شرح كتاب التوحيد 100

شرح كتاب التوحيد 100

الدرس في شرح كتاب التوحيد 100، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وعلاقتها بالتوحيد

المقطع يتناول تفسير آية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ويبين علاقتها بكتاب التوحيد، حيث تشير الآية إلى أن الهداية بيد الله وحده. هذا الفهم يرد على معتقدات القبورية الذين يعتقدون في الأموات والصالحين أنهم قادرون على تفريج الكروب وهداية القلوب.

توضيح أنواع الهداية وبيان حقيقتها

يشرح المتكلم أنواع الهداية وخصوصا هداية التوفيق والإلهام التي هي من صفات الله وحده، ويوضح الفرق بينها وبين أنواع الهداية الأخرى. يبين أن فهم هذه المفاهيم يحتاج إلى الرجوع إلى كتب التفاسير وأقوال العلماء لتجنب الفهم الخاطئ للآيات القرآنية.

الهداية وأنواعها وتوضيح الفروق بينها

الهداية نوعان: هداية التوفيق والإلهام وهي بيد الله وحده، وهداية البيان والإرشاد وهي إظهار طريق الهداية وتبليغه للناس. هناك آيات قرآنية قد تبدو متناقضة في وصف هداية النبي، ولكنها تشير إلى هذين النوعين من الهداية.

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أنه سيستكمل تفسير الآية في الدرس القادم، ويطلب من الله أن ينفعهم بما تعلموا ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، هذا تبويبٌ جديد من أبواب كتاب التوحيد، بوّب به المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية الكريمة ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وتفسير هذه الآية، والخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، أي أنك يا رسول الله لا تهدي من أحببت هدايته، لا تهدي من أحببت هدايته. وعندي مسألتان في هذا الباب أذكرهما تمهيدًا لما سيذكره لنا المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة. المسألة الأولى، ألا وهي: هذه الآية تتعلق بمسألة الهداية، فما علاقتها بكتاب التوحيد؟ هذا الكتاب معد لمسائل التوحيد، وقد شرع، وقد ذكرنا الأبواب السابع، وكلها تتكلم عن إفراد الله بالوحدانية والعبودية والتعبد، لكن هذه الآية تتحدث عن الهداية، فما الربط بينها وبين الكتاب بشكل عام؟ قال العلماء: هذه الآية من فهمها، وأن مؤداها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يهدي من أحب هداية، فيه بيان على أن البشر لا يملكون ضرًا ولا نفعًا لغيرهم استقلالًا، فمن نفع إنما ينفع لأن الله أراد النفع. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. فهذه الآية فيها أعظم الأدلة في الرد على القبورية ممن يعتقدون الضر والنفع بغير الله بالأموات وأصحاب العتابات. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام لم يملك الهداية لغيره، ما ملكها، ومن هذا الغير هو من أحب الناس إليه، بدليل آية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، يحب نبينا، يحب ويرغب في هداية هذا وذاك، ومع ذلك نفى ربنا عنه الهداية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ولكن الله يهدي من يشاء. وبهذا تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، هذا الخطاب لرسول الله وهو حي، وهو حي تتنزل عليه هذه الآية، فما ظنك بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد توفاه الله؟ فكيف يكون الأمر؟ يكون الأمر واضحا جليا أن لا هداية وأن لا نفع للغير. إذا أنت وأنت حي لا يمكنك أن تهدي غيرك بأن تهدي قلبه وصدره، فكيف أن تميت يا رسول الله؟ ما يمكنك هذا، هذا مما اختص به الرب عز وجل، وما أعطاه لأحد من خلقه. إذا فهمنا هذه الآية حق الفهم، وعلمنا أن الهداية وما كان من أسباب النفع والضر إنما هي من عند الله لا من عند سواه، حين علمنا أن النافع الضار هو الله جل في علاه، فلا تتعلق القلوب والصدور إلا به، وهذا هو التوحيد، وهذا هو التوحيد، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله. فكيف بعد ذلك يأتي من يأتي ويتجاوز رسول الله فيصل إلى أن يعتقد في غير نبينا في فلان وفلان وفلان أن هؤلاء بإمكانهم تفريج الكروب وهداية القلوب؟ هل وصل الحال لهذا الاعتقاد؟ نعم، قد وصل الحال إلى فئام من الناس أن يعتقدون في بعض الصالحين أنهم ليس في حياتهم بل بعد موتهم أن بإمكانهم تفريج الكروب وهداية القلوب. ومن اعتقد هذا فقد كفر، من اعتقد هذا فقد كفر، إن اعتقد أن أحد من خلق الله يهدي قلب فلان وقلب علان كفر، لأن الهداية بيد الله عز وجل. فهذه المسألة الأولى إخواني في الله، وهي من أهم مسائل الباب، أن نعلم الربط بين هذه الآية الكريمة التي استوردها المؤلف تبويبا لهذا الباب، وبين علاقته بكتاب التوحيد، فيه نعلم أن المرادة أن النفع والضر بيد الله جل فعلا. المسألة الثانية التي أود أن أشير إليها: أن هذه الآية كما فهمناها بأن الهداية بيد الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قد يشكل هذه الآية بهذا الفهم مع غيرها من الآيات. وجه الإشكال: أن هذه الآية التي بين أيدينا فيها أن الله نفى الهداية عن رسول الله، وبالمقابل هناك آيات أثبت فيها ربنا الهداية لرسوله، هناك آيات أثبت الله الهداية لرسوله، كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هنا إشكال، وحق للإنسان أن يستشكل هذه الآية كيف؟ هنا نفي ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ وهنا إثبات ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، كيف الجمع؟ وهذا مما يبين يا عبد الله أن الإنسان بفكره وعقله لا يمكنه أن يفهم كلام الله إلا بالرجوع إلى كتب التفاسير وإلى أقوال العلماء. ومن الخطأ المبين أن الإنسان يتكأ على عقله وعلى فكره وعلى ضحالة علمه بفهم كتاب رب الأرباب، لأن الإنسان إذا فعل ذلك سيضرب آيات القرآن بعضها على بعض كما تفعل الزنادقة الزنادقة وأهل الاستشراق في مثل هذه الأزمان يصطادون بالماء العكر، فيأتون لمثل هذه الآيات التي ظاهرها كما يزعمون التناقضات، فيلبسون بها على المسلمين والمسلمات. لكن من كان عنده دراية بكتاب الله وبتفسير الآيات علم وجه الصواب. فهذه الآيات التي سمعتموها ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ و﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وجه الجمع فيها أن نعلم أنواع الهدايات، الهدايات صور وأنواع، أوصلهم بعضهم إلى ثلاثة أنواع، بعضهم إلى أربعة أنواع من أنواع الهدايات، وكل هداية لها صورة ولها حكم ومضمون. يهمني في هذا المقام أن أشير إلى نوعين من أنواع الهدايات ذكرهم ربنا جل وعلا في كتابه. الهداية الأولى، والتي يسميها العلماء بهداية التوفيق والإلهام، وهي التي بين قوسين هداية القلوب، هذه الهداية هي ثابتة لله جل في علاه له وحده، لا أحد ينازع الرب فيها، فهو الذي يملكها وهو الذي يعطيها ويمنعها لمن شاء من خلقه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء سبحانه، ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. هذه هي هداية ثابتة لله، وما هناك أحد يمتلكها، وهو أن الله جل وعلا يصرف قلب فلان إلى الدين وهي الإسلام والملة والشريعة والحنيفية، هذا لله سبحانه وتعالى. لربما رجل يعيش بين كفار، بين كفار، فما إذ بهذا الرجل إلا ويجد من أنواع الهدايات تنفتح إليه، من انشراح صدره، من ميوله إلى الدين، حتى ينطق بلا إله إلا الله، من أين جاءت الهداية؟ من الله أرادها الله له سبحانه. أو العكس، أو إن إنسانا ما أراد الله له الهداية، لربما تقام له الحجة بعد الحجة والأدلة بعد الأدلة، يؤخذ من عالم إلى عالم، ومن سبب من أسباب الهداية، ثم لا تنفع معه جدوى، ويخرج من الدنيا وهو على كفره، لماذا؟ لأن الله ما أراد هدايته، ما أراد الله هداية القلب، هذه الهداية لله، يسميها العلماء بهداية التوفيق والإلهام، هي هداية القلوب، فهذه لا يملكها أحد، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا صالحا من الصالحين. لو ربما عندك ابن عاق، تعب معه في التربية، بالضرب، بالتوبيخ، بالزجر، بالترغيب، بالترهيب، بالحبس، ما أجدى نفعا، ليس عليك هداهم، الهداية بيد الله عز وجل، أنت أخذت بالأسباب كما وقع ذلك لأفراد من كان من أسرة الأنبياء والرسل، كعمه عليه الصلاة والسلام، وكزوجة لوط، وكابن نوح، وكأبو إبراهيم عليهم السلام، عندهم أقارب وحرصوا على هدايتهم وما قصروا معهم، لكن ما أراد الله لهم الهداية، فماتوا على الكفر، لأن الهداية هذه هداية القلوب بيد الله سبحانه وتعالى. وهذي الذي أرادها الله بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. الصورة الثانية من صور الهداية، وهي التي يسميها العلماء بهداية البيان والإرشاد، وهو إضاح أسباب الهداية، إضاح أسباب الهداية، هذا البيان وهذا الإضاح لأنواع الهداية ولطريق الله، وشرح الناس الطريق الموصل إلى الله، هذه ثابتة لكل أحد، ثابتة للأنبياء، ثابتة للرسل، ثابتة لكتب الله، ثابتة للعلماء، ثابتة للدعاة، ثابتة أن هؤلاء يهدون الناس، ما معنى يهدون الناس؟ أن يدلونهم، هنا الهداية بمعنى الدلالة، أن يدلونهم على الطريق. يا قوم هذه الطريق الموصل إلى الله، هنا سيروا، أنا هاد، كما قال ربنا «ولكل قوم هاد»، كل قوم جعل الله لهم هدى من الأنبياء والرسل يهدونهم، يا قوم هذا الطريق، يا قوم هذه السبيل، التوحيد، العقيدة، التعلق بالله، ترك الأصنام، ترك الأوثان، هذه هداية، ولكل قوم هاد، وهكذا قال نبي، قال ربنا في حق نبيه ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي أنك يا رسول الله أوضحت المعالم، ما يخاف على الكفار أبدا، أوضحتها، أخبرتهم ليلا ونهارا، صباحا ومساءا، بسلوك هذه الطرق، ببيان ما يدل ويجر إلى الجنة، وحذرتهم من النار وما يجر إليه، وما قصرت في هذا الباب، هذه هداية، هذه هداية أعطاها الله لأنبيائه، لأوليائه، لكتابه. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى، من قرأ القرآن فانفتح لهم أسباب الهداية، من الزجر والوعظ والإرشاد والإلهام، وفتح أبواب من خزائن رحمة الله جل وعلا، لكن هذه يكون بيان ودلالة، فهؤلاء نعم، وهذا الذي قال عنه ربنا في حق نبيه ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهي هداية البيان والدلالة والإرشاد، وهذه متاحة للدعاة وللعلماء ولكتب الله المنزلة، وهذه عامة. وبهذا نعلم أنه لا تضاد بين الآيتين، في قوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ وفي قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ففي الآية الأولى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ أي هداية القلوب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه بأحسن بيان، هل كلهم أسلموا؟ لا، ما كلهم أسلموا، منهم من ركب الهوى وأغلق الله عليه باب الهداية، وحتم على قلبه ومات على الكفر، لأن هداية القلوب ليست لأحد، ليست لأحد. فهذا الذي أراده الله خطاب لنبيه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، لكن من حيث الدلالة والإرشاد وإضاح المعالم، فقد فعلت وهديت وأرشدت، و﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فهذا إخواني في الله المسألة الثانية التي أحببت أن أذكرها في هذا المقام، تمهيدا لما سيذكره لنا المؤلف رحمه الله تعالى من الدلائل الدال على هذا الباب الجديد، والذي بوّب عليه بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وسيأتي معنا إن شاء الله في درس غد ما يتعلق بتفسير هذه الآية وما يتعلق بسبب نزولها. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.