عليكم بالسكينة

الخطبة بعنوان عليكم بالسكينة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 جمادى الآخر 1444هـ الموافق 13 يناير 2023م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السكينة في القرآن والسنة: نزولها ومواقف الصحابة

يتناول المقطع مفهوم السكينة الإلهية التي ينزلها الله على قلوب المؤمنين عند الشدائد، مستشهداً بآيات من سورة الفتح وسورة التوبة وسنة النبي في غزوة الأحزاب. وتؤكد الآيات أن السكينة تثبت القلوب وتزيد الإيمان مع الإيمان.

أسباب حلول السكينة وثمارها في طمأنينة القلب

يبيّن المقطع أهمية السكينة في طمأنينة القلب واستقامة الجوارح، مستشهداً بآيات غزوة الخندق وكلام ابن القيم. ويذكر ثلاثة أسباب لنيل السكينة: الإيمان بالقضاء والقدر، ومجالس العلم وقراءة القرآن، والإكثار من ذكر الله.

تحقيق السكينة بذكر الله وحفظ السكينة العامة

يؤكد المقطع أن طمأنينة القلوب تكون بذكر الله وقراءة آيات السكينة كما فعل ابن تيمية، مع وجوب حفظ السكينة العامة بعدم تخويف الناس بالأصوات المزعجة. ويستدل بهدي النبي ﷺ في الأمر بالسكينة وطمأنة الفزعين داعياً للتوكل على الله.

الختام بالدعاء والتسبيح للفرج والسكينة

يختتم المتحدث بدعاء شامل يطلب فيه الفرج للمهمومين وقضاء الديون وسكينة القلوب. ثم يصلي على النبي محمد ويختتم بالتكبير والشهادة.

