الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض المقطع سلسلة رواة حديث البراء بن عازم رضي الله عنه الوارد في صحيح مسلم، وحلل حال كل راوٍ من حيث الثقة والضبط. وبين أن راوي الحديث عبيد بن البراء مجهول الحال رغم ورود الحديث في الصحيح.
أوضح المقطع حرص الصحابة على الصلاة عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ليقبل عليهم بوجهه عند التسليم، مستدلين بذلك على استحباب الصف الأيمن. كما بين أن دعاء "رب قني عذابك" ورد في حديث البراء بوصفه من أذكار النوم لا من أذكار ما بعد الصلاة.
بين المقطع أن رواية عبيد بن البراء للذكر بعد الفراغ من الصلاة رواية شاذة ومتفردة خالف فيها الطرق الصحيحة عن البراء المثبتة للذكر عند النوم. كما فسر قوله "يقبل علينا بوجهه" بأنه انصراف النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه موافقاً لحديث أنس.
سرد المقطع إسناد حديث رواه وكيع عن مسعر، مروي عن أبي كريب وزهير بن حرب، مع التنبيه إلى عدم ذكر عبارة "يقبل علينا بوجهه" في هذا السند. واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، وهو ثقة حافظ، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، وهو يحيى بن زكريا. قال فيه الذهبي الحافظ، وقال الحافظ ابن حجر: ثقة متقن. قال: عن مسعر، وهو ابن كدام، مسعر بن كدام أبو سلمة الهلالي، وهو أيضا من الثقات الحفاظ العباد. قال شعبة رحمه الله: كنا نسمي مسعرا المصحف لإتقانه، من شدة إتقانه لحفظه كان يلقب بالمصحف، حتى قال وكيع بن الجراح: شك مسعر كيقين رجل، إذا شك في الحديث فهو كيقين غيره، فكيف إذا كان متيقنا؟ فكان رحمه الله من الثقات الأثبات، وكان أيضا عابدا، وذكر في ترجمته أنه كان يقوم فيصلي الليل، ويقوم قياما طويلا حتى إنه لما مات قالت بنت من جيرانهم: يا أمي، أو يا أماها، أين السارية التي كنت أراها؟ قالت: ذاك مسعر، ذاك مسعر بن كدام قد مات، رحمه الله. قال: عن ثابت بن عبيد، وهو أبو عبد الله الأنصاري، وهو ثقة، عن ابن البراء. ابن البراء هو عبيد، عبيد بن البراء بن عازم، وعبيد له من الإخوة ثلاثة إخوة: الربيع بن البراء، ولوط بن البراء، ويزيد بن البراء، فكلهم أبناء البراء بن عازم. وعبيد هذا روى عنه اثنان، ولم يوثقه معتبر، قد ذكر المزي رحمه الله في تهذيب الكمال أنه لم يوثق إلا العجلي، والعجلي معروف بتساهله بالتوثيق، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو كذلك متساهل، وقال: روى عن أبيه ولم يضبطه. وهذه العبارة سنأتي إلى ذكر شيء يتعلق بهذا الحديث إن شاء الله. قال: ومن كان كذلك، يعني روى عنه اثنان ولم يوثقه معتبر، فما حكمه عند أهل الحديث؟ نعم، مجهول حال، يعتبر مجهول حال. قال: عن البراء بن عازم رضي الله تعالى عنهما، صحابي جليل، قال: إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه. قال: فسمعته يقول: «ربي قيني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك». في هذا الحديث يخبر البراء رضي الله عنه أنهم إذا صلوا خلف النبي عليه الصلاة والسلام أحب أن يكون عن يمينه، يعني عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في يمين الصف. لماذا؟ قال: يقبل علينا بوجهه، يعني إذا سلم أول ما يسلم إلى جهة اليمين، فيكون أول من يروا النبي عليه الصلاة والسلام، وأول من يقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. فاستدل بهذا أهل العلم على استحباب الصلاة في الصف الأيمن أو الجهة اليمنى، وكذلك أيضا استحباب هذا الذكر الذي ذكره: فسمعته يقول: «ربي قيني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك». بعض أهل العلم قال: المراد أنه يقوله بعد الفراغ من الصلاة، بعد الفراغ من الصلاة، فقوله: فسمعته يقول، يعني بعد فراغه من الصلاة: «ربي قيني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك». في هذا الدعاء السؤال الله جل وعلا أن يقيك العذاب، أن يقيك العذاب، وأن يجنبك جل وعلا عذابه، لأن العذاب بيد الله سبحانه وتعالى، وهو الذي جل وعلا يحاسب العباد يوم القيامة، فيعفو جل وعلا عن من يشاء، ويعاقب جل وعلا من شاء ممن استحق العذاب. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والله يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيك عذابه: رب قيني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك، يعني يوم القيامة، يوم البعث والنشور، يوم أن يحيي الله جل وعلا الموتى فيجمعهم جميعا ويحاسبهم جل وعلا على أعمالهم. والذي أردت أن أنبه عليه وهو أن هذا الحديث: «رب قيني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك»، المحفوظ بحديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله عند النوم، كان يقوله عند النوم، إذا أوى إلى فراشه أتى بهذا الذكر، أتى بهذا الذكر. لكن قوله بعد الفراغ من الصلاة، أو بعد الانتهاء من الصلاة، وعده من أذكار الصلاة، هذا الذي لم يروَ إلا من هذه الطريق، لم يروَ إلا من هذه الطريق، وهي من رواية عبيد بن البراء عن البراء، ولعل هذا مما اختلط على عبيد بن البراء، ولهذا قال ابن حبان كما ذكرنا سابقا: روى عن أبيه ولم يضبطه. فعبيد بن البراء ليس له إلا هذا الحديث، ليس له إلا هذا الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والإمام النسائي وابن ماجه ذكرا هذا الحديث إلى قوله: فيقبل علينا بوجهه فقط، وما ذكروا: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث وتجمع عبادك، وكأنهما علما أن هذا الذكر الصحيح أنه يقال عند النوم، على ما هو الثابت في حديث البراء، والطرق الكثيرة المروية في هذا الحديث عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عند نومه، ولم يقله بعد فراغه من صلاته. وهكذا أيضا أبو داود رحمه الله ساق الحديث، حديث البراء فيما يقال عند النوم، ذكر الحديث فيما يقال عند النوم، ولعل هذا من أوهام عبيد بن البراء، كما ذكر الشيخ البيهقي رحمه الله في السلسلة الصحيحة أن الطرق الصحيحة عن البراء أن هذا الذكر يقول: قاله النبي عليه الصلاة والسلام عند النوم، ولم يذكر في شيء من الطرق أن يقال بعد الصلاة إلا في هذه الطريق. قالوا: على هذا فتكون رواية عبيد هذه يعني شاذة على أقل الأحوال، وإذن الصحيح أن هذا الذكر يقال عند النوم، هذا الثابت في حديث البراء في طرقه الكثيرة. لكن الشاهد هنا قوله: أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، وقد أيضا يستدل به بقوله: يقبل علينا بوجهه، يعني إذا انصرف من الصلاة أنه إذا انصرف ينصرف إلى جهة اليمين، كما ذكر أنس في قول: أكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه، فقد يكون مراد البراء: يقبل علينا بوجهه، أنه ينصرف من صلاته من جهة اليمين فيقبل عليهم عند فراغه من الصلاة، فيكون معنى هذا الحديث تابع لحديث أنس الذي قبله. قال: وحدثنا أبو كريب وزهير بن حرب، قال: حدثنا وكيع عن مسعر بهذا الإسناد، ولم يذكر: يقبل علينا بوجهه. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.