التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 32

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 32

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحريم بخس المكاييل والموازين وبيان عقوبته

يشرح المحور خطورة بخس المكاييل والموازين وحقوق الناس مادياً ومعنوياً مستدلاً بقصة شعيب وآيات المطففين، ويؤكد أن ارتكاب هذه المعاصي مع الغنى والاستغناء يزيد في قبحها وعظم إثمها عند الله.

تحذير من أكل أموال الناس بالباطل ودور الصلاة في تزكية النفس

يحذر المحور من عظيم إثم أخذ أموال الناس بالحرام رغم الغنى مستشهداً بوعيد النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الصلاة بخشوع وتدبر هي السبب العملي لترك المنكرات وفعل الخيرات كما دل عليه قول قوم شعيب وآيات القرآن.

ملكية المال والجسد لله ووجوب التصرف وفق الشريعة

يقرر المحور أن المال والجسد ملك لله ولا يحق للعبد التصرف فيهما إلا بما شرعه، ويرد على دعوات الإباحية المعاصرة بأنها تشبه مذهب قوم شعيب ولوط في اتباع الهوى ومخالفة الفطرة والشرع محذراً من انحراف الفطرة والعقل.

  • 12 جمادى الآخرة 1444هـ - 04/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء": قال: وفي قصة شعيب فوائد متعددة، منها أن بخس المكاييل والموازين خصوصاً، وبخس الناس أشياءهم عموماً، من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة. فكما تقدم أن أهل مدين الذين أرسل إليهم شعيب، مع ما هم فيه من الشرك، إلا أنهم ابتلوا بهذه المعصية وهذه الجريمة العظيمة، وهو بخس المكاييل والموازين، وأيضاً بخس الناس أشياءهم. فبخس الناس أشياءهم أعم، أعم من بخس المكاييل والموازين. فبخس الناس أشياءهم يشمل البخس الحسي والبخس كذلك المعنوي. فالبخس الحسي: البخس في المكاييل والموازين التي يوزن بها الطعام ونحوه. وأما البخس المعنوي فهو يشمل أي بخس في حق أخيك المسلم. فمثلاً: لربما بعض الناس يبخس العامل حقه، أو العكس: العامل يبخس حق من كلفه بعمل ما. فتجد مثلاً صاحب المهنة أو صاحب الحرفة إذا وكله أحد الناس بعمل يقوم به، فإنه يبخس هذا الشخص حقه إما بعدم الإتقان في هذا العمل، وإما بعدم كذلك الالتزام بالوعد أو الوقت. كذلك الموظف يريد حقه كاملاً من المؤسسة أو من الإدارة أو نحو ذلك، لكن إذا نظرت إلى ما يقابل هذه الأجرة من عمل لرأيته مقصراً مفرطاً. هذا من البخس المعنوي، من البخس المعنوي. والإسلام جاء بتأكيد تحريم هذه الجرائم، وهو بخس المكايل والموازين. فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. انظر إلى وصفي هؤلاء المطففين: إذا اكتالوا على الناس يستوفون، إذا أرادوا أخذ حقهم أخذوه بالوفاء والتمام، أخذوه بالوفاء والتمام. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، إذا أعطوا الحق لغيرهم بخسوا غيرهم حقهم، بخسوا غيرهم حقهم. فهذا لشك يدخل في معنى البخس، يدخل في معنى البخس. فمن وكل بعمل أو بأمانة أو بوظيفة أو نحو ذلك، فإنه يقوم بهذه الوظيفة أو تلك المهنة على حسب ما طلب منه، على حسب ما طلب منه، سواء أكان في الزمن أو في الجهد أو في الوعد أو في كذلك الكمية أو نحو ذلك. فإذا لم يوفي الحق الذي عليه فهذا يدخل في معنى البخس، يدخل في معنى البخس. فهذا الذي يريد المؤلف من قوله: "وبخس الناس أشياءهم عموماً". فإن هذا الأمر من أعظم الجرائم، إذ أن هؤلاء قوم شعيب اختصوا بهذه الجريمة مع شركهم بالله، فأنزل الله عز وجل عليهم عقوبته. نعم، وهكذا في البيع والشراء: نهى شرعنا عن كل معاني البخس، عن كل معاني البخس، سواء كان في الكيل والميزان، أو