وقفات مع آيات الصيام  12

وقفات مع آيات الصيام 12

الدرس في وقفات مع آيات الصيام 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مشروعية الاعتكاف ودليله القرآني وعلاقته بالصيام

استدل العلماء بآية النهي عن المباشرة للمعتكفين على مشروعية الاعتكاف، وربطوا ذكره بآيات الصيام لارتباطه برمضان وتحري ليلة القدر في العشر الأواخر. اختلف الفقهاء في وجوب الصيام مع الاعتكاف، فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوبه بينما رأى الجمهور الاستحباب فقط.

مشروعية الاعتكاف دون اشتراط الصيام وفضائله

أثبت حديث عمر بن الخطاب أن الاعتكاف مشروع دون اشتراط الصيام، وإن كان مستحباً في رمضان اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. بين ابن القيم أن حقيقة الاعتكاف تكمن في جمع القلب على الله وإزالة فضول الطعام والكلام والنوم والمخالطة التي تشتت القلب.

مقاصد الاعتكاف وآدابه وحقيقة عكوف القلب

كما يزيل الصيام فضول الطعام والشراب، يزيل الاعتكاف فضول مخالطة الأنام، ومقصوده الأعظم عكوف القلب على الله والانقطاع إليه. يتحقق ذلك بتقليل الكلام والمنام والمخالطة، وصيرورة الأنس بالله بديلاً عن الأنس بالخلق، واستغلال الوقت في الطاعة والدعاء.

