الدرس في شرح ألفية العراقي 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحديث المضطرب هو الذي يروى بأكثر من وجه مختلف، إما في المتن أو السند، مع تساوي الرواة في الثقة. يعتبر الحديث مضطربا إذا لم يمكن الترجيح بين الروايات المتعارضة.
توجد أحاديث نبوية مختلفة الروايات، مثل حديث 'شيبثني هود وأخواته' وحديث 'زينوا القرآن بأصواتكم'. بعض هذه الأحاديث قد يبدو مضطربا ولكن بعد التمحيص يتبين أن إحدى الروايات هي الصحيحة.
هناك فرق بين الراوي المضطرب، وهو الذي يروي بأكثر من وجه مختلف، والحديث المضطرب، وهو الذي يحصل فيه اختلاف في الروايات. يمكن أن يكون الحديث مضطربا إذا لم يكن هناك ترجيح لطريق معين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحافظ العراقي قال: المضطرب: "قال مضطرب الحديث ما قد ورد مختلفا من واحد فأزيد في متن أو في سند، إن اتضح فيه تساوي الخلف. أما إن رجح بعض الوجوه لم يكن مضطربا، والحكم للراجح منها وجب". كالخلف في حديث الخط للسترة، جم الخلف أو الاضطراب موجب للضعف. هذا المضطرب، وهو الحديث الذي تساوت طرقه ولا يستطاع الترجيح بينها. الحديث الذي تساوت طرقه في الاختلاف ولا يستطاع الترجيح بينها، فقال: "مضطرب الحديث ما قد ورد مختلفا من واحد فأزيد أنا أكثر من واحد، لكن حصل بينهم اختلاف في متن أو في سند". إن اتضح يعني يكون الاضطراب إما في الإسناد وإما في المتن. فإما في الإسناد مثلا يختلفون في رجل هل هو فلان أو فلان، منهم من يقول فلان ومنهم من يقول فلان. الاختلاف يكون في اسم الرجل، مثل حديث السترة هذا الذي ذكره، وحديث الخط اختلفوا في الراوي الذي روى هذا الحديث، فمنهم من قال أنه سعيد بن حريث، ومنهم من قال عمر بن حريث، ومنهم من قال عمر بن سعيد، ومنهم من قال أبو عمر بن سعيد، فاختلفوا فيه إلى عشرة أقوال. من حديث المشهورة المضطربة حديث القلتين، حديث القلتين، حديث عبدالله بن عمر، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في أرض الفلاة، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". فهذا الحديث حصل فيه اختلاف كثير في روايته، وأيضا اختلاف في اسم الراوي، فمنهم من قال الوليد بن كثير عن عبدالله بن عبيد الله، ومنهم من قال عبيد الله بن عبدالله، ومنهم من قال عبيد الله. والمهم أنه مختلف. لكن جاءت بعض الروايات رواها بعضها الكوفة عن حاصم وغيره، وليس فيها هذا الاضطراب. هذا الشيخ الألباني صححها بهذه الطريقة لأنها ليست فيها الاضطراب. فأما طريق الوليد بن كثير فاضطرب فيها الرواة أيضا. من الحديث المضطربة حديث "شيبثني هود واخواته". هذا الحديث مداره على عكرمة مولى ابن عباس، ثم اختلفوا فيه عن عكرمة، فمنهم من جعله عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من جعله عن عكرمة وحكى القصة، ومنهم من جعله عن عكرمة عن أبي بكر. فالمهم أنه حصل الاضطراب فيه. وذكر الإمام دار قطني في العلل أن صح طريق فيه طريق عكرمة عن أبي بكر بدون ذكر ابن عباس، فهي طريق مرسلة لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر الصديق. وغير من الحديث التي حصل فيها الاضطراب في المتن أو في الإسناد. بعضهم يذكر من الحديث التي حصل فيها الاضطراب حديث "زينوا القرآن بأصواتكم". لكن الصحيح أنه ليس فيه اضطراب، بل الرواية الصحيحة هي "زينوا القرآن بأصواتكم"، وليس "زينوا أصواتكم بالقرآن". وإنما الظاهر أن بعض الرواة على فهمه فلما سمع "زينوا القرآن بأصواتكم" كأنه عظم هذا المعنى كيف يزين القرآن بالأصوات، وإنما الأصوات تزين بالقرآن، فقام قلب الحديث فقال "زينوا أصواتكم بالقرآن". لكن المعنى الصحيح هو "زينوا القرآن بأصواتكم"، فإن القرآن ازداد حسنا بحسن الصوت. وقال أيضا النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين في البخاري ومسلم: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن". فدل على أن المراد هو أن العبد يزين صوته حتى يزين القرآن. كما قال أبو موسى: "لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرتها لك تحبيرا". ليس من باب الرياء، لا، إنما من باب التغني بالقرآن. قال: "قال في متن أو في سند إن اتضح فيه تساوي الخلف". معناه في الخلاف التساوي. أما إن رجح بعض الوجوه لم يكن مضطربا، مثل ما قلنا في حديث القلتين، بعض العلماء يقول أن بعض الطرق ليس فيها اختلاف، أو أنه يأتي الترجيح إذا رجح العالم بعض الطرق، فهذا الترجيح يخرج هذا الحديث من الاضطراب. قال: "بعض الوجوه لم يكن مضطربا، والحكم للراجح منها وجب". أن على ما ترجح بالأدلة أو بالمرجحات، والمرجحات كثيرة، منها العدد، منها الحفظ، وتدل أيضا عليها القرائن. "كالخلف في حديث الخط للسترة، جم الخلف والاضطراب موجب للضعف". أيضا هذه المسألة من مسائل الاضطراب، وهو أن الاضطراب أو المضطرب من قسم الضعيف، المضطرب من قسم الضعيف. وأيضا هناك فرق بين أن يقال الحديث مضطرب ورجل مضطرب الحديث. هناك فرق بين أن يقال للرجل مضطرب الحديث وبين اضطراب الحديث نفسه. فالحديث يسمى مضطرب. في بعض الجهلة، بعض صوفية من الجهلة قال: "قال أهل السنة: جاءوا لنا بحديث اسمه حديث المطرب". حديث المطرب، المطرب عندنا الذي يغني، سمى مضطربا. فقال أهل السنة: "جاءوا بحديث اسمه المطرب". فالراوي المضطرب هو الذي يضطرب في روايته، المعنى نفسه يضطرب في روايته، كيف يأتي بالحديث على أكثر من طريق وهو حديث واحد. مثال: مثلا ما ذكر شعب عن ليث بن أبي سليم قال: أتيت ليث بن أبي سليم فحدثني بحديث عن مجاهد عن ابن عمر، قال: ثم أتيته مرة أخرى فحدثني عن عطاء عن ابن عباس، قال: ثم أتيته مرة ثالثة فحدثني نفس الحديث، قال: فحدثني عن طاوس عن ابن عمر أو عن أبي هريرة. مع أنه اضطرب، مرة يأتي بمجاهد، ومرة يأتي بالعطاء، ومرة يأتي بطاوس. وهكذا أحيانا يضعهم ثلاثتهم، يضع طاوس ومجاهد وعطاء كلهم مرة في حديث. فقال شعب له: "متى اجتمع لك هؤلاء الثلاثة؟ كيف جمعت هؤلاء الثلاثة؟ متى اجتمعوا لك حتى تأتي بحديثهم كل معا؟". فلهذا كان يضطرب في الحديث، هذا اضطراب للراوي نفسه. وأما هذا المضطرب، أي الحديث الذي يحصل فيه اختلاف. طيب إن شاء الله تعالى نتمم هذا.