كذلك في الغش والخداع والكذب ونحو ذلك في البيع والشراء. فهذا كله يدخل تحت معنى البخس في الكيل والميزان، ويدخل في معنى الظلم والغش ونحو ذلك مما نهى عنه الشرع. جاء في حديث حكيم بن حزام في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». فالكتمان وكذلك الكذب في البيع والشراء يدخل في هذا المعنى. كذلك الغش في البيع والشراء يدخل في هذا المعنى، كما جاء أيضاً في الصحيح من حديث أبي هريرة: «من غشنا فليس منا». وقد توعد الله عز وجل بمن أو لمن ارتكب هذه الجريمة بالعذاب العظيم الأليم. قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال في أول الآية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، أي: العذاب والهلاك لهؤلاء المطففين. يحذر المسلم من هذه الجريمة العظيمة التي سمعتم عقوبة مرتكبيها. قال: ومنها -أي من فوائد هذه القصة- أن المعصية الواقعة، أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة إليها أعظم. أيش معنى هذا الكلام؟ يعني: إنسان عنده الأموال الكثيرة، وعنده من الغنى ما لربما يسد حاجته إلى أن يموت، ومع هذا فهو يبخس، يبخس الناس أشياءهم. أيش الداعي لهذا؟ وليس فقيراً، ليس محتاجاً. فهذا معنى قولي: "أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة". هؤلاء قوم شعيب عدم منهم الداعي والحاجة، ولذلك ماذا قال لهم شعيب؟ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. إذن ما الداعي إلى هذا الظلم وإلى هذا البخس وأخذ أموال الناس بالباطل؟ أيش الداعي من هذا؟ فمن ارتكب أمراً عدم منه الداعي والحاجة إليه، هذا يكون إثمه أعظم، يكون إثمه أعظم. قال: ولهذا كان الزنا من الشيخ أقبح من الزنا من الشباب، والكبر من الفقير أقبح من الغنى، أو من الغني. نعم، أقبح من الغني. والسرقة ممن ليس بمحتاج أعظم من وقوعها من المحتاج. وهذا ما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، وفي لفظ: ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر». شيخ زانٍ: شيخ كبير تضعف شهوته ورغبته في النساء، ومع هذا يرتكب هذه الجريمة العظيمة، فهذا إثمه أعظم من الشاب. كلاهما آثام، لكن إثم الشيخ الكبير أعظم. لماذا؟ لأن الداعي إليها عدم، والحاجة إليها غير موجودة، وما عنده قوة، وما عنده يعني اندفاع كاندفاع الشاب في شهوته، فهذا ذنبه أعظم. كذلك ملك كذاب: أيش الداعي أن يكذب الملك أو الرئيس، وعنده من الملك ومن القصور ومن الخدم والحشم ونحو ذلك؟ فإذا ما الداعي أن يكذب؟ لا يوجد هناك داعي وحاجة للكذب منه، فكذب الملك أعظم من كذب غيره ممن هو دونه. كذلك عائل مستكبر: يعني فقير وهو مع ذلك يستكبر على الناس. أيش الداعي لهذا؟ وما عنده ما يكون سبباً في تكبره، ما عنده أموال كثيرة، وما عنده منافع عظيمة يحتاجها الناس منه حتى يرتفع عليهم، وحتى يتكبر عليهم. فلذلك هؤلاء الثلاثة، لعدم وجود الداعي والحاجة فيهم، كان إثمهم أعظم. ولذلك قال: «لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، ولهم عذاب أليم». فيحذر المسلم من مثل ذلك. قال: لهذا قال شعيب لقومه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: بنعم كثيرة. فأي أمر أحوجكم إلى الهلع، إلى ما بأيدي الناس بطرق محرمة؟ تجد إنساناً مسؤولاً عنده من السيارات وعنده من الراتب الكبير، ومع هذا يأخذ أموال المساكين ويتحايل على أخذ أموال الناس. هذا يدخل في هذا المعنى. فتجده يكذب، تجده ماذا؟ يكذب على الناس ويأتي بكلام لا حقيقة له، لا حقيقة له. قال: ومنها قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: فيه الحث على الرضا بما أعطى الله، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، وقصر النظر على الموجود عندك من غير تطلع إلى ما عند الناس. أي: ما أبقاه الله لكم من خير ومن رزق، من خير ومن رزق، فارضوا به، ولا تتطلع إلى ما في أيدي غيركم. فما عندكم خير، وكذلك ما عندكم أفضل مما عند غيركم. فلما تفعلون ذلك؟ ولما تأخذون أموال الناس بالباطل؟ هذا هو المعنى. فإذا يسر الله لك بما يسر من مال أو من بيت أو من زوجة، أو كذلك من مركوب أو نحو ذلك، فلا تنظر إلى ما بأيدي غيرك. بحمد الله أنه سبحانه وتعالى أعطاك هذه النعم وتفضل بها عليك، وتفضل بها عليك. قال: ومنها أن فيه دلالة على أن الصلاة سبب لفعل الخيرات وترك المنكرات، والنصيح لعباد الله. وقد علم ذلك الكفار بما قال لشعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. انظر: شهد الكفار بأن ما يدعوهم إليه شعيب إنما هو من أثر صلاته، من أثر صلاته: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. فهذا فيه دليل على أن الصلاة سبب لترك كل باطل، ولو كان عليه الآباء والأجداد، ولو كان عليه أكثر الناس، طالما أنه يخالف شرع الله ويخالف دين الله. فهذه الصلاة تنهى صاحبها عنه، تنهى صاحبها عنه. وكذلك يعامل، يعامل المصلي الناس بما شرع الله وبما أمر الله، لا بالظلم ولا بالبخس ولا نحو ذلك. وإذلك قالوا: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. فالصلاة هي التي منعته من ذلك. ومما يؤيد ذلك الآية الأخرى التي ذكرها المؤلف رحمه الله، فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. ومن الفحشاء: لأعظم الفحشاء الشرك، وكذلك الجرائم الأخرى، ومنها بخس الناس، أو كذلك أخذ أموال الناس بالباطل، ونحو ذلك من الفواحش والمنكرات. فهذا فيه فضل الصلاة. فالصلاة تزكية للنفوس، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. فالصلاة من أسباب تزكية النفوس، ومن أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فابتدأ صفات أهل الفلاح بالخشوع في الصلاة، وختمها بالمحافظة على الصلاة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. قال العلماء: فابتداء صفات أهل الفلاح بالصلاة، واختتامها بالصلاة، دليل على عظم هذه الصلاة، وأنها من أعظم أسباب الفلاح في الدنيا وفي الآخرة، ومن أعظم أسباب تزكية النفوس وتطهير القلوب. فالصلاة منافعها عظيمة، ومن ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله: أن الصلاة سبب لفعل الخيرات وترك المنكرات. فالصلاة يستعين بها العبد على سيره إلى الله سبحانه وتعالى بفعل المأمور وترك المحظور. قال الله عز وجل في كتاب كريم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. والصلاة أكبر عون للعبد في قضاء حوائجه الدينية، بل والدنيوية، والدنيوية. قال: ومن هنا تعرف حكمة الله ورحمته، لأنه فرض علينا الصلوات تتكرر في اليوم والليلة لعظم وقعها وشدة نفعها وجميل آثارها. فله على ذلك، أو فلله على ذلك، أتم الحمد. كل يوم خمس صلوات، هذه الصلوات تطهر العبد وتزكيه. يصلي صلاة الفجر، ثم يكون بين صلاة الفجر والظهر وقت طويل، ثم بعد ذلك يأتي وقت الظهر، ويأتي وقت العصر، ويأتي وقت المغرب والعشاء، ثم بين العشاء والفجر وقت كذلك طويل. فيستيقظ المؤمن على الصلاة لما فيها من التزكية، ولما فيها من تكفير الذنوب. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فالصلاة لها منافع عظيمة، ومن أجلها وأعظمها ما ذكره المؤلف في أنها سبب لفعل الخيرات وترك المنكرات. قد يقول القائل: نرى من الناس من يصلي، ولكن هو واقع في المنكرات، واقع في المعاصي، واقع في المخالفات. فيقال في مثل هذا: أن السبب هو ذلك المصلي للصلاة، إذ أنه لم يأتِ إلى الصلاة بقلب خاشع، وبتدبر وتعظيم لله عز وجل. فمن أقبل على الصلاة بقلب خاشع، وبتدبر وتعقل لما يقول في هذه الصلاة، ومن تعظيم لله عز وجل بين يدي الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذه الصلاة تؤثر فيه، تؤثر في هذا المصلي. أما من يدخل إلى الصلاة إنما هو جثة هامدة، لا يستشعر ما يقال في هذه الصلاة، ولا يخشع فيها، ولا يتدبر مع المعاني التي تقرأ فيها ونحو ذلك، فهذا لشك أن هذه الصلاة وإن أثرت شيئاً في هذا المصلي، لكنها لا يكون هذا التأثير تأثيراً عظيماً به يبتعد عن المنكرات. قال: ومنها أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية، داخل تحت حجر الشريعة. ومعنى حجر الشريعة: يعني هذا المال الذي أعطاك الله عز وجل إياه، هذه الشريعة جعلت لك حداً تستخدم فيه هذا المال، لا تتصرف فيه كيفما تشاء وكيفما تهوى، وإنما يكون تحت تعاليم هذه الشريعة، وتحت ما يقتضيه هذا الدين العظيم. فلا يجوز لمن أعطي مالاً أن ينفقه فيما حرم الله وفيما يغضب الله، وإنما يفعل في هذا المال ما يرضي الله من الصدقات الواجبة أو المستحبة، أو من المباحات التي لا مخالفة فيها. فهذا معنى قوله: "أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية داخل تحت حجر الشريعة"، يعني تحت ما تقتضيه هذه الشريعة، فيتصرف في هذا المال بما تأذن به هذه الشريعة. قال: فما أبيح له منها فعله، وما منعه الشرع تعين عليه تركه. فإذا قال: "أنا عندي مال، سأتمتع بإعطاء المال للنساء كي أزني بهن، وأتمتع، أو أشرب الخمر، أو أشتري المخدرات، أو كذلك أقتني التلفاز وأنظر إلى القنوات ونحو ذلك"، فهذا لا يجوز، لأن المال مال الله، وهو أمرك أن تستخدم هذا المال فيما يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. فهذا معنى قوله: "ومن يزعم أن، وما منعه الشرع تعين عليه تركه". ومن يزعم أنه في ماله حر له أن يفعل ما يشاء من معاملات طيبة وخبيثة، فهو بمنزلة من يرى أن عمل بدنه كذلك، وأنه لا فرق عنده بين الكفر والإيمان، والصدق والكذب، وفعل الخير والشر، الكل مباح. يعني: أنت الآن أعطاك الله عز وجل هذا البدن وهذا الجسد وهذا اللسان وهاتين العينين، فهل تتصرف في هذه النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك كما تشاء؟ فتنظر إلى ما حرم الله، وتكذب على الناس، وتقول: "أنا حر في تصرفاتي"؟ أبداً، أنت عبد لله، أنت لست حراً فيما فيما يقتضيه عملك وعطاؤك ومنعك، كل ذلك ينبغي أن يكون تحت شريعة الله عز وجل. نعم، فكما أنه لا يجوز للعبد أن يتصرف في بدنه وفي جوارحه بما يشاء، وإنما ينضبط بضوابط الشرع، فكذلك المال. فكذلك المال لا ينبغي له أن يستقدمه فيما يشاء، وإنما يستقدم هذا المال فيما اقتضته الشريعة. هذا معنى قوله رحمه الله. قال: ومن المعلوم أن هذا هو مذهب الإباحيين الذين هم شر الخليقة. الآن الإباحيون يريدون إدخال هذه النظرة، هذه النظرة الكافرة، إلى بلاد المسلمين. فيقولون: "هناك الحرية الشخصية، هذا الشخص حر". يقولون: ربما حتى لو هو ذكر يريد أن يتحول إلى أنثى، في موجود عندهم هناك، يعني مستشفيات وعيادات يمكن يتحول هذا، يعني حر هو يتصرف في نفسه كيف يشاء. والعكس: إذا المرأة تريد أن تكون ذكراً، يمكن ذلك، حرية شخصية. يريد أيضاً أن يكون من المثليين، الذين في الحقيقة المخانيث في لفظ الشريعة. قالوا: يمكن هذا، هذا حرية شخصية. هذا إباحية. يتزوج الرجل على الرجل، قالوا: لا بأس، يتزوج الرجل على الرجل. هذه يعني حرية شخصية. لكن الدين والإسلام لا شك أنه حرم ذلك، وضبط المسلم بضوابط الدين والشرع، لا بما تهواه الأنفس. نعم، فهنا يرد على هؤلاء الإباحيين في وقته وفي عهده، فكيف لو رأى ما نحن فيه اليوم من تلك الدعوات الهابطة، الدعوات الكفرية، والاتفاقيات التي هي في الحقيقة اتفاقيات كفرية تتعارض مع الدين الإسلامي، تتعارض مع الدين الإسلامي؟ فإذا قال: "ومن المعلوم أن هذا هو مذهب الإباحيين"، أما مذهب المسلمين فلا يستعملون جوارحهم ولا أموالهم، ولا كذلك حركاتهم ولا سكناتهم، إلا بما يوافق الشرع. قالوا: إن المعلوم أن هذا هو مذهب الإباحيين الذين هم شر الخليقة. ومذهب قوم شعيب يشبه هذا. لماذا يشبه هذا؟ لأنهم قالوا: ماذا؟ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قالوا: لماذا أنتم تبخسون الناس أشياءهم؟ لماذا يعني تطففون في الكيل والميزان؟ قالوا: هذه أموال، أموالنا، نفعل فيها ما نشاء. هي مثل قول بعضهم اليوم: "هذا حرية شخصية، أنا أتصرف فيما أرى وفيما أميل إليه، لا تقيدني بشيء، هذا حرية شخصية، أفعل في نفسي وفي بدني وفي مالي ما أشاء". هو نفسه مذهب من مذهب أولئك الكفار الأوائل من قوم شعيب عليه السلام. قال: وبدأ قوم شعيب يشبه هذا، لأنهم أنكروا على شعيب لما نهاهم عن المعاملات الظالمة، وأباح لهم سواها. فرد عليه أنهم أحرار في أموالهم، لهم أن يفعلوا فيها ما يريدون: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، لا تنهان عن هذا. قال: ونظير هذا قول من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. بعض الناس تقول له: هذا ربا، ما يجوز. قول: هذا مثل البيع، تشتري بضاعة بعشرين ثم تبيعها بثلاثين، هذا بيع شراء. وهكذا في الربا: تعطي فلان عشرين، وينتفع بهذا المال، ثم يرده لك ثلاثين مقابل تلك المنفعة. فإنما البيع مثل الربا. فهكذا يعني يجعل العقل، ويجعل كذلك الهوى مقدماً على شرع الله. فهذا قول من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. فرد الله عز وجل على هؤلاء فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. لما فيه من الظلم، الربا لما فيه من الظلم وأخذ أموال الناس بالباطل، حرمه الله سبحانه وتعالى. قال: فمن سوى بين ما أباحه الله وبين ما حرمه الله، فقد انحرف في فطرته وعقله، بعدما انحرف في دينه. فهذه الأفعال التي يفعلها هؤلاء الإباحيون في الحقيقة هي انتكاس لفطرهم. مثل ما قال لوط لقومه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. هم يريدون الله الذكور. الآن أجاز في دول كفرية كثيرة أن يتزوج الذكر الذكر. انظر إلى انتكاس الفطرة. يقول أحد السلف: "لو لم يذكر الله عز وجل ما وقع فيه قوم لوط، لما خطر على بال أن ذكراً يأتي ذكراً، ما خطر على بال، لأن هذا شيء مخالف للفطرة". لكن الشيطان يزين لهؤلاء مثل هذه الأعمال والأفعال التي هي انتكاس للفطر، انتكاس للفطر. ومثل: حتى أجاز أن تتزوج المرأة على المرأة. هذا مصيبة عظيمة، أن تتزوج المرأة على المرأة. هذه دعوات الآن انتشرت في المجموعات في الواتساب، في القنوات، وربما ألزموا بها بعض الدول الإسلامية. والحمد لله، كثير من الدول الإسلامية رفضت هذا، وهذا واجب عليهم، لأنه يخالف الدين الإسلامي الذي يدينون به، ولا يجوز لدولة مسلمة أن ترضى بمثل هذه القوانين الكفرية، وبمثل هذه الأفعال الإباحية. فالمؤلف رحمه الله وهو في زمانه يحذر من هؤلاء الإباحيين وما يدعون إليه من الإباحية، فكيف لو رأى ما وقع في هذا الزمان؟ والله المستعان. نكتفي بهذا، ونكمل البقية الفوائد إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا.ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر