الوصايا الحسان لمن أدرك رمضان

الخطبة بعنوان الوصايا الحسان لمن أدرك رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 شعبان 1444هـ الموافق 17 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التوبة وتطهير القلب استعدادًا لرمضان

تؤكد الخطبة على ضرورة التوبة النصوح وتطهير القلوب من الذنوب قبل رمضان لأن المعاصي تترك رينًا على القلب يحول دون لذة الطاعة. وتوضح أن الذنوب تكبل العبد عن الصيام والقيام وتحرمه حلاوة العبادة، داعية إلى تعظيم شهر رمضان والاستعداد له بالتوبة والإقبال على الطاعات.

بشارات رمضان ووصايا الاستعداد له

يذكر الخطيب بشارة النبي ﷺ بقدوم رمضان وفتح أبواب الجنة، ويحث على الدعاء بثلاث: بلوغ رمضان، المعونة على الطاعة، وقبول العمل. كما يوصي بالتهيئة القلبية والعملية قبل الشهر وقضاء الحوائج الدنيوية لتفريغ الوقت للعبادة، محذراً من إضاعة أوقات رمضان.

دعاء التوبة والصلاة على النبي

يحتوي المقطع على دعاء يطلب فيه العبد من الله توبة نصوحاً ومغفرة ورحمة. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ما هي إلا بضعة أيام وسيهل علينا ضيف كريم، وموسمٌ للطاعات والأعمال الصالحات عظيم، إنه شهر رمضان، شهر الصيام والقيام والقرآن، شهر البر والإحسان. وإني بهذه المناسبة أنصح نفسي وإياكم في هذه الخطبة المباركة بعدة وصايا قبل حلول هذا الشهر المبارك. فمن أول هذه الوصايا أن نعلم، عباد الله، أن لذة وحلاوة الطاعات والقربات لا ينالها إلا من طهر قلبه وزكى نفسه من الذنوب والآثام، فإن التخلية قبل التحلية. لأن المعاصي، عباد الله، من أعظم أسباب حرمان العبادة والخذلان عن الطاعة، وذلك بسبب تكون ذلك الران على القلب بسبب هذه المعاصي والذنوب، فيحول هذا الران بين العبد وبين الانتفاع بالطاعات والقربات ومواسم الخيرات. فينبغي علينا، معاشر المسلمين، من هذه الأيام أن نهيئ أنفسنا التهيئة الإيمانية، أن نستقبل هذا الشهر وقد طهرت قلوبنا وزكت نفوسنا حتى نتلذذ بطاعة ربنا. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وأخرج الإمام الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكِت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سُقِلَ قلبه، وإن عاد زِيدَ فيها، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». فمن كان أمام قلبه هذا الران، فأنى له، عباد الله، أن يتمتع بطاعة الله عز وجل؟ فإذا المؤمن لا يسلم من الذنب والخطأ، والله عز وجل يحب من عباده أن يتوبوا إليه ويفرح بذلك سبحانه وتعالى. فالواجب علينا، معاشر المسلمين، ونحن في شوق ولهف لقدوم ذلكم الضيف الكريم، أن نجتهد في التوبة النصوح، أن نجتهد، عباد الله، في التخلص من جميع الذنوب والخطايا والسيئات، وأن نحذر أن يدخل علينا هذا الشهر ونحن منغمسون في الذنوب والمعاصي والآثام، فتنكس قلوبنا وتقسو وتهلك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث حذيفة -نعم، في حديث حذيفة- قال عليه الصلاة والسلام: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا»، أي: تعرض المعاصي والذنوب على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، أي: تكون كثيرة ومتتابعة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فَأَيُّمَا قَلْبٍ أَشْرَبَهَا نُكِتَ فِيهِ نَكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّمَا قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نَكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى قَلْبٍ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَا لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدَ مُرَبَّادًا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». فهذا القلب الذي قد أظلم بالمعاصي والذنوب، فأنى له أن يقوم بين يدي الله، وأنى له أن يشعر بلذة وحلاوة طاعة الله سبحانه وتعالى؟ فكما تقدم، فإن المعاصي والآثام من أعظم أسباب حرمان العبادة والخذلان عن الطاعة. قيل لعبد الله بن مسعود: لا نستطيع أن نقوم الليل، فقال: «أقعدتكم ذنوبكم». وهكذا يقول الفضيل بن عياد رحمه الله تعالى: «إذا لم تقدر على صيام النهار وعلى قيام الليل فاعلم أنك محروم، قد كبلتك خطاياك». ويقول الحسن البصري، وقد سأله شاب بأنه لا يستطيع قيام الليل، فقال له: «أقعدتك خطاياك». وهكذا يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل خمسة أشهر». انظروا يا عباد الله إلى آثار الذنوب والمعاصي على القلوب. لا تظن يا عبد الله أن من عقوبات المعاصي العقوبات الحسية الظاهرة فحسب، يعني فقد العبد لماله أو لولده أو لشيء من ممتلكاته، وإنما أعظم الحرمان أن يحرم العبد من طاعة الله، من الأنس بالله عز وجل، من لذة العبادة والطاعة. أيها المسلمون، عباد الله، لعل كثيرًا منا يسأل: لماذا نعمل الطاعات ونعمل القربات ولا نشعر بآثارها على نفوسنا ولا على قلوبنا؟ نقرأ القرآن، هذا القرآن الذي هو مؤثر على من قرأه ومن استمعه، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فلماذا نقرؤه ولا يحرك لنا ساكنًا؟ ما هو السبب؟ يقول عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «لو طهرت قلوبكم لما شبعتم من كلام الله عز وجل». وهذا هو السر فيما نقرأ عن سلفنا الصالح، أن أحدهم لربما قرأ ثلث القرآن أو ربع القرآن في يوم واحد، فمنهم من يختم القرآن في ثلاث، ومنهم من يختمه في سبع، ومنهم من يختمه في عشر، ومنهم من يختمه بين ذلك. أما نحن، عباد الله، إذا قرأنا شيئًا من القرآن ثقل علينا الملل والسآمة ولم نستطع المواصلة. لماذا يا عباد الله؟ إنها الذنوب والمعاصي، عباد الله. فطهروا قلوبكم وابتعدوا عن كل ما يعكر عليكم صفو هذا الشهر المبارك. وخير هذا الشهر المبارك، أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يغفر لنا، إنه هو الغفور الرحيم. *** الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، ومما يوصى به في هذه الأيام وقبل قدوم شهر رمضان أن نستشعر، عباد الله، عظمة هذا الشهر وقدسيته وجلالته ومكانته في دين الإسلام. فإن هذا الشهر، عباد الله، سيد الشهور، أودع الله عز وجل فيه من الفضائل الكثيرة ومن المناقب المشهورة. نعم شهر، يا عباد الله، تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين. شهر، يا عباد الله، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم. شهر، يا عباد الله، يعتق الله عز وجل فيه ما شاء من رقاب عباده. شهر مبارك فيه من الخيرات، وفيه من البركات، وفيه من النفحات. ألا نعظم ما عظم الله؟ فإن ذلك من التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ألا نعظم هذا الشهر، يا عباد الله، الذي فيه تتضاعف الحسنات، الذي فيه تتيسر سبل الأعمال الصالحات وتغلق أبواب الشرور والسيئات؟ فينبغي علينا، معاشر المسلمين، أن نعظم هذا الشهر، وأن نعطيه حقه من المكانة والعظمة والقداسة. إنه يا عباد الله ليس من تعظيم هذا الشهر أن يدخل علينا ونحن لا زلنا في لعبنا ولهونا، نعم، يدخل علينا هذا الشهر ونحن في غفلة، ونحن في إعراض عن الطاعات وعن القربات وعن المكوث في بيوت الله سبحانه وتعالى. هذا الشهر ينادي فيه منادٍ عند أول ليلة منه: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». ألا نقبل على طاعة الله؟ ألا نقصر عن معصية الله في هذا الشهر العظيم؟ فإن لم نجتهد، وإن لم نقبل على طاعة الله في هذا الشهر وفي هذا الموسم العظيم، فمتى نقبل على الله عز وجل؟ فينبغي علينا، معاشر المسلمين، أن نعرف مكانة هذا الشهر، وأن نعرف منزلة هذا الشهر، فلا يمر علينا كغيره من الشهور. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه، ولا تكون البشارة إلا في أمر عظيم، أمر مفرح، أمر يسر قلوب المؤمنين. فكان يقول عليه الصلاة والسلام، كما عند الإمام أحمد، عند قدوم شهر رمضان: «جاءكم شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، فهو المحروم، فهو المحروم». من يدخل عليه هذا الشهر وهو لا يزال ليله لعب وسهر في الباطل، ونهاره نوم وكسل، يا ما أعظم حرمانه! ما أعظم حرمانه! «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان وخرج فلم يغفر له»، أي: لم يتعرض لأسباب مغفرة الله عز وجل في هذا الشهر المبارك. وهكذا، عباد الله، من الوصايا التي يوصى بها قبل دخول هذا الشهر المبارك، أن يتضرع المسلم إلى الله عز وجل في هذه الأيام، وأن يدعو بثلاث دعوات: أن يبلغه الله هذا الشهر، وليس يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل يدعو الله عز وجل أن يعينه على الأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك، ثم يدعو الله عز وجل أن يتقبل منه الأعمال الصالحة التي وفقه الله إليها في هذا الشهر. وهذا معنى الأثر الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: كانوا يدعون بهذا الدعاء: «اللهم سلمنا إلى رمضان، وَسَلِّمْ لَنَا رَمَضَانَ مِنَّا مُتَقَبَّلًا». اللهم سلم لنا رمضان، أي: اللهم سلمنا إلى رمضان، أي: بلغنا الوصول إلى رمضان كي نصوم وكي نقوم وكي نجتهد في طاعة الله عز وجل، ثم بعد ذلك سلم لنا رمضان بأن نعان فيه على طاعة الله وعلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ثم تقبل منا ما عملنا في ذلكم الشهر من الأعمال الصالحة. فأكثروا، يا عباد الله، من هذا الدعاء، فإنه دعاء عظيم. فإن العبد، يا عباد الله، ما يدري هل يبلغه الله عز وجل هذا الشهر، أم أن أجله يأتيه قبل حلول هذا الشهر؟ كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان، أثناهم الموت واستبقاك بعدهم حيًا؟ فما أقرب القاصي من الداني! الموت، يا عباد الله، أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. فإنه من أعظم نعم الله عز وجل عليك، أخي المسلم، أن يبلغك الله عز وجل إدراك هذا الشهر المبارك. فكم من مؤمل للوصول إليه، إن قضى أجله وانتهى أمله! أيها المسلمون، عباد الله، ومما يوصى به أيضًا قبل حلول هذا الشهر المبارك، أنه كما نهيئ أنفسنا التهيئة المعنوية الإيمانية قبل بلوغنا هذا الشهر، فكذلك، عباد الله، نهيئ أنفسنا التهيئة الحسية، وذلك بأن نقضي حوائجنا الدنيوية من هذه الأيام حتى لا نشغل عن الطاعة والعبادة في شهر رمضان. من أراد من المآكل أو من المشارب أو من الملابس أو نحو ذلك، فليخفف عن نفسه من هذه الأيام حتى يتفرغ في رمضان لطاعة الله عز وجل. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في العشر الأواخر، يفرغ نفسه، يتفرغ لعبادة الله، يخلو بربه في تلك العشر الفاضلة من شهر رمضان. ما ينبغي للمسلم أن يكتتن عنده تلك الليالي ليالي هينة كغيرها من الليالي الأخرى، فيضيع فيها وقته، ولو كان بالأمور المباحة. بل ينبغي عليه أن يحافظ على كل لحظة من لحظات تلك الليالي، بل ومن لحظات ذلكم الشهر المبارك. فهذه وصايا أحببت أولا أن أذكر بها نفسي الأمارة بالسوء، ثم أذكر بها إخوان المسلمين، لعل الله عز وجل أن ينفعنا بها، وأن يفتح بها آذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا. أسأل الله بمنه وكرمه أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا على صيامه وقيامه وعلى الأعمال الصالحة. اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، ونحن في خير وصحة وعافية. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم طهر قلوبنا من المعاصي والذنوب. اللهم طهر قلوبنا من الحسد، ومن الكبر، ومن الشحناء، ومن البغضاء. اللهم إنا نسألك توبة نصوحًا، اللهم إنا نسألك توبة نصوحًا، فاغفر لنا وارحمنا، إنك أنت التواب الرحيم. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.