الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المحور سيرة الإمام وكيع بن الجراح مبيناً قوة حفظه وإتقانه حتى شهد له الأئمة الكبار بأنه لم يُرَ مثله، كما يصف مكانته العلمية العالية حيث تتلمذ على يديه أئمة كبار. ويسلط الضوء على عبادته الشديدة من قيام الليل وقراءة القرآن، وتواضعه الجم عند المعاتبة حيث عفر وجهه بالتراب وطلب الزيادة في التوبيخ احتساباً للأجر.
يسلط المحور الضوء على تواضع العلماء كالإمام وكيع ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي، وكيف كانوا يربون أنفسهم على تقبل اللوم وعدم الانتصار للنفس. ويبين كيف يدافعون عن أقرانهم رغم ما في النفوس من غيرة بشرية، طلباً لمرضاة الله لا للدنيا.
يروي المحور قصة طالب يشتري الأحاديث بدراهم، ثم ينتقل إلى بيان الخلاف بين حديث ابن مسعود في الانصراف عن الشمال وحديث أنس في الانصراف عن اليمين. ويوضح العلماء أن كلا الفعلين جائز، وأن الانصراف يتبع حاجة المصلي، مع أفضلية اليمين عند التساوي لعموم التيمن في شؤون النبي صلى الله عليه وسلم.
يقرر المحور جواز انصراف المصلي والإمام إلى اليمين أو الشمال حسب الحاجة، ويُستحب اليمين إذا تساوى الأمران اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التيمن. ويؤكد أنه لا يُجعل ذلك واجباً دائماً بل يُترك للاختيار وفق ما تقتضيه المصلحة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو - ما اسمه، ما اسمه - أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم الحافظ، صاحب التصانيف. قال: حدثنا أبو معاوية، وهو - من أبو معاوية، من أبو معاوية - كثير ما كان يمر معنا هذا، من عندك أو من هذا؟ من الكتابة؟ محمد بن خازم الضرير، أبو معاوية الضرير. قال: هو وكيع، وهو ابن الجراح، وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، الرؤاسي، أبو سفيان، الحافظ الثقة العابد، كان رحمه الله قوي الحفظ، حتى قال ابن معين: ما رأيت مثل وكيع. وهكذا أيضا الإمام أحمد قال: ما رأيت، وما رأت عيني مثل وكيع. وقال: كان وكيع مطبوع الحفظ، مطبوع الحفظ، يعني كان حفظه من غير تكلف. قال: كان حافظا، حافظا. وقال إسحاق بن راهويه: كان وكيع مطبوع الحفظ، وحفظنا تكلف، وحفظنا تكلف. ولهذا يقول وكيع عن نفسه: ما رأيت في كتاب منذ خمس عشرة سنة، ما رأيت في كتاب منذ خمس عشرة سنة، يعني ما راجع الأحاديث وينظر فيها، يعتمد على حفظه. وقيل له مرة وقد حدث بأحاديث: لقد أخطأت في أربعة أحاديث، وقد حدثهم بألف وخمسمائة حديث، قال: وما عسى أن يكون أربعة عند ألف وخمسمائة؟ لا شيء، لا يعد ذلك شيئا. فكان رحمه الله حافظا متقنا. وكذلك أيضا كان ابن معين يجله إجلالا عظيما، وله من تلاميذه: من تلاميذ وكيع، يحيى بن معين، والإمام أحمد، وإسحاق، وابن المبارك، هؤلاء الأئمة الأجلاء من تلاميذ وكيع بن الجراح. فكان يحيى يقول: الثبت في العراق وكيع، الثبت في العراق وكيع. فكان حافظا ثبتا. وكذلك أيضا تأمل فيه ذلك وتفرس فيه سفيان الثوري، فسفيان الثوري هو من مشايخ وكيع، كان وكيع يحضر مجلس سفيان وهو صغير غلام، فإذا انتهى من المجلس يقول لوكيع: ها يا غلام، ماذا حفظت؟ فيقول: حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، ويأتي بحديث، فيعجب سفيان الثوري من حفظه. ونظر مرة إلى عينيه، أي إلى عيني وكيع، فقال: إن هذا الغلام لا يموت حتى يكون له شأن، حتى يكون له شأن. فما مات سفيان الثوري إلا وجلس وكيع محله، جلس وكيع محله، وصار عالم أهل زمانه، حتى قال فيه ابن معين: وكيع عالم أهل زمانه، كالأوزاعي في زمانه، كالأوزاعي في زمانه. وكان يقول: أي، يحيى بن معين: ما رأيت أحدا يحدث لله إلا وكيع، ما رأيت أحدا يحدث لله إلا وكيع. وكان عابدا، ذكر في ترجمة، كما ذكر الإمام البغدادي في التاريخ، أنه كان لا ينام في الليل حتى يقرأ ورده من القرآن، ثلث القرآن، حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، يعني من قاف إلى سورة الناس، ثم يجلس يستغفر إلى أن يطلع الفجر. وكان يجلس يحدث أهل الحديث بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ثم يقيل إلى قرب الظهر، ثم يستيقظ فيصل للظهر، ثم يذهب إلى بعض، يعني البوادي وكذا، ويعلمهم الفرائض، ثم يرجع إلى العصر فيصل للعصر، ثم يجلس يحدث إلى المغرب، وهكذا بعد ذلك إلى العشاء. عاتبه مرة رجل، أغلظ عليه في القول، أغلظ على وكيع في القول، وكان وكيع كما سمعتم إمام أهل زمانه، فدخل وكيع إلى بيته وعفر وجهه بالتراب، ثم رجع إليه وقال: زد، زد، وكيعا بذنبه، ولولاه لما سلط عليه. يقول: عد، زد، زد، من التوبيخ، هذا بسبب ذنوبي. انظر إلى خوفه من الله سبحانه وتعالى وعمله بالعلم. هؤلاء العلماء الذين أرادوا بعلمهم الآخرة، يعني ما عاتبه، لماذا؟ من أنت حتى توبخني؟ انظر، تكلم، ممن تعاتبه؟ من أحد؟ يعني أرجع هذا الذنب إلى نفسه، ووبخ نفسه، جعله درسا له، لأنه يريد ما عند الله، ما يريد الدنيا، ما يريد أن يمدح ولا أن يثنى عليه، ولا ولا شيء من أمور الدنيا، يريد ما عند الله، فجعل هذا سبب لتهذيب نفسه وتربية نفسه. قال: زد وكيعا بذنبه، ولولاه لما سلط عليه. لكن سبحان الله، تجد بعض من ينتسب إلى العلم، لو وبخ بشيء، أو عتبه أحد، أو حصل بينه وبين أحد شيء من الكلام، ربما أقام الدنيا ولم يقعدها، وتكلم وسب وشتم وطعن، وربما رمى غيره بالبدعة، ومزق الدعوة من أجل أن ينتصر لنفسه. هذا فعل من يريد ما عند الله سبحانه وتعالى أبدا. فهكذا كان رحمه الله. وكذلك أيضا كان ابن معين مرة عند رجل يقال له مروان بن معاوية، وكانت عنده ألواح، وفيها لمز ببعض الشيوخ: فلان كذا، فلان كذا، فلان رافضي، حتى رأى أنه كتب: وكيع رافضي. فقال له ابن معين: وكيع خير منك. قال: خير مني؟ قال: نعم، خير منك. قال: فسكت. ولو تكلم لوثب عليه أهل الحديث. فبلغ ذلك وكيع، فقال: يحيى صاحبنا، قال: يحيى صاحبنا. وكذلك أيضا كان وكيع وابن مهدي قرينان، كلاهما من تلاميذ الثوري، كلاهما من تلاميذ الثوري، ولهما من أوثق تلاميذ الثوري: وكيع وابن مهدي، ويحيى القطان. حتى أنهما مرة التقيا عند المسجد الحرام، وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، فجعل يتذاكران الحديث حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح، يعني من بعد العشاء إلى أن طلع الصبح، هما يتذاكران الحديث. وكان بينهما شيء، يعني ما يقع بين الأقران، ما يقع بين الأقران من الحسد وشيء من ذلك. فجاء رجل إلى عبد الرحمن بن مهدي، وانظر إلى أهل العلم كيف يصونون أنفسهم وعلمهم مما يعني يدنسه ويسوؤه، لأنهم يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى. وابن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي، هو إمام من أئمة الجرح والتعديل، إمام من أئمة الجرح والتعديل، فجعل يقع في وكيع، جعل يقع في وكيع: وكيع كذا، وكيع كذا. يعلم أن عبد الرحمن بن مهدي في نفسه شيء على وكيع. وانظر إلى أهل السوء والشر كيف أنهم يستغلون مثل هذه الأمور، إذا علم أن فلان في نفسه شيء على فلان يأتي ويريد أن يثير الفتن والقطيعة بين أهل العلم، فيتكلم عليه، يقول: فلان كذا، أو فلان كذا، لعله يخرج كلاما يتكلم به على العالم الآخر. فعبد الرحمن بن مهدي لما سمع هذا منه، وهو يقع في وكيع، قال: اسكت. قال: وكيع شيخنا وكبيرنا، ومنه أخذنا العلم. سبحان الله، شيخنا وكبيرنا، ومنه أخذنا العلم، مع أنه هو قرين، يعني له، أو في نفسه شيء، مع ذلك ما حمله هذا أن يطعن فيه، أو أن يتنقصه، أو يستغل هذا بشيء ينتصر به لنفسه، أبدا، بل دافع عنه، بل دافع عنه وانتصر له، رحمه الله. فهكذا هم أهل العلم الذين يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى، وإن وقع شيء في نفوسهم من أمور، يعني التي تقع بين البشر من الحسد ونحو ذلك، إلا أن ذلك لا يجعلهم يقعون في شيء يغضب الله سبحانه وتعالى، وينتصرون به لأنفسهم، وكذلك أيضا يقعون في أعراض غيرهم بالذنب والتنقص بغير حق. قال: ووكيع عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي الحافظ. لما جاء وكيع إلى الأعمش، قال له: ما اسمك؟ قال: وكيع. قال: اسم نبيل. من أين؟ قال: من الكوفة. قال: أي الكوفة؟ قال: من رؤاس. قال: أين أنت من مليح بن الجراح؟ قال: ذاك أبي. وكان أبوه، أبو وكيع، على بيت المال. قال: فاذهب إلى أبيك وآتني بعطائي، خمسة دراهم، حتى أحدثك بخمسة حديث. فذهب وكيع إلى أبيه وأخبره، فأعطاه أبوه درهمين أو ثلاث دراهم، قال: اجعله يحدثك بخمسة أحاديث، ثم تأتي وأعطيك البقية، فيحدثك بخمسة، فتتحصل على عشرة أحاديث بخمسة دراهم. ونسي أن الأعمش رجلا فطنا. فلما جاء إلى الأعمش وأعطاه الدرهمين أو ثلاث دراهم، قال: حدثني. سكت الأعمش، قال: حدثني. فحدثه بحديث، ثم سكت. قال: ألست وعدتني أن تحدثني بخمسة أحاديث؟ قال: أين الدراهم؟ ها، أين الدراهم؟ ثم قال: ما أرى إلا أن أباك الذي أمرك بهذا. قال: اذهب وآتِ بقية الدراهم حتى أحدثك. فرجع إلى أبيه فأعطاه بقية الدراهم، ثم حدثه بقية الخمسة. ثم جعل في كل شهر يأتيه بعطائه ويحدثه بخمسة أحاديث. قال: عن الأعمش، عن عمارة، وهو ابن عمير الكوفي، قال: عن الأسود، وهو ابن يزيد النخعي، قال: عن عبد الله، هو ابن مسعود الهذلي الكوفي، رضي الله تعالى عنه، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءا، لا يرى إلا أن حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير وعيسى بن يونس، وحدثناه علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى، جميعا عن الأعمش بهذا الإسناد مثله. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو وضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو عوانة من مشايخ البخاري، من مشايخ البخاري، وروى عنه الإمام مسلم بواسطة. قال: عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الكريم، صاحب السيرة، بعضهم ضعفه وبعضهم وثقه، والحافظ رحمه الله في التقريب توسط، فقال: صدوق يهم، وقد رمي بالتشيع، وله أحاديث مستقيمة، وهذه يعني اختارها التي مسلم منها. قال: سألت أنسا: كيف انصرف؟ كيف أنصرف إذا صليت، عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، من سفيان الثوري، قال: عن السدي، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن يمينه. في هذين الحديثين، حديث ابن مسعود رضي الله عنه، يخبر أنه أكثر ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينصرف عن شماله، يعني إذا فرغ من الصلاة فإنه يتوجه إلى الناس وينصرف عن جهة شماله ويساره، وأن أنس يقول: أكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه، عن جهة اليمين. فدل هذان الحديثان على أن كلا هذين الأمرين جائز، يجوز أن ينصرف المصلي أو الإمام من صلاة إلى جهة اليمين، ويجوز كذلك أن ينصرف إلى جهة الشمال، فكل الأمرين فعلهما النبي عليه الصلاة والسلام، وحدث كل واحد منهما بما رأى: ابن مسعود أكثر ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله، وأنس أكثر ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه، إذن فكلاهما قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وقول ابن مسعود: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءا، لا يرى إلا أن حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، يعني يرى أن هذا واجب، أنه لا ينصرف إلا عن يمينه، لا، لا يفعل هذا، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف عن شماله، وليس هو خير من النبي عليه الصلاة والسلام، فيريد ابن مسعود أن الإنسان لا يلزم نفسه بهذا، أن ينصرف إلى جهة اليمين، ويرى أن هذا حق واجب، وقد انصرف النبي عليه الصلاة والسلام إلى جهة الشمال، فيريد أن هذا جائز، أن هذا جائز. ولهذا كما قال الإمام النووي رحمه الله: أن الأمر في هذا قد يرجع إلى حاجة المصلي، حاجة المصلي والإمام، إذا كان له حاجة أن ينصرف في الجهة اليمين انصرف إلى جهة اليمين، وإن كان له حاجة أن ينصرف في الجهة الشمال انصرف إلى جهة الشمال، فإن تساوى الأمران ولم يكن له حاجة فاليمين أفضل، واليمين أفضل، لعموم حديث عائشة: كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله، وفي شأنه كله. إذن يجوز للمصلي، وهكذا الإمام، أن ينصرف إلى جهة اليمين أحيانا، وإلى جهة الشمال كذلك أحيانا، على حسب الحاجة، نعم، فإن تساوى الأمران فاليمين أفضل، لكن لا يجعل هذا على سبيل الدوام، كأنه أمر ملزم لا بد منه، وأنه لا يجوز خلافه، فكما ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. نعم، طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر