الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تعد قصة موسى أطول قصص القرآن وأكثرها تفصيلاً، حيث يُبرز الشيخ السعدي عظمته كأعظم أنبياء بني إسرائيل وشدة ابتلائه بفرعون. يروي المقطع ولادة موسى في ظل أمر فرعون بقتل الذكور، وإلهام الله لأمه بوضعه في التابوت وإلقائه في اليم مع وعد برده وجعله من المرسلين.
بعد إلقاء التابوت في اليم، ساق القدر موسى إلى بيت فرعون حيث أحبته آسية وطلبت بقاءه، فنجا من القتل. امتنع موسى عن الرضاعة من غير أمه، بينما ثبت الله قلب أمه وألهمها الصبر، وكلفت ابنتها بتتبع خبره.
يعاد موسى الرضيع إلى أمه بعد رفضه المرضعات الأخرى تحقيقاً لوعد الله، ويناقش المقطع موقف المؤلف من الاكتفاء بقراءة سورة القصص لوضوحها دون تفصيل. كما تتم مقارنة ذلك بمنهج الشيخ الوادعي في شرح الظاهر، مع فتح باب النقاش حول استكمال القصة وتفصيل ولادة هارون.
يتساءل المتحدث عن حال الرجال قبل صدور قرار فرعون الغاشم، معبراً عن رفضه لهذا الظلم. ثم يشير إلى انتقال إلى مقطع موسيقي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء"، قصة موسى وهارون عليهما السلام: قال: قد ذكر الله لموسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام سيرة طويلة، وساق قصصه في مواضع من كتابه بأساليب متنوعة، واختصار أو بسط يليق بذلك المقام. فقصة موسى تعد من أطول القصص في القرآن، فذكرت في مواضع كثيرة وفي سور عديدة، وأحياناً تجد هذه القصة بسياق طويل، وأحياناً بسياق متوسط، وأحياناً بسياق مختصر، وهكذا بأساليب متنوعة كما ذكر. قال: وليس في قصص القرآن أعظم من قصة موسى، يعني: من حيث الابتلاء والصبر ومقارعة المشركين ونحو ذلك. لماذا؟ قال: لأنه عالج فرعون وجنوده، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة. فبعد أن أغرق الله فرعون ونصر نبيه موسى، لم يزل بني إسرائيل الذين اتبعوه في عدم استجابة لنبيهم، فوقع بين بني إسرائيل وبين موسى حوادث وأخبار كثيرة، كما هو معلوم من هذه القصة. قال: وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل، أي موسى. قال: وشريعته وكتابه التوراة، وهو مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، فمن أتى بعده من بني إسرائيل إنما هو تبع لهذا النبي الذي أول من بعث إلى بني إسرائيل. قال: ﴿ وَأَتْبَاعُهُ أَكْثَرُ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴾. يدل على ذلك حديث ابن عباس: لما رأى النبي ﷺ الأمم مع أنبيائهم في يوم القيامة، قال: « فرأيت سواداً عظيماً فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه ». قال: وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه، والغيرة العظيمة ما ليس لغيره. قال: وقد وُلد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل، فكان يذبح كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان. وذكر المفسرون أن سبب قتل فرعون للذكور رؤيا رآها، في أن سبب زوال ملكه رجل من بني إسرائيل، فلا يولد مولود منهم إلا قُتل خشية أن يكون هذا المولود هو الرجل الذي رآه في المنام. ويستحيي النساء، يعني: لا يقتل النساء، لا يقتلهم. فهذا معنى: يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، يعني: يبقي نساءهم ولا يقتلهم. قال: فلما ولدته أمه، أي موسى عليه السلام، خافت عليه خوفاً شديداً، فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم، يعني: جعل جواسيس يأتون بأخبار البيوت: من اليوم ولدت من النساء؟ وهل ولدت ذكراً أو أنثى؟ فإذا ولدت ذكراً قتله، وإذا ولدت أنثى تركت. فكان يرقب نساءهم ومواليدهم. وكان بيتها، أي بيت أم موسى، على ضفة نهر النيل، يعني: على طرفه. فألهمها الله أن وضعت له تابوتاً، إذا خافت أحداً ألقته في اليم، وربطته بحبل لألا تجري به جارية الماء، جعلت له عِصَب حبل. وهذا التابوت إذا خافت أحداً ألقت لهذا التابوت في النهر، فيدخل الداخل ينظر: هل يوجد أحد؟ ما يوجد جنين، ولا يوجد مولود، ولا شيء، فيخرج، فإذا خرج سحبت هذا التابوت وأرضعت ابنها. قال: ومن لطف الله بها أنه أوحى لها: ﴿ لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾. فالله عز وجل طمأن هذه المرأة وهذه الأم، وبين لها أن ابنها تحت رعاية الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى حافظه من عدوه. ولا شك أن هذا الوحي يجعل الطمأنينة والسكينة في قلب أمه. قال: فلما ألقته ذات يوم، انفلت رباط التابوت، فذهب الماء بالتابوت الذي في وسطه موسى. انفلت، يعني: افتك الحبل، هذا خرج من موضعه، فسحبت الحبل فإذا التابوت غير موجود. انفلت، وجارية الماء أخذت هذا التابوت وذهبت به في البحر أو في النهر. قال: ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون، وجئ به إلى امرأة فرعون آسية، يعني: أن هذا التابوت ذهب به البحر أو الماء إلى بيت فرعون، إلى بيت فرعون. قال: قال: فلما رأته، أي امرأة فرعون، أحبته حباً شديداً، وهذا من عناية الله عز وجل به: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾. فامرأة فرعون أحبت موسى حباً شديداً. قال: وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب. قال: وشاع الخبر ووصل إلى فرعون، فطلبه ليقتله. فقالت امرأته، أي آسية: « قرة عين لي ولك، لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا ونتخذه ولداً ». قالت له: هذا وصل إلينا، وقدر الله أن أتى به إلينا، فلعله يكون قرة عين لنا. وقرة العين: أي ما تسعد العين عند رؤيته، عند رؤيته، وذلك لبره وطاعته. ولذلك من دعاء عباد الرحمن أنهم كانوا يدعون ويقولون: ﴿ هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾، يعني: ما تقر به أعيننا. فالولد إذا كان طائعاً صالحاً باراً، فهذا لشك أنه يسر والديه ويفرح والداه بما يريان من بره وصلاحه ونفعه، ونفعه في الدنيا فضلاً عن الآخرة. فقالت امرأة فرعون: لعله يكون قرة عين لي ولك، ولعله ينفعنا، لا تقتله، عسى ينفعنا أو نتخذه ولداً، يكون ولداً لنا. فنجا بهذا السبب من قتلهم، تركه فرعون استجابة لرغبة زوجه آسية. قال: وكان هذا الأثر الطيب والمقدم الصالح من السعي المشكور عند الله، فكان هذا من أسباب هدايتها وإيمانها بموسى بعد ذلك. هي آمنت، آسية آمنت، وذكرها الله عز وجل في القرآن: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾. قال: أما أم موسى فإنها فزعت، وأصبح فؤادها فارغاً، فارغاً، يعني: متعلقاً بابنها، متعلقاً بابنها. وكاد الصبر أن يغلب فيها، يعني: ينفذ الصبر، ربما يعني: تبوح بفعلها هذا وتعترف بأمرها. ولكن الله عز وجل ربط على قلبها وثبتها. قال الله: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فصبرت وتحملت، وكذلك وكلت أمرها إلى الله، وقالت لأخته: « قصيه »، أي: تحسسي عنه. قالت لأخته: اذهبي وانظري خبر أخيك، ما خبره؟ مع من هو؟ وهل وجدوه؟ وهل كذا؟ المهم: أمرت ابنتها أن تتحسس أمر موسى. قال: وكانت امرأة فرعون قد عرضت عليه المراضع، فلم يقبل ثدياً، فلم يقبل ثدي امرأة، يعني: ذهبت به عند النساء اللاتي ولدن في ثديهن اللبن كي يرضعن هذا المولود، فلم يقبل. كلما أتوا به عند امرأة ما قبل ثديها، أعرض عنه. كلما ذهبوا به عند امرأة كذلك لم يقبل وأعرض عنها، أي: عن ثديها. وعطش، وجعل يتلوّى من الجوع. الصبي إذا ما رضع لا شك أنه يعطش ويجوع، فحليب الأم للطفل هو غذاء وشراب، يستغني عن الماء، المولود يستغني عن الماء. قال: وأخرجوه إلى الطريق لعل الله أن يسر له أحداً، يعني: أحداً يقبل ثديها. قال: فحانت من أخته نظرة إليه، وبصرت به عن جنب، أو عن جنب، وهم لا يشعرون بشأنها، يعني: لم يروها. فعرفت أخاها، عرفت أخاها. فلما أقبلت عليه وفهمت منهم أن يطلبون له مرضعاً، يعني: فهمت أنهم يبحثون له عن مرضع ترضعه، قالت لهم: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾. فقالوا: نعم، نحن نبحث، هاتي. لم ينتبه لمقصدها، ولا لمرادها، ولم ينتبه لمغزاها، وهذا من حسن أسلوبها. ما قالت لهم مباشرة: هناك امرأة سيقبل ثديها، لا، قالت لهم: يكفلونه لكم، سيكفونكم شأنه وأمره. فقالوا: طيب، خذي هذا الصبي، خذيه. فهم يريدون مخرجاً، يريدون مخرجاً حتى يعني: يعيش هذا الصبي والمولود. قال الله: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. فعاش هذا، بل وفي حضن أمه، رجع بطريقة ظاهرة بعدما كانت ترضعه بطريقة خفية وهي خائفة، أصبحت ترضعه بطريقة واضحة ظاهرة، لأنه لم يقبل إلا ثديها. قال: ثم ذكر الله في هذه السورة قصة مفصلة واضحة، وكيف تنقلت به الأحوال، قراءتها كافية عن شرح معناها لوضوحها وتفصيلاتها. يعني: أن المؤلف عنده أن ما سيأتي من قصة هذا النبي في عدة مواضع واضح، بين، فما يحتاج إلى تفسير وإلى بيان وشرح. أذكر في درس شيخنا الوادعي رحمه الله أنه كان يقرأ الحديث ثم يقول: "ومعاني وألفاظ هذا الحديث ظاهرة". فقام له أحد الطلاب، قالوا: يا شيخ، هذه المعاني ظاهرة بالنسبة لك أنت يا شيخ، لكن بالنسبة لنا نحن كطلاب تخفى علينا هذه المعاني، فلو أنك تشرح، ولو شرحاً ميسراً مختصراً. فقام يضحك الشيخ رحمه الله. وهكذا الشيخ هنا، لعله لي، يعني: قوة بلاغته وقوة كذلك لغته، يرى أن ما سيأتي من قصة هذا النبي واضح بين، فلا يحتاج إلى ذكرها وشرحها، فاقتصر في قصة موسى وهارون على هذا الذي قرأنا فقط، وغفل أو ترك جميع المراحل التي جاءت في قصة نبي الله موسى عليه السلام. فالأمر إليكم: إذا ترون نمشي على ما مشى عليه المؤلف، أو أننا نقرأ تلك القصة مما جاء في القرآن ونبين معاني بعض ألفاظها، الأمر إليكم. والله تعالى... إلى هنا، الحمد لله. كيف واضحة لكم هذه القصة؟ هل قصة يعني: قتله للرجل، وذهابه إلى أهل مدين، وخبره مع المرأتين، وكيف لما تزوج من إحداهما، ثم لما بعث وأوحى الله عز وجل إليه وأرسله إلى فرعون، وما دار بينه وبين فرعون؟ ها، يعني: المؤلف خلص، اقتصر إلى هنا. قال: الباقي مفهوم. قال: الباقي مفهوم. ها، ها. إن شاء الله، يسر الله، زيكم الله إلى هنا. ها، والله يكون فيه عدة احتمالات: الاحتمال الأول أنه لعله وُلد قبل ما يعني: يقرر فرعون هذا الأمر، وهو قتل الذكور، قد يكون ذلك. طيب، على القول بأن هارون أكبر من موسى، وقد يكون أن كذلك أمه أخفته، قد يكون هذا أيضاً أن أمه أخفته، الله أعلم. نعم، لأن الرجال موجودون، كانوا، كانوا، كانوا في بني إسرائيل كانوا موجودين. طيب، الرجال هؤلاء الموجودون كيف عاشوا قبل أن يضع فرعون هذا القرار الغاشم الظالم؟ يكون هكذا، والله. موسيقى، موسيقى، موسيقى.