  • 21 جمادى الآخرة 1444هـ - 13/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أعظم المنن الربانية والعطايا الإلهية أن يجعل الله سبحانه وتعالى السكينة في قلب عبده المؤمن عند المخاوف والمزعجات، لا سيما في شدة الفتن والمصائب والمدلهمات. وإن المتأمل عباد الله في آيات السكينة في القرآن والسنة يجد أن تلك الآيات نزلت في حال الشدائد والمصائب والمحن. ففي سورة الفتح، وما جرى للصحابة رضي الله تعالى عنهم من تلك الغضاضة والشدة من شروط صلح الحديبية التي ظاهرها ما ظنوا، وجعل الله فيها خيرًا عظيمًا، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقال في موضع آخر من هذه السورة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال في موضع ثالث من هذه السورة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. وكذلك عباد الله، وردت من آيات السكينة في سورة التوبة في غزوة حنين، تلك الغزوة التي لاقى فيها الصحابة شدة ومخاوفة، حتى ولّى بعض الصحابة في أول الأمر، ثم ربط الله على قلوبهم وأنزل عليهم السكينة ونصرهم بنصره سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنزل الله عز وجل عليهم سكينته وثبتهم وربط على قلوبهم. وهكذا جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرتجز يوم الأحزاب برجز عبد الله بن رواحة، فيقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأعداء قد بغوا علينا، إن أرادوا فتنة أبينا». الشاهد منها: «فأنزلن سكينة علينا». وغزوة الأحزاب، عباد الله، لقي فيها الصحابة شدة عظيمة من تمالؤ واجتماع فلول الشرك والكفر والنفاق عليهم في زمن، ومع هذا ثبت الصحابة وأنزل الله عز وجل عليهم سكينة. ولا أعظم من وصف القرآن في هذه الغزوة إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. ومع هذه الأحوال، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو ربه أن ينزل عليهم السكينة، لأن السكينة من أعظم أسباب الثبات، ومن أعظم أسباب طمأنينة القلب وقوة الجأش. أيها المسلمون، عباد الله، إذا علم هذا، فاعلموا أن السكينة مطلب عظيم ينبغي للمسلم أن يتحلى به وأن يسعى له. ولذلك فإن في حلول السكينة في القلوب آثارًا جليلة ومنافع عظيمة. يقول ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين: «إذا نزلت السكينة في القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح وخشعت، وكذلك اكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحال بينها وبين قول الخنا والفحش واللغو والهجر وكل قول باطل». فبحلول السكينة في القلوب، عباد الله، تصلح أحوالنا، وتطمئن قلوبنا، وتستقيم جوارحنا، وتعتدل ألسنتنا، ونبتعد عن كل منكر وفاحشة. أيها المسلمون، عباد الله، كذلك ينبغي للمسلم أن يتخذ كل سبب من أسباب حلول السكينة في القلوب. فمن أعظم تلك الأسباب، عباد الله، الإيمان بقضاء الله وقدره، والرضا بما يقدر الله عز وجل عليك من مصائب وألم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. ومن هداية القلوب حلول السكينة فيها والطمأنينة والرضا بما قضى الله عز وجل وقدر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية: «هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فيهدى الله قلبه». وهكذا من أسباب حلول السكينة في القلوب: مجالس العلم والذكر. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فمجالس الذكر، عباد الله، مجالس تنزل السكينة والرحمات والبركات من رب الأرض والسماوات. فأقبلوا عباد الله على مجالس الذكر، على مجالس القرآن، على الدروس العلمية، على المحاضرات العامة الأسبوعية ونحو ذلك، فإن فيها شفاء للقلوب وحلولًا للسكينة والطمأنينة. فيها أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وإن من أسباب حلول السكينة في القلوب الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «إن القلب إذا قلق واضطرب فليس له ما يطمئنه سوى ذكر الله عز وجل». احذر يا عبد الله أن تظن أن اضطراب القلب وانزعاجه وهمومه وغمومه تزال بالمعاصي والمنكرات، تزال بالغناء وجلسات القاتل. لا والله، إن اضطراب القلوب، وإن انزعاج القلوب، وإن خوف القلوب، وإن هموم وكذلك غم القلوب، إنما تزال بذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا جاء في مدارج السالكين عن ابن القيم عليه رحمة الله أنه قال: «كان شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة التي ابتدأنا بها خطبتنا». ثم قال رحمه الله: «ولقد سمعته يقول في واقعة جرت له في مرضه، من محاربة أرواح شيطانية، إذ ذاك في حال ضعف قوته». ثم قال شيخ الإسلام: «فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي وبعض من حولي: اقرؤوا علي آيات السكينة». فقرؤوها عليه، قال شيخ الإسلام: «فأذهب ما بي من تلك الحال، وجلست وليس بي قلبة، أي ليس بي تغير ولا تخوف ولا شيء، اطمأن قلبي، وذهب كيد الشياطين بقراءة تلك الآيات العظيمة، آيات السكينة». ثم علق شيخ الإسلام وقال: «وأنا جربت ذلك، فإنني إذا اضطرب القلب لما يرد عليه أقرأ آيات السكينة فأرى فيها تأثيرًا عظيمًا لسكون القلب وطمأنينته، لسكون القلب وطمأنينته». بهذا يا عباد الله تسكن القلوب وتطمئن النفوس. وهكذا عباد الله، يدخل في ذلك المحافظة على السكينة العامة. وإن من أسباب السكينة عدم تخويف الناس، وعدم إدخال الحزن والرعب إلى قلوبهم بتلك الأخبار المزعجة، وبتلك الظنون السيئة، وهكذا بالأصوات المزعجة، أصوات الدراجات فيما يفعله بعض الشباب، هداهم الله وإيانا، من تعمد خروج الأصوات المزعجة من عوادم دراجاتهم، وهكذا أصحاب الأعراس من ضرب الرصاص أو المفرقعات المزعجة ونحو ذلك. فكل هذا مما نهى عنه الشرع، فلا يجوز ترويع المسلم، بل الواجب على المسلم أن يسعى في إزاحة وإزالة كل ما يكون سببًا في إقلاق الناس وتخويفهم. جاء عند الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل، فأشار بصوته عليه الصلاة والسلام وقال: «أيها الناس، عليكم بالسكينة، أيها الناس، عليكم بالسكينة». انظروا، إنما هي أصوات، إنما هي ارتفاع أصوات، ليست بضرب مفرقعات ولا أصوات دراجات، إنما هي ارتفاع أصوات بعض الناس، فخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم السكينة: «أيها الناس، عليكم بالسكينة». وهكذا جاء عند الإمام البخاري من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أو من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس». قال: «ففزع الناس ذات ليلة في المدينة، فانطلقوا قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول لهم: لن تراعوا، لن تراعوا». أي: الروع هو الخوف، أي: لا تخافوا، لا تخافوا. طمأنهم لأنهم خافوا من صوت شديد ارتجت منه المدينة، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبر ذلك الصوت. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم عونًا لمجتمعه في حلول السكينة العامة والطمأنينة. وفي كذلك تذكير الناس بالتوكل على الله، وبحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وأن الأمر لله من قبل ومن بعد، وأن الأمر أمره، والملك ملكه، والتدبير تدبيره، وكل شيء بأمره، وكل شيء بقادره. ألا فلنسعَ لحلول السكينة في قلوبنا وفي قلوب أبناء مجتمعاتنا. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين. اللهم أملأ قلوبنا سكينة وطمأنينة يا رب العالمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.