الدرس في كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها من مختصر منهاج القاصدين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح آداب آخذ الزكاة وذكر الأصناف الثمانية المستحقين لها كما ورد في سورة التوبة. يُبيّن تفاصيل كل صنف منهم مثل الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وغيرهم.
يتناول آداب الزكاة وشكر المعطي، حيث يشير إلى أهمية شكر الله تعالى ثم شكر من أعطاك الزكاة. كما يبين أن وظيفة المعطي هي الاستصغار لصدقته، ووظيفة الآخذ هي الاستعظام للعطاء مع عدم نسيان نعمة الله.
يتناول ضوابط أخذ الزكاة وتوزيعها بشكل عادل على الفقراء والمساكين، حيث يُحدد مبلغ معقول لكل شخص بناءً على احتياجاته. يُشدد على أهمية الاجتهاد في العدل عند توزيع الزكاة ومراعاة حالة الفرد واحتياجاته الفعلية.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها من كتاب مختصر منهاج القاصدين للإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من دقائق وآداب تتعلق بالزكاة، وذكر من هذه الآداب والوظائف الحكمة من هذه الزكاة. ذكر بعض هذه الحكم، ما هذه الحكم؟ نعم، أحسنت، الابتلاء في ادعاء المحبة بإخراج المحبوب طاعة لله، والثاني تنزيه النفس عن البخل والشح، والثالث شكر نعمة الله عز وجل في هذا المال. ومر معنا كذلك أن من حكمة الله عز وجل في إخراج الزكاة أن يخرجها على وجه لا يؤذي بها الفقراء، حتى لا تفسد عليه ولا تبطل هذه الصدقة والزكاة، وذلك يقتضي أمورًا، ما هذه الأمور؟ نعم، أن يقدم السر، إخراج السر كذلك، ألا يكون فيها إذلال وتنقص لفقير، لا قول ولا فعل. نعم، كذلك ألا يفسدها بالمن والأذى، نعم. ومر معنا كذلك من المسائل أن الذي يخرجها ينبغي أن يلاحظ بعض الأمور المهمة التي يكون بها إكمال صدقته، فينظر باعتبارين اثنين، ما هذان الاعتباران؟ أن ينظر إلى حق الله، وبذلك يختار ما يليق بعظمة الله، والثاني أنه يرجع إلى نفسه فينظر ما يبقى ولا يبخل بما يفنى. والدليل حديث عائشة، وهو قالت: ما بقيت إلا ذراعها، فقال: بل بقيت كلها إلا ذراعها؛ لأنه تصدق بالكل وأبقى الذراع. وفي هذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من أن صدقتهم أكثر من الثلث، اليوم العكس، الصدقة أقل مما يملك الإنسان، لكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانت صدقتهم أكثر مما يملك الإنسان، فيخرجون ما يبقى لعلمهم أن الذي يخرج هو الذي يبقى، ويقدم لنفسه ما يبقى ويترك في يده اليسير الذي يعينه على الطريق. قال رحمه الله تعالى: فصل في آداب القابض. والفصل هو دون الباب، والكتاب الكتاب كما قلنا مجموعة من المسائل في العلم، والباب جزء من تلك المجموعة من المسائل، والفصل هو دون الباب يتعلق بمسائل خاصة في ذاك الباب. قال في آداب القابض، آداب جمع أدب، والقابض المراد به ها هنا الذي يقبض الصدقة، وعمم القابض ليذكر فيه من تجب لهم الزكاة وهم الأصناف الثمانية كما سيأتي، ومن لا تجب ولا تصح لهم الزكاة؛ لأن الأحكام تتناول الجميع. قال رحمه الله تعالى: لا بد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف. والأصناف الثمانية هم الذين ذكرهم الله عز وجل في سورة التوبة بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهؤلاء ثمانية أصناف، هم الأصناف الثمانية. والفقير هو الذي لا يملك ما يكفيه، والمسكين هو الذي يملك نصف كفايته أو أكثر، ولكنه لا يملك ما يكفيه في سنته، فحال الففقير أقل وأضعف من حال المسكين. والعاملين عليها هم الذين يعكثون في جمع الزكاة وتوزيع الزكاة، كالكاتب والحاسب والقابض والمعطي، وغير هؤلاء ممن يعملون في هذا الباب، فمن أين يعطى هؤلاء؟ يعطون من الزكاة؛ حتى تؤدى هذه الأمانة، وفيه كذلك الترتيب والتنظيم الذي يجري عليه أحكام الإسلام. والمؤلفة قلوبهم، وهم أصناف الذين تؤلف قلوبهم لأجل أن يدخلوا في الإسلام، ويقدم الأولى فالأولى، كرؤساء القبائل والوجهاء، بل ورؤساء الدول، مثلا أحد ولاة أمور المسلمين أراد أن يتألف رئيس دولة أخرى كافرًا إلى الإسلام، فيتألفه بهدية ومعها شيء من الدعوة للإسلام، أو بمشاريع يقيمها في بلاده لأجل أن ينتشر الإسلام. فإذا كان لا يستطيع أن يقيم تلك المشاريع إلا بأن يكون له نصيب لإعطاء بعض المسؤولين، فهو يعطي من الزكاة لهؤلاء ليتألفهم ليسمح له أن يدخل بدعوة الإسلام في تلك البلاد. وهكذا العكس، بعض المسلمين ضعيف في إسلامه، ويخاف عليه أن يأخذه أعداء المسلمين من الكفار فيخرجوه من الإسلام، فأنت تتألفهم من الزكاة لأجل أن يثبتوا على دين الإسلام. مثل الفقراء والضعفة، وبعض مشايخ القبائل الذين يكونون في البلاد التي ينشط فيها أعداء الإسلام مثل أفريقيا وغيرها، ينشط أعداء الإسلام في التنصير، فتتألف مشايخ القبائل وتثبتهم على هذا الإسلام، كذلك تقيم لهم المشاريع التي يحتاجونها، آبار، مدارس، مستوصفات صحية، وغير ذلك، كل هذا يجوز أن يكون من الزكاة، وهذا يدخل في المؤلفة قلوبهم. وقد تألف النبي صلى الله عليه وسلم رؤوس المشركين لأجل أن يتألفهم على هذا الدين، وفعلا بعضهم دخل في دين الإسلام، حتى قال بعضهم: إني جئت من رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. أسلموا؛ فإني جئت من عند رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فأسلم وأسلمت قبيلته بأكملها. فكان تأليف النبي صلى الله عليه وسلم لبعض رؤوس المشركين سببًا في إسلامهم وإسلام قبيلتهم أو قبائلهم بأكملها، وهذا من محاسن ومواضع الحكمة في صرف الزكاة في هذا الدين. وفي الرقاب، أي الذي يريد أن يعتق رقبته، ويدخل في هذا المكاتب الذي يكاتب، وكذلك العامل الذي يعامل. فكان من عقود الجاهلية أن العبد إذا أراد أن يعتق نفسه طلب منه السيد أن يجمع له مالًا، هذا المال قد يكون بقدر قيمة نفسه أو أكثر، فأمر الإسلام أن يصرف من الزكاة ليعان أمثال هؤلاء ليعتقوا أنفسهم. والغارمين، أي الذين عليهم الديون، سواء كانت الديون خاصة، إنسان ضعيف في حياته عنده أسرة كبيرة، تعرض عليه العوارض فيحتاج أن يستلف في أثناء العام مرة، مرتين، ثلاث لمرض، لزواج، لأشياء أخرى، فيتجمعت عليه الديون، وهو لا يستطيع أن يغطي بنفقته سداد هذه الديون. فهنا ولو كان هو يكفي نفسه وأسرته، لكنه ما يستطيع سداد الديون، فيعان من الزكاة بما يعينه على سداد هذه الديون. وهكذا الديون العامة، إنسان أصلح بين قبيلتين وتحمل حمالة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة أنها لا تحل إلا لذي ثلاثة، وذكر منهم رجل تحمل حمالة؛ يعني تحمل دينًا ليصلح بين قبيلتين. بعض الأحيان تكون هناك قبائل يصيبها الشح، يكون عند هؤلاء قتلى وهؤلاء قتلى، فكل أحد منهم ما يريد أن يتنازل ويدفع بالدية للطرف الآخر، فيدخل الوسيط ويقول: أنا أدفع الدية على أن تصطلحوا وتكتبوا عهدًا وميثاقًا أن تنتهي هذه الحرب وهذه العداوات والثأر الذي بينكم، فيتحمل هو الديون لأجل أن يصلح بين القبيلتين، فيكون هذا مما يجوز أن يدفع فيه الزكاة ويسدد من الزكاة. وهكذا على الصحيح من تحمل حمالة في أبواب الخير والبر، كالمدارس والمعاهد التي يكون فيها تعليم الخير والبر، فمثل هذا كذلك على