعه القضاء، ما يقال له: اقض هذه الصلاة، القضاء جافٍ حقاً، له عذر كمريض أو مسافر، بالنسبة للصوم، وبالنسبة للصلاة كنائم أو ناسي، هذا معذور، متى ما استيقظ أو تذكر الناس يصلي، أما يترك الصلاة متعمداً من غير مبالاة حتى يخرج وقته ثم نقول له: اقض هذه الصلاة، لا، ما ينفعه القضاء، هنا ما ينفعه القضاء، كذلك من أفسد صومه متعمداً ما ينفعه القضاء، أفسد العبادة من غير عذر شرعي، نقول له: عليك أن تتوب توبة نصوحة، وتكثر من نوافل الصيام، وإن كانت يعني هذا الذنب فيه كفارة كالجماع في نهار رمضان، تكفر هذه الكفارة، تكفر عنه هذا الذنب الذي حصل منه. كذلك أيضاً: هل على المرأة كفارة؟ هل على المرأة كفارة؟ من مسائل الجماع في نهار رمضان: هل تجب على المرأة كفارة أيضاً؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يلزمها الكفارة، لا يلزمها الكفارة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر الرجل أن يأمر امرأته بالكفارة، ولو كانت الكفارة واجبة عليها، لو كانت الكفارة واجبة عليها، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يأمر امرأته بها، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل أن يأمر امرأته بالكفارة، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: ما سمعنا أن على المرأة كفارة، لم نسمع أن على المرأة كفارة، فالكفارة إنما تجب في حق الرجل. طيب، علمنا أنه إذا حصل الجماع نسياناً أنه ليس عليه شيء وصومه صحيح. وكذلك تأتي مسألة أيضاً: لو أكره الرجل امرأته على الجماع، امرأته صائمة وهو صائم، وأتى أهله، أرادت أن تمتنع فغلبها الرجل، أقوامي المرأة، غلبها وجامعها، ما حكم صوم هذه المرأة؟ ما حكم صيام هذه المرأة؟ هل يفسد صومها بهذا الجماع، أو أن صومها صحيح؟ ما حكم صومها؟ ها، صح، صحيح، نعم، صومها صحيح، لماذا؟ لأن هذا المفطر وقع منه على جهة الإكراه، وقع منه على جهة الإكراه، ومفطرات الصيام لا تفطر الصائم إلا إذا فعلها الصائم عامداً ذاكراً مختاراً، إذا فعلها عامداً ذاكراً مختاراً، أما إذا أكره فلا يضر هذا بصومه، لو أن صائماً أمسكه اثنان وجاء ثالث ووضع الماء في فمه حتى دخل إلى جوفه، هل يفطر؟ الجواب: لا، لأنه شرب مكرهاً، فلا يضر هذا بصومه، كذلك إذا أكرهت المرأة على الجماع، فإن صومها صحيح، ولا يفسد صومها بذلك. كذلك أيضاً: أن من مسائل هذا الجماع في نهار رمضان، أن هذه الكفارة على الترتيب، هذه الكفارة على الترتيب، أولاً: عتق رقبة، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكيناً، فلا يقدم أحد هذه الكفارات على التي قبلها، هذا قول جمهور أهل العلم، ولهذا أخطأ بعض الفقهاء الذين أرادوا أن يعني يشددوا على بعض الأمراء والملوك الذين وقعوا في الجماع في نهار رمضان، فأمروه بالصيام مع استطاعته للعتق، يعني رجل من أهل الأمراء جامع في نهار رمضان، فأفتى هذا المفتي والفقيه أن يصوم شهرين متتابعين مع أنه يستطيع العتق، قيل له: لماذا؟ قال: لأن هذا أردع له، هذا أردع له، والعتق عليه سهل، عنده أموال يستطيع أن يعتق الرقاب، وهل هذا الفعل صحيح؟ الجواب: لا، هذا خطأ، الواجب أولاً: عتق رقبة، إن كان يستطيع، هذا الواجب عليه، هذا الواجب عليه، يبدأ بعتق الرقبة، ثم إن لم يستطع، فما بعدها. قال: حدثنا يحيى بن يحيى، ومحمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث، وحدثنا قتيبة، قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً وقع بامرأته في رمضان، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟» قال: لا. قال: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟» قال: لا. قال: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». المراد بالجماع: المراد بالجماع حصول الإيلاج، تغييب حشفة الذكر في الفرج، ليس المراد بالجماع أن يجتمع معها فيقبل ويضم وكذا وينزل خارج الفرج، هذا ليس بجماع، هذا نعم يفسد صومه، ولا تجب عليه الكفارة، هذا ينتبه له، المراد بالجماع حصول الإيلاج، أما إذا أنزل خارج الفرج ولم يحصل الإيلاج، فهذا يعني أفسد صومه بالمباشرة، ولا تجب عليه الكفارة، لا تجب عليه الكفارة. قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، بهذا الإسناد، أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة. قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة تحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً. هل هذا يسدل به أن الكفارة على التخير؟ لا، الجواب: لا، أو هنا للتقسيم، وليس للتخير، يعني أن الكفارة على هذه الأقسام الثلاثة، لكنها على الترتيب كما مر معنا في الرواية الأولى. قال: وحدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد، نحو حديث ابن عيينة. قال: وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، قال: أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: احترقت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا شَأْنُكَ؟» قال: وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَاراً. قال: «تَصَدَّقْ». قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بهما. وقوله هنا: احترقت، هذا فيه دلالة على أن الذنوب تحرق صاحبها، محرق لصاحبها، وفي حديث من عمر: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ»، فالذنوب محرق لصاحبها، فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على اجتناب الذنوب والمعاصي ما استطاع، وإن وقع في شيء منها فإنه يسارع بالتوبة والإنابة والندم، فإنها بذلك يطفئ حريق هذا الذنب الذي وقع فيه، نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم الذنوب والمعاصي. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، أن محمد بن جعفر بن الزبير أخبره، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وليس في أول الحديث: تصدق، تصدق، ولا قوله: نهاراً. قال: حدثني أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله، احترقت. وهذا أيضاً فيه أن الصحابة رضي الله عنهم، مع ما هم فيه من الفضل وشرف المنزلة وشرف الصحبة، وحرصهم على الخير وبعدهم عن الشر، فهم بشر يصيبون ويخطئون، لكن سرعان ما يبادرون بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله جل وعلا، وأيضاً يعني أن إن وقعوا في الذنب، فإنهم يندمون ندماً شديداً، فهو قوله: احترقت، يشعر بحرقة هذا الذنب الذي وقع فيه، بحرقة هذا الذنب الذي وقع فيه، بخلاف يعني من جاء بعدهم، قد يفعل الإنسان المعصية والذنب ولا يبالي، وكأنه لم يفعل شيئاً، ولم يقع في ذنب، ولا يجد حرقة على فعله لهذه الذنب والمعصية، وهذا الفضل للصحابة رضي الله عنهم على من جاء بعدهم، أنهم إن وقعوا في الخطأ فسرعان ما يتوبون وينوبون، وكذلك أيضاً فإنهم يندمون ندماً شديداً على وقوعهم في هذا الذنب وهذه المعصية. قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا شَأْنُكَ؟» قال: أصبت أهلي. قال: «تَصَدَّقْ». وهذا أيضاً فيه دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم الغيب عليه الصلاة والسلام، ولو كان يعلم الغيب لعلم سبب احتراقه، وقوله: احترقت، نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وعلم الغيب مما اختص الله سبحانه وتعالى به، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. قال: قال: أصبت أهلي. قال: تصدق. فقال: والله يا نبي الله، ما لي شيء، وما أقدر عليه، يعني ما عندي شيء أتصدق به، فقير. قال: «اجْلِسْ». فجلس، فبينا هو على ذلك، أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفاً؟» هو عمله الآن، يعني من باب المشاكلة، هو ذكر الاحتراق، لما جاء قال: احترقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين المحترق؟ أي: الذي جاء وذكر أنه احترق، وإن كان هذا اللفظ مستعمل في مثل هذا الموضع كناية، كناية عن حرقة الذنب وهلكت المعصية، وليس المراد حقيقة الاحتراق، لو الاحتراق بالنار، إنما أريد به معنى معنوي، وهذا من باب الكنايات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفاً؟» قام الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قال: يا رسول الله، غيرنا؟ فوالله إنا لجياع، ما لنا شيء. قال: «فَكُلُوهُ، تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ وَأَهْلِكَ». طيب، طيب، طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، شكراً للمشاهدة.