الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يواصل المحاضر سرد قصة نبي الله موسى عليه السلام من سورة القصص، مبيناً بلوغه أشده وآتيه الله حكماً وعلماً، ثم دخوله المدينة على حين غفلة من أهلها ووقوع حادثة الوكزة واستغفار موسى وتوبته، مع شرح معاني الألفاظ كالحكم والعلم والمدينة وحين الغفلة.
خرج موسى في وقت الغفلة فوجد رجلين يقتتلان، فاستغاثه الإسرائيلي فوكز القبطي فقتله غير متعمد، فندم موسى وتاب معترفاً بالظلم، فغفر الله له، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب عاقبة أمره.
بعد أن وبخ الإسرائيلي موسى لقتله القبطي، كشف السر فبلغ فرعون الذي عزم على قتل موسى، فأتاه رجل من أقصى المدينة ينصحه بالخروج، فهرب موسى خائفاً داعياً ربه بالنجاة والهداية حتى وصل مدين.
يختتم المتحدث الجلسة بالحمد لله، ويعلن أن بقية الحديث ستؤجل إلى درس قادم، مكتفياً بما تم طرحه في هذا اللقاء.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فكما ذكر المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في قصة نبي الله موسى عليه السلام أنه يكتفي بما ذكر من بداية ولادته إلى أن اشتد وشاب عليه السلام، ثم ذكر أن بقية أحداث هذه القصة ألفاظها معلومة ووقائعها كذلك مفهومة، فشرع مباشرة في ذكر الفوائد وكذلك أخذ العبرة والعظة من هذه القصة. ولكن تتمة للفائدة وتكميلاً، وفي هذه القصة أحببنا أن نأخذ بقية أحداثها وبقية كذلك فصولها. وفي القرآن الكريم فصل ربنا عز وجل قصة نبيه موسى في سورة القصص، فذكر هذه القصة من أول ولادة موسى عليه السلام إلى أن أرسله الله، وكذلك أنجاه الله ومن آمن معه، بل وما حصل وما حصل بعد أن جاءه لموسى، وما وقع من أحداث مع بني إسرائيل ممن تبعه وآمن به. فتتمة لهذه القصة أحببنا أن نأخذ هذه القصة من تلك السورة. فقال سبحانه وتعالى في سورة القصص: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فمن أراد أن يقص في ما سنذكره من هذه القصة، يفتح سورة القصص من كتاب الله عند هذه الآية، وهي الآية الرابعة والعشرون: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي بلغ في أشد مراحل هذه الحياة، وهي مرحلة الشباب. فلما بلغ موسى هذه المرحلة أعطاه الله عز وجل حكماً وعلماً. جاء عن مجاهد أن المراد بالحكم والعلم هي النبوة، أي أن الله عز وجل أعطاه النبوة. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأن الله عز وجل اصطفاه لحمل رسالة الله عز وجل إلى بني إسرائيل، ولا يصطفي الله عز وجل من أنبيائه إلا المحسنين والمتقين المؤمنين. ثم قال: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي دخل المكان الذي هو محل سكن الناس، فهذا هو معنى المدينة. المدينة تطلق على البلد التي يجتمع فيها من يسكن فيها، فتحتوي على عدة مساكن وبيوت ونحو ذلك. فدخل موسى إلى المدينة لكن على حين غفلة من أهلها، ومعنى "على حين غفلة من أهلها" أي في وقت عدم خروج الناس إلى الشوارع وإلى الأعمال ونحو ذلك. فلذلك جاء عن ابن عباس أنه فسر وقت هذه الغفلة: ما بين المغرب والعشاء، وكذلك رواية أخرى عنه أنه نصف النهار. وما بين المغرب والعشاء ووقت راحة الناس ووقت كذلك ربما نوم الناس، وهكذا في نصف النهار بعدما أكل وملّ الناس من أعمالهم من أول النهار، ففي نصف النهار يحتاجون إلى شيء من الراحة ونحو ذلك. فكان خروج موسى إلى المدينة في مثل هذه الأوقات. فبينما هو يمشي وجد فيها رجلين يقتتلان، يعني يختصمان ويتضاربان. وجد شخصين يتضاربان: هذا من شيعته وهذا من عدوه. يعني واحد من هذين الاثنين من بني إسرائيل لأن موسى أيضاً من بني إسرائيل فهو من شيعته، والآخر من القبط يعني من غير شيعة موسى. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يعني نادى هذا الإسرائيلي موسى وطلب منه النصرة في دفع هذا القبطي. وهذا فيه أن الاستغاثة إذا طلبت من الحي القادر فإنها تجوز. فَالاستغاثة كما تعلمون تنقسم إلى قسمين: استغاثة محرمة وهي من الشرك الأكبر، وذلك إذا استغاث العبد بغائب غير قادر، فهذه من الشرك. لكن إذا استغاث بحي وكذلك قادر على أن يغيثه، لا يكون هذا الشيء الذي استغاثه فيه من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالرزق والإحياء والإماتة وطلب الولد ونحو ذلك، فهذا لا يقدر عليه إلا الله. لكن في الأمور التي يقدر عليها المخلوق، فإذا استغاث به أحد فلا بأس بذلك. فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، فجاء موسى كي ينصر من هو من شيعته، فوكز القبطي. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قيل: وكزه بأطراف أصابعه، فلِقوة وشدة موسى عليه السلام كانت هذه الوكزة فيها حتفته فمات هذا القبطي. وقيل: وكزه بعصا كانت في يده، والله أعلم. المهم ظاهر القرآن أن موسى وكز هذا القبطي فمات. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ولم يرَ موسى أحد سوى ذلك الإسرائيلي الذي كان يتقاتل مع القبطي فقط، لم يره أحد ولم يشعر به أحد. فلم يرد موسى عليه السلام أن يقتل هذا القبطي، ما أراد قتله وإنما أراد دفعه، ولكن شاء الله أن تكون هذه الوكزة سبباً في موت هذا القبطي. فلما رأى ذلك موسى ندم وقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. فالشيطان هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يعمل المعاصي، وهكذا أن يتجاوز الحد ونحو ذلك. ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾، اعترف بأن هذا من الظلم، فطلب من ربه أن يغفر له، واستغاث باسمه سبحانه وتعالى "الرب"، وبتقصيره هذا أيضاً نوع من أنواع التوسل، أن يتوسل العبد بضعفه وعجزه وحاجته إلى ربه سبحانه وتعالى. فقال موسى: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾، فغفر له الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ثم قال موسى شاكراً لربه: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾، يعني لن أكون معيناً وظهيراً للمجرمين. فأصبح في المدينة، قال الله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾، يعني صار موسى في المدينة لما قتل هذا القبطي خائفاً يترقب، أي يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر، من الذي سيأتي إلى موسى ويخبره أنه هو القاتل. يخاف من ذلك، يخاف من ذلك، فكان يمشي وهو خائف. وهذا من الخوف الطبيعي، يعلمون أن الخوف أنواع، ومن أنواع الخوف الخوف من العدو أو الخوف من كذلك الحي أو الأسد أو الحيوان المفترس أو نحو ذلك، هذا كله من الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان. نعم، فأصبح خائفاً يترقب، أي يتوقع ويتلفت، يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر. فبينما هو كذلك، ﴿إِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾، رأى نفس المشهد الذي رآه من قبل، رأى هذا الإسرائيلي الذي نصره اليوم الماضي يقتتل مع آخر، يقتتل مع آخر من الأقباط. فاستنصره ذلك الإسرائيلي، طلب منه أن ينصره على هذا القبطي. فقال موسى لهذا الإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، إنك لغوي، أنت صاحب غواية واضحة بينة. قد ناديتني بالأمس حتى وكزت ذلك القبطي فمات، وها أنت اليوم تدعوني لأعمل أو لأقوم أو لأفعل ما فعلت بالأمس. فقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي كثير الشر. الغواية هو من يصدر منه الشر الكثير. فعزم موسى على البطش بذلك القبطي، عزم على ذلك. اعتقد الإسرائيلي صاحبه هذا لأنه خاف وضعف، لما قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ خاف هذا الإسرائيلي لخوائه وضعفه، وقال لموسى أو ظن أن موسى يقصده وأن موسى سيبطش به. فقال هذا الإسرائيلي: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ﴾. نعم، لأنه لا يعلمه إلا هو وموسى فقط، ما كان أحد شاهد. فالآن من عليم الثالث؟ القبطي الذي يتقاتل معه، القبطي الذي يتقاتل معه هذا الإسرائيلي. فلما سمعها هذا القبطي من ذلك الإسرائيلي، ذهب إلى باب فأخبر فرعون بذلك، وأن الذي قتل القبطي هو موسى. فاشتد حنَق فرعون على موسى وعزم على قتل موسى. نعم، فبدأوا يطلبونه ويبحثوا عن موسى عليه السلام. فجاء رجل من أقصى المدينة، يعني من طرف المدينة، لما سمع أن فرعون وجنده يريدون البطش بموسى، جاء هذا الرجل من أقصى المدينة يسعى حتى جاء إلى موسى. "يسعى" يعني يمشي بسرعة بسعي حتى يسبق إلى موسى، فلا يصل إليه العدو، حتى يهرب موسى عليه السلام. فجاء يسعى فوجد موسى، فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. "الملأ" أي القوم، "يأتمرون بك" أي يتشاورون فيك ليقتلوك. ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أخرج من هذه المدينة، ما دمت في مدينتهم سيلاحقونك، فما تسلم منهم إلا إذا خرجت من المدينة. فخرج موسى عليه السلام وهو خائف يترقب، خائف، وهذا من الخوف الطبيعي كما سبق، ويترقب أي يتلفت ويتوقع أحد يصل إليه من العدو. فخرج، فتعلق قلبه بالله عز وجل، فدعى ربه أن ينجيه وأن يسلمه من العدو، فدعى بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي من فرعون وملئه. فمشى، مشى حتى أتى إلى بلد أخرى، حتى أتى إلى بلد أخرى تسمى هذه البلد "مدين"، كما قال الله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وهذا أيضاً من الدعاء، دعا بأن ينجيه الله من عدوه، ودعا بأن يهديه الله عز وجل الطريق السوي، الطريق السوي وهو طريق الحق، طريق الحق. فدعى بهذا الدعاء: أي يا رب اهدني إلى الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هادياً مهدياً، ويسر له أموره، ونجاه، ونجاه من عدوه. ولله الحمد والمنة. وللحديث بقية إن شاء الله نأخذه في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.