الصحيح يجوز أن يعان ويسدد من الزكاة، فيدخل فيه الغارمون ولو كان أصل هذا الرجل الغني، لكنه لأنه تحمل حمالة لباب من أبواب الخير، فإنه يعان. والشرع لا يفرق بين مجتمع كما لا يجمع بين متفرق. وهكذا كذلك في سبيل الله، أي المجاهدون بالسيف والسنان في سبيل الله لأجل أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى، فهؤلاء يعانون على ذلك. وهكذا على الصحيح يدخل فيهم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيرهم من أهل العلم، من تيمية رحمه الله وغيرهم من أهل العلم، من مشايخنا المعاصرين ومن قبلهم، أنهم يرون أن طلبة العلم وطريق طلب العلم هو من سبيل الله؛ لأنهم كذلك يجاهدون في سبيل الله. بل بعضهم يرى أن طلب العلم أعظم من الجهاد بالسيف والسنان، أعظم من الجهاد بالسيف والسنان، كما يروى عن يحيى بن يحيى النيسابوري رحمه الله تعالى فيما ذكره الذهب في ترجمته: أنه كان يقول: طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله. وهكذا يروى عن القاسم بن السلام، كما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته: أنه قال: طلب العلم أعظم من الجهاد بالسيف والسنان، أو كما قال رحمه الله تعالى. فهذا الباب وما كان بمعناه هو كذلك يدخل على الصحيح في سبيل الله الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية. وابن السبيل، وهو عابر السبيل، سمي ابن السبيل؛ لأنه انقطع عن أهله، فلم يكن له أهل إلا الطريق التي يمشي فيها، يأمل أن يرجع ويصل إلى أهله، فهذا الذي انقطعت نفقته وهو في الطريق، فإنه يعان على نفقته، فيكون ذلك من الزكاة. وهذا باب من أبواب من يستحق الزكاة، ومثله الذي يذهب إلى الحج فتنقص نفقته، أو كذلك تضيع نفقته، فيريد أن يرجع إلى بلاده وأهله فلا يجد، أو كذلك العمال الذين يعملون وأرادوا الرجوع، أو صارت لهم مشكلة بسبب أو لآخر، فما استطاعوا الرجوع إلى أهاليهم، فكل هؤلاء يدخلون في ابن السبيل، فإنهم يعانون من الزكاة. قال رحمه الله تعالى: وعليه بذلك وظائف، الأولى أن يفهم أن الله تعالى أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه، ويجعل همومه همًا واحدًا في طلب رضى الله عز وجل. وهذا من أهم الأمور، أنه إذا تأمل إلى هذه الحكمة أن الله عز وجل أمر بإعطائه الزكاة لأجل أن يلتفت إلى حق الله سبحانه وتعالى، فيعينه سبحانه وتعالى في حاجته، فينبغي أن يشكر الله سبحانه وتعالى بأداء حق الله سبحانه وتعالى في حياته. قال الثاني: أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه، وليكن ذلك بمقدار شكر السبب؛ فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث؛ يعني الشكر شكران، أنت تشكر الله المسبب، وهذا هو الشكر الحقيقي، وتشكر من كان سببًا؛ لأنه أعانك لوصول ما جاءك من الله إليك. مثلا رجل أرسل لك بهدية من إنسان، فأنت تشكر الذي أهدى لك الهدية شكرًا أكبر، والذي أوصل لك الهدية تشكره ولا تشكره كذلك تشكره، ولو كانت الهدية ليس منه، لكن أنت تشكره؛ لأنه كان سببًا في وصول هذه الهدية لك. وهكذا بالنسبة للزكاة، فالذي فرض هذه الزكاة والذي يسر بهذا المال للغني هو الله، والذي وفقك أن تصل إليك هذه الزكاة وأن يختارك الغني من بين الآخرين لتصل إليك الزكاة هو الله. فأنت تشكر الله سبحانه وتعالى الشكر الأعظم، وتشكر من أعطاك الشكر الذي هو دونه، حتى لا يتعلق قلبك بغير الله، حتى لا يتعلق قلبك بغير الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يشكر الناس لم يشكر الله، من لم يعرف حق الناس فلن يعرف حق الله. وهذا أمر مجرب، فالذي يجحد الناس في شكرهم، فإنه يكون كذلك بخيلا فيما يتعلق بشكر الله سبحانه وتعالى. قال: ومن تمام الشكر ألا يحتقر العطاء وإن قل، ولا يذمه ويغطي ما فيه من عيب؛ يعني إن حصل أن فيه نقص لم يكفه أو عيب، فينبغي أن يصبر وأن يعلم أن هذا الذي اختاره الله له فيه الخير، عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. قال: وكما أن وظيفة المعطي الاستصغار، فوظيفة المعطى الاستعظام، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل. يعني وظيفة المعطي وهو المتصدق الاستصغار، يستصغر صدقته حتى لا يصاب بالرياء والعجب وغير ذلك من الأمراض القلبية التي تفسد عليه صدقته. ووظيفة المعطى الاستعظام؛ يعني المبالغة بما لا ينافي الشرع في الشكر والامتنان، وهذا يدعو أولاً لشكر نعمة الله، ولكذلك أداء بعض الإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ثم كذلك هو مدعاه أن هذا الإنسان الذي هو أصلاً استصغر صدقته، فإذا رأى الصغير الذي أتاك كبيرًا، دعاه أن يعطيك أكثر وأن يأتي إليك مرة أخرى. لكن إذا رأىك تستصغر ما عنده، فهو سيذهب إلى إنسان آخر، سيذهب إلى إنسان آخر يرى أن صدقته مقبولة عنده، يقول: هذا يرى صدقتي غير مقبولة، فينصرف عنك ويذهب إلى غيرك. فلهذه الفوائد وغيرها، نبه العلماء على مثل هذه الآداب وهذه الحكم. قال: فأما من لا يرى الواسطة واسطة، فهو جاهل، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلاً. يعني انتبه أن تجعل الواسطة أصلاً، فهذا الذي أعطاك ليس هو الأصل، ولذلك بعض الناس قد يفعل ما ينافي الشرع بالتمسكن، وكذلك التزلف والتنازل عما لا يليق بمسلم لأجل أن يصل إلى كسب ود هذا المعطي، وهذا المتصدق، وهذا لا يجوز. فلا يجوز أن تعظم إنسانًا فوق منزلته، ولا أن تذل نفسك لأجل أن تصل إلى هذه الصدقة، بل الواجب أن تنظر إلى حدود الشرع في هذا الباب. حدود الشرع في هذا الباب، ولهذا نبه العلماء إلى من تصح لهم الزكاة ومن لا تصح لهم الزكاة، وهذا تنبيه للآخذ وللمعطي، للآخذ والمعطي. فالمعطي كما قلنا يتحرى من الأصناف من تحله الزكاة، ويجتنب من لا تحله الزكاة، فكما تقدم معنا من شروط صحة الزكاة أن تكون لمن؟ للمسلم، ولا تكون للكافر. فينبغي أن يتحرى، وكذلك ينتقي في عطائه، فينظر من يستحق من أهل الإسلام، ولو أراد أن يتألف فالتألف بابه آخر، ولكن ينبغي أن يقدم كما قلنا الأولى فالأولى، أن يقدم الأولى فالأولى. وكذلك يعطي الفقراء والمساكين ونحوهم، فلا يعطي الأغنياء، وإذا شك، فإنه يسأل أو يتكلم؛ يعني رأى إنسان ظاهره الغنى أو قوي، ثم قيل له: هذا يستحق الزكاة، فهنا يتكلم. كما جاء في حديث عبد الله بن الخيار: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفق صدقة في حجة الوداع، فجاءه رجلان يطلبانه أو يسألانه من الزكاة أو من الصدقة، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: الرجلان، فنظر إلينا النبي صلى الله عليه وسلم ببصره فرفع وأخفض؛ يعني كأنه تأمل النظر، فرأى شيئًا ينافي ما يطلبان. قال: فوجد فينا أو فينا شدة؛ يعني أنهم أشداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئتما أعطيتكما من هذه الصدقة، وإنه لا حظ فيها لغني ولا ذي مرة سوي؛ يعني ليس فيها حظ لإنسان غني، ولا لإنسان يقدر أن يكتسب فيكون غنيًا لما رأى فيهما من الشدة والقوة. فإذا كان إنسان جاءك فشككت، فقل: انظر هذه زكاة، وأنت تعرف مصارف الزكاة، فإن كنت تظن أنها تحلك فخذها، وإن كنت تظن أنها لا تحلك فضعها في مكانها الذي ترى أنها تصلح فيما أراد الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك بالنسبة لبعض آل البيت، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: إن آل البيت لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم. ولا حديث في هذا الباب كثيرة، لكن بعض آل البيت ما عندهم من الخمس ما يغنيهم عن هذه الزكاة، كما هو في الإسلام. فإذا أخبرت أن بعض آل البيت يستحق الزكاة، فكيف تصنع؟ فإن كنت تستطيع أن تعطيهم من غير الزكاة، تعطيهم من غير الزكاة. فإن كنت لا تستطيع وليس عندك إلا هذا، فأعطهم وأخبرهم أن هذه زكاة، وأخبرهم أن هذه زكاة، ثم هو يسأل أهل العلم، فيقول: أنا فقير ما عندي شيء، وأنا من آل البيت، هل تحل لي هذه الزكاة؟ فهنا يفتيه أهل العلم، وكثير من أهل العلم يجيزون لأهل البيت الأخذ من الزكاة عند الضرورة، إذا لم يجدوا ما يغنيهم من غير الزكاة. وهناك كذلك أوجه أخرى في ذلك. وهكذا كذلك النفق على الأقارب، الأصل أن الإنسان ينفق على من تجب النفقة عليه من أصل ماله، لكن إذا كان ليس عنده من المال ما ينفق على من يجب النفقة عليه من أصل ماله، ولكن تأسر له الزكاة، فهل يجوز؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز، لحديث زينب امرأة ابن مسعود، فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم حين أرادت أن تخرج زكاتها، فقال لها ابن مسعود: أنا أولى بهذا، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرها أنه صدق، وأنه لها صدقة وصلة. وفي الحديث الآخر كذلك: الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة، وفي رواية: صدقتان، كما في حديث سلمان وغيره. قال رحمه الله تعالى: الوظيفة الثالثة أن ينظر فيما يعطاه، فإن لم يكن من حل لم يأخذه أصلاً؛ لأن الحرام يضر بآخذه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. قال: لأن إخراج مال الغير ليس بزكاة؛ يقصد مال الغير إذا كان هذا مال حرام اغتصبه من آخرين، فصار غنيًا به، فهذا الغنى غنى من حق الآخرين، فلا يجوز أن يؤخذ من مثل هذا الزكاة. قال: وإن كان من شبهة تورع عنه، مثل إنسان يشتغل في أشياء حلال وحرام، فإن استطاع أن يتورع وينظر غيره فذاك. قال: إلا أن يضيق عليه الأمر؛ يعني وقع في ضرورة وضيق، ولم يجد إلا هذا، فيدفع عن نفسه بقدر الضرورة، مثل الذي في السفر ولم يجد ما يأكله، فأحل له أن يأكل من الميتة، لكن هل يأكل حتى يشبع؟ لا يأكل بما يدفع عن نفسه الضرورة، وكذلك يأخذ من أموال هؤلاء بقدر ما يدفع عن نفسه من الضرورة. قال: فمن كان أكثر كسبه حرامًا فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرجه مالك معين، كانت الوتفة فيه أن يتصدق به؛ يعني إن كان يستطيع أن يستغني عن ذلك، مثلا إنسان فقير جاءه مال، فقيل له: هذا الرجل يشتغل في المخدرات، كيف تأخذ منه زكاة؟ فإن كان الخبر صحيح ويقين، فيخرج هذا المال في الأصناف الأربعة، في غير الأصناف الأربعة التي سبقت، لا لله؛ يعني ليس في مساجد ونحوها، ولا فيما يؤكل، ولا فيما يشرب، ولا فيما يلبس، فيجتنب هذه، ولا ينتفع طبعًا به انتفاعًا خاصًا. قال: فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر حاجته عند ضيق الأمر عليه وعجزه عن الصافي، إذا ما وجد من الحلال ما يغنيه عن الحرام، ومن الطيب ما يغنيه عن الشبهة، أخذ بقدر الحاجة، مثل صاحب الضرورة مع الميتة. قال الرابع: أن يتوقع مواقع الشبه في قدر ما يأخذ، فيأخذ القدر المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته. فإن كان غارمًا لم يزد على مقدار الدين، يعني إنسان عليه دين، وهو حاله كفاف، ليس فقير ولا مسكين، فيأخذ قدر الدين فقط، لا يزيد على قدر الدين. وإذا كان مسكين ويعرف أن نفقته في السنة مثلا مئة وعشرين ألفًا، ودخله قدر ستين ألفًا، فيأخذ كم؟ ستين، فيأخذ الستين ولا يزيد. وهكذا قل: يأخذ قدر حاجته، لا يطلب الزيادة. قال: أو غازيًا لم يأخذ إلا بمقدار ما يحتاج إليه، وهكذا إذا كان طالب علم لا يأخذ إلا بقدر ما يحتاج إليه. قال: وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يستغني عنه؛ يعني قدر ما يسد مسكنته، وقلنا المسكين الذي عنده نفقت نصف سنته أو أكثر، فما نقص أخذ الناقص. قال: وكل ذلك موكول إلى اجتهاده والورع، تركوا ما يريب؛ يعني لا يأخذ الزيادة، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، كما جاء في الحديث. قال: واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له كفاية على الدوام، والمراد بالدوام أي السنة، إذا كان عنده ما يكفيه في السنة، فهذا غني. وأما إذا كان ليس عنده ما يكفيه في السنة، فهذا مسكين. قال: إما من تجارة أو صناعة أو أجر عقار أو غير ذلك، فالله عز وجل سمى أصحاب السفينة مساكين، عندهم تجارة، ومع ذلك سمهم مساكين؛ لأن تجارتهم لا تكفيهم في سنتهم. قال: وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتممها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه؛ يعني بحسبه قليل أو كثير. قال: وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفي سنة، ولا يزيد على ذلك، وإنما اعتبر بالسنة؛ لأنها إذا ذهبت جاء وقت الأخذ؛ يعني إذا انتهت السنة جاء وقت الزكاة الأخرى، فسيسد حاجته في السنة الجديدة، وهكذا. قال: وإذا أخذ الأكثر منها ضيق على الفقراء؛ يعني إذا أخذ بالاحتياط إلى سنتين، فسيكون الظلم للمستحقين الآخرين في الأجل، لا يظلم المستحقين الآخرين، يأخذ فقط قدر سنة، يأخذ قدر سنة. فمثلا جاء رجل غني إلى إنسان يثق به في دينه وأمانته، فقال: خذ هذه زكاة، وزعها على من يستحقها، فنظر من حوله فوجد فقراء ومساكين، فينظر حال هذا الفقير، يقدر كم تقريبا يكفيه في الشهر، نفقته، الرواتب عندنا مثلا معروف الناس بين ستين ألفًا إلى مائتين ألف، بحسب الأعمال، هذا صحيح؟ قد يكون أكثر. أنا أقول الوسط، الوسط تقريبًا بين هذا المبلغ، فلو أعطى الوسط، كل إنسان في الشهر مئة وعشرين ألفًا، مئة وخمسين ألفًا، هذا يعتبر راتب معقول، لو ليس معقول معقول، هذا راتب معقول، فيعطي لكل شخص مئة وخمسين ألفًا في الشهر، فالفقير يعطيه مئة وخمسين لاثنى عشر شهرًا، والمسكين ينظر كم راتبه، مثلا راتبه ستون ألفًا، فيقول: ستون ألفًا ما تكفيه، فيزيده ما يكفيه فوق ستون ألفًا، كم؟ تسعون ألفًا، تسعون ألفًا ليكمل كم؟ مئة وخمسين، فيعطيه تسعون ألفًا لاثنى عشر شهرًا، لاثنين عشر شهرًا. وهكذا يفعل صاحب الأسرة الكبيرة، يزيده إلى مئتين ألف، أو كانت أسرته فوق المعتاد، إنسان عنده اثنا عشر نفسًا في البيت، هذا يعتبر فوق المعتاد، المعتاد من واحد إلى ستة في البيت، فوق المعتاد فوق الستة، فإذا صار فوق الستة فيزيد بقدر الزيادة، يزيد بقدر الزيادة. فمن كان عنده مثلا اثنا عشر نفسًا في بيت واحد، فبدل من أن يعطيه مئة وخمسين، يعطيه كم؟ ثلاثمائة ألف، يعطيه ثلاثمائة ألف. يجتهد يجتهد يجتهد في العدل قدر المستطاع، فيجمع له ما يكفيه في هذا الباب. مع أن الغالب في هذا الزمان إلا ما رحم الله لا يخرج الأغنياء مثل هذا، لا يخرج الأغنياء مثل هذا، نسأل الله أن يصلح حال المسلمين. بهذا القدر نكتفي إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.