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وخاتمة الدرس

يؤكد المقطع على مكانة الاعتكاف كعبادة عظيمة في العشر الأواخر من رمضان، وحث المسلم على تحقيق مقاصده النبيلة التي بينها ابن القيم. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بما ذُكر مع تفويض العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ثم قال تعالى في آخر آيات الصيام: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. هذه الآية استدل بها أهل العلم على مشروعية الاعتكاف، على مشروعية الاعتكاف. ومعنى الآية: أنه بعد إفطار الصائم جاءت الرخصة في أن يباشر امرأته إلى قبيل الفجر، ولكن إذا اعتكف حال صيامه فإنه كذلك يبقى التحريم، تحريم إتيان الزوجة، طالما أنه معتكف. فمن شروط الاعتكاف عدم مباشرة النساء، عدم مباشرة النساء، ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وذكر الاعتكاف بعد الصيام لمناسبتين: المناسبة الأولى: أن جملة الكلام على الصيام يتناول صيام شهر رمضان، يتناول صيام شهر رمضان، وهو الشهر الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه لما يرجى فيه من ليلة القدر. ولذلك كان آخر الأمر الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام الاعتكاف في رمضان، بل والاعتكاف في العشر الأواخر منه، في العشر الأواخر منه. لماذا؟ تحريًا لليلة القدر، تحريًا لليلة القدر. فهذه هي المناسبة الأولى: كون الاعتكاف جاء بعد ذكر آيات الصيام. والمناسبة الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف، على مشروعية الصيام مع الاعتكاف، وأن الأفضل للمعتكف أن يكون صائمًا. بل بعضهم كالحنفية والمالكية ذهبوا إلى وجوب الصوم للمعتكف. ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأنهم استدلوا بمجرد فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ما ثبت عنه في رمضان ما ثبت عنه الاعتكاف إلا وهو صائم، إلا وهو صائم. ولكن هذا مجرد فعل، ولا يؤخذ منه الوجوب. فجمهور أهل العلم على أنه يفضل ويستحب للمعتكف أن يكون صائمًا، وليس بواجب. واستدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في البيت الحرام»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك، أوفِ بنذرك». وهل هذا الاعتكاف كان في وقت صيام؟ لا، وإنما قال: «ليلة»، والليل ليس وقت صيام، ليس وقت صيام. فاستدل العلماء بهذا الحديث على أنه ما يشترط الصيام في الاعتكاف، ولكنه يتأكد ويستحب، يتأكد ويستحب، والأفضل أن يكون في رمضان اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتحريًا لليلة القدر، تحريًا لليلة القدر. والاعتكاف في اللغة: هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه، لزوم الشيء وحبس النفس عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. فمعنى ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾: يعني لزمته وحبست نفسك عليه، وحبست نفسك عليه. وأما شرعًا: فهو المقام في المسجد، المقام في المسجد، من شخص مخصوص، وعلى وجه أو صفة مخصوصة، لطاعة الله تعالى تعبُّدًا وتقرُّبًا إلى الله عز وجل، إلى الله عز وجل. والاعتكاف شرعًا لحكم عظيمة وجليلة، بيّنها ونبّه عليها العلامة ابن القيم في كتابه «زاد المعاد»، في كتابه «زاد المعاد». فقال رحمه الله تعالى: «لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى». ثم قال: «وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام - يعني مخالطة الناس - وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه ويعوقه ويوقفه». اقتضت رحمة الله العزيز الرحيم بعباده أن يشرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب. شف الآن: ما الذي يشتت القلب، وما الذي يذهب بجمعيته وإقباله على الله؟ فضول، يعني ما زاد عن حاجة الإنسان من الطعام، ومن الشراب، ومن مخالطة الأنام، ومن فضول الكلام، وفضول المنام. فما الذي يذهب بفضول الطعام والشراب؟ الصيام، الصيام يذهب بفضول الطعام والشراب؛ إذ أن الصائم يظل فترة نصف نهاره أو يزيد وهو ممتنع عن الطعام والشراب، عن الطعام والشراب. قال: «وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة والانقطاع والانشغال به وحده». فهذا يذهب ماذا؟ الاعتكاف يذهب بفضول مخالطة الأنام. ولذلك كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الاعتكاف أنه يعتزل في معتكفه، يجعل له معتكفًا لا يدخله إلا هو عليه الصلاة والسلام، فينقطع عن مخالطة الأنام، المخالطة التي تكون في غير هذا الاعتكاف. فهذا الاعتكاف من حكمه أنك ماذا؟ تقلل من مخالطة الأنام، ومن فضول الكلام: لا تتكلم كثيرًا، ومن فضول المنام: لا تنام كثيرًا. ينبغي للمعتكف أن يعلم هذا، أن يعلم أن المقصود الأعظم من الاعتكاف ليس أن يبغى في المسجد ويكلم هذا، ويعمل حلقات قيل وقال مع هذا، وطيلة نهاره وهو نائم، وكذلك في الليل وهو نائم. وهكذا، يعني لا يخلو بربه، ولا يقلل من المخالطة، ولا من الكلام. ليس هذا المقصود من الاعتكاف. المقصود من الاعتكاف، كما ذكر العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: «شرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة والانقطاع والانشغال به وحده سبحانه وتعالى». فيستولي، يستولي عليه، ويصير الهم كله والخطران كلها بذكره، والفكرة في تحصيل مراضيه منه، فيصير أنسه بالله بدلًا من أنسه بالخلق. هذا هو من أعظم حكم ذلك الاعتكاف: أن يكون أنس ذلك المعتكف بالله عز وجل وحده، فينقطع عن كثرة المخالطة والكلام مع الأنام. ثم قال: «فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم». فالخلاصة: من يسأل الله له ذلك، فلا شك أن هذه عبادة عظيمة ينتفع منها المعتكف انتفاعًا عظيمًا، إذ يخلو بربه ويتفرغ لطاعة مولاه. وهكذا يستغل وقته، ويقوم الليل مع جماعة المسلمين، ويدعو ربه. وهكذا يكون في عبادة عظيمة، لا سيما في تلك العشر الأواخر من شهر رمضان. فيحرص المسلم أن وفقه الله عز وجل ويسر له هذه العبادة على أداء تلك المقاصد العظيمة من مقاصد الاعتكاف الذي بينه العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.