الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أتم موسى الأجل المتفق عليه مع صهره في مدين، ثم سار بأهله قاصداً مصر، فآنس ناراً بجانب الطور، ولما اقترب منها نودِي من الوادي المقدس بأنه الله رب العالمين. كانت هذه اللحظة بداية تكليفه النبوي.
كلَّم الله موسى وأمره بإلقاء عصاه فتحولت حية، فخاف موسى وفرّ، ثم طمأنه الله وأمره بإدخال يده في جيبه فخرجت بيضاء بلا برص. هاتان الآيتان كانتا برهانين يؤيد بهما موسى عند دعوة فرعون وقومه.
اعترف موسى بذنبه بقتل رجل من بني إسرائيل وخاف الانتقام، فطلب من الله أن يجعل أخاه هارون نبياً ووزيراً له لتقوية جانبه. استجاب الله وأرسلهما معاً إلى فرعون بالحجة والسلطان، لكن فرعون كفر وتوعد، وزعم الألوهية، وتحدى موسى بالسحر مدعياً التفوق عليه.
قبل موسى عليه السلام تحدي السحرة مدعوماً بآيتين عظيمتين هما العصا واليد، وجمع قومه والسحرة للمواجهة، وبدأت المناظرة التي ستستكمل أحداثها في الدرس القادم.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في قصة نبي الله موسى لما خرج من مصر خائفاً يترقب، ودعا الله عز وجل أن يهديه سواء السبيل، فورد مدين، ووقع له ما وقع من لطف الله عز وجل وعنايته به واستجابته لدعائه، فسقى للمرأتين، وتزوج إحداهما بعد أن دعاه أبو المرأتين على أن يزوجه بإحداهما مقابل أن يستأجره ثماني حجج، فإن أتم عشراً فذلك من عنده. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾. تقدم معنا أن موسى أتم أكمل الأجلين وهو العشر سنوات، فأكملها. فبعد ذلك أعطاه ذلكم الرجل ما يسر الله له من تلك الأغنام، فذهب بأهله، أي أخذ زوجته، واشتاق إلى أهله بمصر، فعزم على أن يذهب إلى مصر. فبينما هو في طريقه، وقد ذكر المفسرون أنه خرج في برد شديد وفي ليلة مطيرة ومظلمة، فنزل منزلاً، فجعل كلما أراد أن يوقذ ناراً لا توقد له لرطوبة الحطب ونحو ذلك، وقيل أنه أضل الطريق. وهذا كله ليست عليه أدلة من كتاب وسنة، فيكفينا ظاهر القرآن. هذه قاعدة جليلة تعلمناها من مشايخنا: أن في تفسير القرآن لا يلتفت إلى التفاصيل التي لا دليل عليها، فيغنينا ظاهر القرآن. فأخبرنا الله عز وجل أن موسى خرج بأهله وسار بأهله، كي يستقل لأنه قد أنهى السنوات التي هو أجير فيها، أجير لغيره. فآنس من جانب الطور ناراً، آنس أي رأى ناراً تضيء، رأى ناراً تضيء وتلتهب، فتعجب من ذلك. فبينما هو ذاهب إليها، بعد ما قال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾، أي انتظروا في مكانكم حتى أذهب إلى هذه النار، لعل آتيكم منها بخبر. ومراد بخبر مثلاً: هل أحد هناك عند النار، أو هي نار وحدها، أو نحو ذلك، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾، أي آتيكم بقطعة من هذه النار. ذكر بعض المفسرين أنه لم يستطع إشعال النار، من هذه الآية: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ أي قطعة، لأنه لم يستطع أن يوقد النار لوجود المطر. ثم قال: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي تتدفئون بها من البرد. ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أي تتدفؤون من الدفء، لأن الجو بارد، فالنار عساك أنها تعين على التدفئة. فلما أتاها، جاء إلى هذه النار، فإذا به يُنادى، ﴿نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ﴾، أي من شاطئ، أي من جانب الشاطئ، المراد به الجانب، جانب الوادي الذي يسمى الطور، الذي ذكر في القرآن، ذكر بالوادي المقدس، وذكر بالطور، ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾، وغيرها من الآيات. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾، أي جانب، أي ناحية الغرب، ناحية الغرب من هذا الجبل. نعم، فنودي من شاطئ هذا الوادي الأيمن، ﴿مِن تِلْكَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾، ﴿أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي الذي يحدثك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء. فالله عز وجل من صفاته الكلام، وما استدل به أهل السنة على صفة الكلام هذه الآية وغيرها من الآيات، أن الله عز وجل يكلم من شاء من خلقه متى شاء، سبحانه وتعالى. فقال له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قال له: ﴿أَن أَلْقِ عَصَاكَ﴾، أي التي في يدك، كان معه عصا كما جاء في سورة طه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. فهذه العصا أمره الله عز وجل أن يرمي بها وأن يلقيها، فألقاها، ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، قلبت هذه العصا إلى حية عظيمة تمشي وتسعى في الأرض. فعرف موسى عليه السلام أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الله سبحانه وتعالى. فموسى، فموسى من طبيعة البشر، وهو من البشر أنهم يخافون من الحيات وتلك الحيوانات الشريرة. فلما رآها تهتز وتمشي، كأنها هذا النوع من أنواع الحيات وهو الجان، حيات كبيرة عظيمة، ﴿أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾، يعني خاف، ﴿وَوَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، يعني ولى هارباً ولم يعقب، أي لم يلتفت، لم يلتفت خوفاً من هذه الحية. فنداه الله عز وجل: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، الذي قلبها حية هو الله، والذي أمنك هو الله. فلما سمع ذلك التأمين من الله عز وجل اطمأن موسى عليه السلام. فقال له الله عز وجل: ﴿وَاسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾، هذه آية أخرى، يعني أدخل يدك في جيبك، أي في درعك، يعني في الأكمام والأدرع، ﴿تُخْرِجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، أي من غير برص، ما هناك عنده مرض البرص الذي يأخذ جلد الإنسان فيتغير لون بشرته يكون أبيض شديد البياض، فهذه تخرج بيضاء من غير مرض، من غير برص. هذه آية أخرى. نعم، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، أي من الفزع، فأمره الله عز وجل كذلك أن يضم يديه حتى يذهب ما به من خوف، لأنه خاف من تلك الحية خوفاً شديداً، خوفاً شديداً. والحافظ ابن حجر ذكر شيئاً عجيباً تحت هذه الآية، وهو أن من فعل ذلك وكان خائفاً، لعل هذا يعينه في التخفيف من ذلك الخوف على سبيل الاقتداء بموسى، فيضم جناحيه من الرهب، يعني طرفاً ويداه أو طرفيه ويديه، فيذهب ما به أو يخف ما به من خوف. ذكر هذا في تفسيره، وقال: وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء، فوضع يده على فؤاده، يعني ضم يده على فؤاده، على قلبه، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. هكذا قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله. فقال له: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾، يعني إلقاء العصا وجعلها حية، وكذلك إدخال اليدين وإخراجهما بيضاء، هتان آيتان، آيتان ومعجزتان، ستؤيد بهما عند دعوتك لفرعون وقومه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، أي خارجين عن طاعة الله. فأخذ موسى عصاه، أنها بعد ذلك رجعت إلى ما كانت عليه، أي عصا، ورجعت يداه على ما كانت عليه سليمة. فموسى له ذنب عند بني إسرائيل، كما تقدم أنه قتل منهم رجلاً، فإذا ذهب إليهم لا شك أنهم ينتقمون منه بسبب ما صدر منه. فقال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، كيف أذهب إلى فرعون وأدعوه وأنا قتلت منهم نفساً، فأخاف أن يقتلون، سيقتلوني بذاك الرجل. وطلب أيضاً طلباً آخر، وهو أن الله عز وجل يجعل معه أخاه هارون نبياً ورسولاً، وقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ﴿أَفْصَحُ﴾ من أسماء التفضيل، يعني أكثر مني فصاحة، وليس معنى ذلك أن موسى ما عنده فصاحة، وما يذكره بعض المفسرين أن موسى عنده لكنة في لسانه بسبب جمرة أخذها ونحو ذلك، هذا الله أعلم بذلك، لأن ظاهر القرآن... فطلب من ربه أن يرسل معه أخاه هارون يكون مناصراً، وكذلك عضداً له، وقال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾، ومعنى ردء: يعني عضداً، كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي سنقوي أمرك ونعز جانبك بأخيك. فأرسل الله عز وجل هارون رسولاً مع أخيه موسى عليه السلام. قال العلماء: أكبر أنفع نفع به أخ أخاه، ما نفع به موسى أخاه، إذ بسببه جعل ماذا رسولاً؟ بسبب موسى عليه السلام جعل هارون رسولاً بإذن الله سبحانه وتعالى. فاجعله رسولاً مع أخيه، وأرسلهما إلى فرعون: ﴿وَنَجْعَلْ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي حجة قاهرة، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما أو قتلكما أو نحو ذلك، فالله عز وجل حافظ لكما، كما قال الله عز وجل في نبيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، الله عز وجل هو الذي يحفظ أولياءه، ومن أولياء الله عز وجل رسول الله، رسول الله، نعم. فذهب موسى عليه السلام وأخوه هارون إلى فرعون، وجاء إلى فرعون يبين له أنه رسول من الله عز وجل إليه. فهنا قامت قيامة فرعون، وبدأ يعاند ويكابر، وبدأ فرعون يتوعد، ساعة بالقتل، وساعة بالإخراج، وساعة بغير ذلك، وموسى يدعو بني إسرائيل إلى توحيد الله عز وجل وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى. فوقع ما وقع من بيان دعوة الله عز وجل من قبل موسى لفرعون، وبيّن له من هذا الإله الذي أنا أدعو إليه، وأنه ربك ورب جميع الخلق، وأن غير الله عز وجل فهو باطل، بيّن له بالحجة والدلائل الشرعية. ثم عارض موسى، وخاطب الناس بأن هذا ساحر، جاء هذا الساحر من أجل أن يأخذكم، وأن يخرجكم من هذه الأرض، وأن يستحوذ عليكم، وأن أنا الإله الحق، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرِي﴾، ونحو ذلك مما تلفظ به فرعون من تلك العبارات الكفرية، من تلك العبارات الكفرية. ومن حكمة الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى يجعل كرامات الرسل من جنس ما يحسن أتباعهم، أتباعهم من جنس ما يحسن أتباعهم، فكان في قوم فرعون منتشر السحر، منتشر السحر، فالله عز وجل أيد نبيه بآيتين، يظن وقوم موسى أنه لا أحد يغلبهم على ما هم عليه من السحر، فتحدوا موسى، وقالوا: نحن أقدر وأجدر على السحر، وأننا سنغلبك، أنت ساحر ونحن مثلك، فنحن سحرنا أقوى. فدعوا موسى إلى التحدي بالسحر في زعمهم، فوافق موسى، لأن الله عز وجل أيده بآيتين عظيمتين، بآيتين عظيمتين، وهي العصا واليدين، وهو اليدان. فجمع موسى قومه، وجمع السحرة، وتحدوا موسى، وتمت المناظرة بين بني إسرائيل، أي من السحرة، وبين موسى عليه السلام، ووقعت حوادث عظيمة، لعلنا نتناول تلك الأحداث في الدرس القادم. وانتهى الوقت، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر