الدرس في شرح كتاب التوحيد 99، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الكلام أهمية وفائدة الشفاعة، حيث تبين سعة رحمة الله ومغفرته. تفتح الأمل للمذنبين في المغفرة وتبرز دور الشفاعة في الآخرة.
الشفاعة تفتح أبواب الرحمة والمغفرة وتحث على العمل الصالح. تجعل الإنسان أكثر حرصاً على الطاعات وترك المنهيات وتجعل المرء يطمع في نيل المغفرة والرحمة من الله تعالى.
يشرح المقطع كيف أن الشفاعة يوم القيامة تكرم الشافع وتولد عنده وعند قومه كرامة. يبين أن الله يكرم الشافع ويجعله يشفع فيمن يحب، مما يولد عنده وعند قومه كرامة وندم على ما فعلوه به في الدنيا.
يختم المتحدث حديثه بالتأكيد على عظمة أبواب الشفاعة وأسرارها. يطلب من الله أن ينفعهم بما قاله ويجعلهم من الذين يتبعون أحسن القول.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله في كلام شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، والذي ذكره لنا الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، مختتما به باب الشفاعة. ومن تتمة كلام شيخ الإسلام قال رحمه الله تعالى: وحقيقته، أي الشفاعة وما يتعلق بباب الشفاعة، أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه رحمه الله. هنا إخواني في الله نصل إلى ختام هذا الباب، والذي استطردنا فيه في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة في باب الشفاعة. ونصل إلى ختام هذا الباب إخواني في الله إلى فائدة عظيمة، ألا وهي: ما الفائدة من الشفاعة؟ قد علمنا أن الشفاعة هو التوسط بالغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. قد يقول قائل: أليس الله جل في علاه قادر على أن يغفر لمن يشاء؟ الجواب: بلى، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يغفر لعباده من غير عروج على باب الشفاعة، فيغفر لهذا ويغفر لذاك، ويغفر لمن شاء من خلقه وعباده. إذن ما الفائدة من باب الشفاعة؟ الشفاعة إخواني في الله لها أسرار عظيمة ومغازي وحكم عديدة، منها ومن أجلها أولا: بيان لسعة رحمة الرحمن جل في علاه، إذ أن الإنسان من خلال باب الشفاعة يعلم أن الله جل في علاه فتح لعباده أبواباً من أبواب الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة. مثاله في الدنيا: قد يكون رجلاً من الرجال قد فرط في جنب الله، خسر في حقوق الله، لكن عندما يرى إلى باب الشفاعة يجد أن الأمل في المغفرة عظيم. مثاله ما لو أن أحداً منا فقد أحد أولاده وهم في سن الصغر، فقام الأب وقامت الأم واحتسبوا الأجر عند الله جل في علاه، قد يكون الأبوان على تقصير وتفريط عظيم في جنب الله، لكن عندما ينظر إلى باب الشفاعة، وأن الله قد جعل للفرط والصغير أنه يشفع لوالديه حتى يدخلهم الجنة، فلا يزال يحسنان ظن بالله لباب الشفاعة في حق الصغير. وكذلك ما لو قلنا أن أباً من الآباء هو نعم مسرف على نفسه، إلا أنه في أحد الأيام أذن لأحد أولاده أن يذهب إلى الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله لقتال أعداء الدين، فذهب ابنه بعد أن استأذن من أبويه فقتل شهيدا. هذا الأب مع إسرافه ومع تقصيره وتفريطه في جنب الله، ويعلم أن الرحمة قد تكون بعيدة عليه، لكن عندما ينظر إلى باب الشفاعة ويعلم أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته، الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته، فالأبوان يطمعان أنهم بشفاعة الابن الشهيد أنهم يدخلان في الشفاعة فيغفر الله لهم. وهكذا قس. فالشفاعة تفتح أبواب آفاق عظيمة في مدى سعة رحمة الرحمن، هذه في الدنيا. وهكذا في الآخرة إذا فتحت أبواب الشفاعة، فيأذن الله عز وجل لمن شاء، ويأذن للكثير. وقد مر معنا في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي كثير من الملائكة، لا تُغْنِي شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله، أي أن الله بعد أن يأذن لهذا الملأ الكثير من الملائكة في ماذا؟ في الشفاعة. عدد لا يحصيهم الله من ملائكة فيشفعون لعباده، ناهيك عن الأنبياء، ناهيك عن الصالحين، ناهيك عن المرسلين، كل يشفع، يشفع، يشفع، يشفع يوم القيامة. حينها يعلم المرء أن الله فتح أبواباً من الرحمة والمغفرة. من أين جاء هذا الشعور والإحساس؟ من باب الشفاعة. فهذا من أعظم أسرار باب الشفاعة أن تعلم يا عبد الله مدى سعة رحمة الرحمن. ثانياً من أسرار الشفاعة ومن فضائلها أن فيها الحث والدفع لنا جميعاً للعمل الصالح. قد ذكرنا أن الشفاعة ليست دعوة، وأن من أراد أن يكون مؤهلاً لأن تصيبه شفاعة الشافعين فعليه بالعمل الصالح. مر معنا في درس أمس من أسباب الشفاعة كثرة الصلاة، هذا ما الذي يجر؟ يجر على أنك تكثر من تعبدك لله. مر معنا أن من أسباب الشفاعة كثرة الصيام، الصيام يشفع لصاحبه، فلما تكثر من الصيام تكون أهلاً للشفاعة. أو واحد منا لربما قل أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن يأتي بالدعاء المأثور بعد الأذان، فإذا علم أن للذكر الوارد بعد الأذان فضيلة، وأن من فضيلته أن النبي يشفع لقائله، ما الذي يجر هذا؟ يجر أننا جميعاً نحرص على العمل الصالح، على الإتيان بالترديد خلف الأذان، بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن نأتي ونسأل رسول الله الوسيلة حتى تحلنا الشفاعة. وهكذا ما مضى معنا في الأسباب الجالبة للشفاعة، وأن نكون من أهلها لا تكون إلا بعمل صالح. فمن خلال باب الشفاعة يكون الحث لنا على الإقدام على الأعمال، وهكذا ترك المنهيات. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يكون اللاعنون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». الشفاعة ما يأتي واحد لعان مثلاً في هذه الدنيا، يكثر من اللعن، يصبح ويمسي على اللعن، لعن الأولاد، لعن الأهل، لعن الجيران، لعن الأصحاب، لعن في حال الجد، لعن في حال الهزل، لعن في حال الضحك. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يكون اللاعنون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». أنت ما تنفع، ما تنفع أنك تمططي مقام الشفاعة فتشفع، لماذا؟ أنت لست أهلاً، لأنك مريض، ما هو مرضك؟ كثرة اللعن. عالج نفسك، هذا ما الذي ينمي فينا؟ ينمي فينا أنك لا تكثر من اللعن وإنما تحفظ اللسان، فتجد أن باب الشفاعة يربي فينا الأخلاق والآداب وكثرة التزود بالأعمال الصالحات. هذا من أسرار الشفاعة. زد على ذلك أن ثالثا من فضائل الشفاعة أن الله جل وعلا يكرم الشافع، يكرم الشافع كرامة، كرامة يا عبد الله يجدها صاحبها يوم القيامة، هذه الكرامة التي ما وجدها صاحبها في الدنيا. في الدنيا وجد من قومه الإهانة، وجد الاستهانة، وجد الإذلال. لربما عبد صالح مصلي على الطريقة الصحيحة يدعو قومه، لربما هجروا، لربما تضاحكوا عليه، لربما ردوا دعوته، بل سلطوا ألسنتهم وصبيانهم وسفهاءهم ومن يستطيعون عليه من أهل القدرة على الإطاحة بهذا الرجل، إما بالسجن، بالسجون، أو بتشهيره، أو بتعييره، أو بطرده، أو بتشهيره. حرب على هذا الرجل، فلا يزال هذا حاله ذليل في قومه، مع أنه من أهل التقوى، من أهل الصلاح. حتى جاءته منيته، جاءته منيته، ثم جاءت المنية للجميع، وقامت القيامة، وجمع الله جل وعلا الخلائق، ثم فتحت أبواب الشفاعة، فإذا بهذا الذليل عند قومه يأمر به الرب جل وعلا أن يرتقي مقام الشفاعة: «قم فاشفع». ما ظنكم بقومه حينها؟ تشخص الأبصار، وانعقد التعبير، لربما وضعوا أيديهم على رؤوسهم من الدهشة. هذا الذي بالأمس نضحك عليه، نستهزئ به، كنا حربا عليه وعلى دعوته، ها هو بهذا المقام الشفاعة. وما الذي يفعل؟ يقول: يا رب هؤلاء، وهذا، وهذا، وهذا، فيشفع في طوائف من الناس ممن يحب أن الله يدخلهم الجنة، فيدخلهم الجنة. ما الذي يولد هذا عند قومه؟ يولد عندهم كرامة هذا الشافع. فالله جل وعلا يكرمه كرامة، وهذا من عظيم ما يناله العبد من باب الشفاعة الإكرام. هذا واضح، الناس تلك الساعة يوم القيامة، بل منهم من في النار، وقد اشرأبت الأعناق، يبحثون عن سبيل يخرجهم من النار، فيفتح باب الشفاعة، فينظرون لصاحبهم، وتتقطع عليهم الحسرات، يودون لو كلمة أنه يشفع لهم عند الله فيخرجون من نار جهنم، لكن ما يجدونها. حينها يعضون على أصابع الندم. وهذا فيه تسلية لك يا عبد الله بالصبر والاحتساب على ما أنت عليه من الدين والتعبد والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. دع ما يقوله الناس عنك، دع ما يفعلونه بك من الهجران، من السخرية، وكذلك من الرمي والكذب والبهتان، فما عند الله خير وأبقى. فالشاهد إخواني في الله أن أبواب الشفاعة من الأبواب العظيمة، والتي حوت واحتوت على أسرار عظيمة بديعة، لا يعلم بها إلا الله جل في علاه. وما ذكر هي من أعظم هذه المآثر. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا فيما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.