الدرس في 10 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ذكر الله، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية الذكر في حياة المسلم، حيث يبين فضل الذكر وأجره العظيم، ويشير إلى بعض صيغ الذكر الفاضلة التي حث عليها الشرع.
هذا الفصل يوضح شروط وأحكام الذكر وفضله، حيث يشير إلى أن الذكر من الأعمال المحبوبة عند الله ورسوله ويضاعف أجره في رمضان.
يتحدث هذا الفصل عن التنبيهات الهامة المتعلقة بذكر الله، مثل عدم الوسوسة واستخدام السبحة عند الحاجة مع التحذير من الرياء والكبر.
هذا الفصل يختم الحديث بتوضيح بعض التفاصيل الفقهية المتعلقة بالسبحة ويطلب النفع الإلهي والصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن فضل ذكر الله جل في علاه، وكيف أن هذه من الأعمال الفاضلة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلمون، وخاصة الصائمون، ونحن في موسم نحرص على اغتنام الأعمال الصالحات. وإن مما أذكره في هذا المقام، تتمة لما مضى من درس أمس، أن أذكر إخواني في الله شيئًا من الصيغ، أيضًا شيئًا من التنبيهات. أولًا، ما يتعلق بالصيغ، هناك أذكار، وهناك أوراد، وهناك صيغ حث عليها الشرع، احرص يا عبد الله على أنك تكثر منها من ذكر الله جل وعلا، أنك تقول: سبحان الله وبحمده، ذكر عظيم، أكثر منه. هذا الذكر الذي جاء في فضله كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص، في وصية نوح لابنه حين موته، قال: «وآمرك بسبحان الله وبحمده، فإنه صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق». فـ«سبحان الله وبحمده» مع أن لها الأجر والفضل الكبير، إلا أن لها كذلك فضلًا على الأرزاق، فالله جل وعلا يرزقك على قدر ما يكون من ذكرك لهذا الورد، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. جاء كذلكم أن هذه الكلمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال سبحان الله وبحمده غرزت له نخلة في الجنة»، ليست أي نخلة، نخلة من نخيل الجنة، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. تريد هذا الغرز؟ تريد أن تكون بستانًا عظيمًا في جنتك؟ لك الآن أن تمضي قدمًا بقولك: «سبحان الله وبحمده» نخلة، «سبحان الله وبحمده» نخلة، سهل أمر، ميسر أمر، ميسر لمن وفقه الله لهذا الذكر والورد. كذلك من الأذكار، أو من ذكر الله جل وعلا، أن تقول: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، إضافة «سبحان الله العظيم»، فقد جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». تأمل يا عبد الله في مآثر هذه الكلمة، خفة في اللسان، ثقل في الميزان، يحبها الرحمن، وهي «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، أكثر يا عبد الله من هذا الورد. كذلك من أذكار، أو من ذكر الله الفاضل، ما يكون من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، التسبيح أن تقول: سبحان الله، التحميد أن تحمد الله، التكبير أن تكبر الله: الله أكبر، التهليل أن تقول: لا إله إلا الله، هذه أذكار. ومن أعظم الذكر الذي يتقرب به العبد إلى ربه، قال عليه الصلاة والسلام: «أليس ما جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ فإن في كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وفي كل تهليلة صدقة». الواحدة صدقة، ما عندك مال؟ أردت أن تكون من عباد الله المنفقين المتصدقين؟ فتصدق يا عبد الله على نفسك بأن تكثر من هذه الألفاظ: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله صدقة، وهكذا الحمد، وهكذا التكبير، وهكذا التهليل. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». من قال: «لا إله إلا الله» فمثل ذلك، ومن قال: «الحمد لله رب العالمين» من تلقاء نفسه، كتبت له ثلاثون حسنة، ومحيت عنه ثلاثون سيئة، فضل عظيم، هذه الكلمة لربما ما تستغرق جزءًا من الثانية، ثانية، «سبحان الله» عشرون حسنة، ليس هذا فحسب، تكتب لك، وتمحى بما يقابلها من عشرين سيئة، وهكذا قل في التكبير، وهكذا قل في التهليل، وأما في الحمد، فالأجر يضاعف: ثلاثون حسنة، يقابلها أن تمحى من سجلاتك ثلاثون سيئة. فاحرص يا عبد الله على أن تجعل لك وردًا من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، كذلك من الأوراد، أنك تجمع بينها، أنك تجمع بين هذه الأمور الأربع، فتجعل من وردك: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، وهكذا تجمع الأربع، وتنظمها في ذكر واحد، هذا له أجر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا يضرك بأيهن بدأت»، رواه مسلم، ما يضرك إذا أردت الترتيب، تقول: «الحمد لله، سبحان الله، الله أكبر، لا إله إلا الله»، عادي. وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». وما الذي طلعت عليه الشمس؟ اطلعت الشمس على الدنيا كلها، الشمس لما تطلع تطلع على الدنيا كلها، على الجبال والبحار، وعلى الخلائق، وعلى الإنس، وعلى الجن، وعلى الأنهار، هذه الكلمات: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، خير من الدنيا وما فيها، خير من الدنيا وما فيها، لكن صبر نفسك يا عبد الله، أكثر من هذا الذكر. ولهذا جاء كذلك في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، هذه الباقيات الصالحات. كذلك، إخواني في الله، من صيغ الذكر الذي له الفضل العظيم عند رب العالمين، ما يكون فيه التهليل والشهادة لله بالوحدانية، فإن هذه شهادة من أعظم الشهادات في الوجود. ولهذا ذكرها في ورد، يجعل هذا الذكر من أعظم الأذكار. وجاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يومه، كان له كعدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان حتى يمسي في يومه، ولم يأت أحد بأفضل مما قال، إلا من زاد». فهذه المناقب الخمس ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام في حق من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، مئة مرة في يومه، مئة مرة. إن جئت بهذا، فلك يا عبد الله هذه الكرامات، لك أجر عتق عشر رقاب، تكتب لك مئة حسنة، تمحى عنك مئة سيئة، وكانت ذلك حرزًا لك من الشيطان، فلا يضرك، حصن حصين، وحرز ثمين من الأبالسة والعفاريت والشياطين. كذلك ما هناك أحد يزاحمك بالفضل يوم القيامة، إلا من أتى بهذا الذكر وزاد. وهذا فضل الله، بعض الناس عنده همة، لربما يأتي بهذا الذكر في الصباح مئة مرة، ويأتي به في المساء مئة مرة، فهذا لا أحد ينافسه ويزاحمه بهذا الخير العظيم. فهذا، إخواني في الله، من الذكر العظيم. الشاهد، إخواني في الله، إنما هذه نماذج، نماذج إلى عظيم الفضل الذي أعده الله جل وعلا للذاكرين. ومن عجيب ما قرأت لبعض أهل العلم والجليل، أنه قال: عبارة تكتب بماء الذهب، قال: «وإن الله يعطي للذاكرين أكثر مما يعطي للسائلين». ذكر هذا ابن عثيمين من عباراته الشهيرة، تكتب بماء الذهب، قال: «وإن الله يعطي للذاكرين أكثر مما يعطي للسائلين»، أكثر من ذكر الله، كما تسبيحًا، تحميدًا، تهليلًا، تكبيرًا، استغفارًا، إلى غير ذلكم. إخواني في الله، أحب في ختام هذا المجلس أن أشير إلى بعض التنبيهات. ونحن في خضم ذكر الله جل وعلا، وخاصة ونحن في هذا الموسم العظيم. إذا كان ذكر الله من الأعمال المحبوبة عند الله وعند رسوله في سائر الأعوام، فهي في هذا الموسم بالذات من أعظم الأجور. إذا سمعتم بالذكر هذا ذكر عام في كل موسم، فما ظنك بموسم رمضان؟ لهذا قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه». تسبيحة في رمضان معنا قد مر معنا أن التسبيحة في رمضان تكتب لك بها عشرون حسنة، وتمحى عنك عشرون سيئة، هذا في سائر الأيام، لكن ماذا قال إبراهيم؟ قال: «تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة مما سواه»، لأن الأجر في رمضان يضاعف. إذا نحن، إخواني في الله، أمام شعيرة عظيمة من شعائر الله، ألا وهو الإكثار من ذكر الله. مما أحب أن أنبه عليه، التنبيه الأول، أن هذا الذكر، إخواني في الله، وهذا العمل هو ميسور، ميسر لكل أحد، للصغير والكبير، للغني والفقير، للمسافر والمقيم، للصحيح والمريض، وللذكر والأنثى، بل جاء التنصيص: «والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا». فلصاحبنا على أن الذكر كذلك مما يكون عند النساء، فعليك يا أمة الله أن يكون لك حظ وبرد من ذكر الله جل وعلا، تسبيحًا، تحميدًا، تهليلًا، تكبيرًا، فلا تفوت على نفسك الفرصة، وأنت في هذا الموسم العظيم. الفائدة الثانية، أن ذكر الله جل وعلا يكون معنا في كل أحوالنا، وفي كل أوقاتنا، وفي كل أزماننا، وعلى أي هيئة من هيئات شأننا، ما هناك هيئة خاصة تكون فيها حتى تذكر الله. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، أمر واسع، أمر واسع، فلا تظن أن ذكر الله مقيد بهيئة معينة، تذكر الله وأنت قائم، تذكر الله وأنت جالس، تذكر الله وأنت مضجع على فراشك، تذكر الله جل وعلا وأنت تمشي، تذكر الله وأنت في برك، تذكر الله وأنت في بحرك، تذكر الله وأنت في جوك، تذكر الله جل وعلا وأنت في مدرستك، وأنت في إدارتك، تذكر الله في كل أحيانك، ما هناك محل معين أو هيئة تشكيل تلتزم بها حتى تأتي بذكر الله. فهذا، إخواني في الله، يفتح لنا آفاقًا عظيمة فاتت على كثير من الناس. مثاله، بعض الناس مثلًا إذا صلى جماعة، فإن من الأذكار: «سبحان الله، والحمد لله، والتكبير» بعد الصلاة، لربما يأتي إليه طارئ، يخرج من المسجد مستعجل لأمر ما، هل معنى ذلك أنك تتحلل عن الأذكار؟ لا، كمل الذكر وأنت تمشي، كمل. لربما يأتيك اتصال بعد السلام: «يا أخي، تعال نريدك تأتي الآن، افتح المحل، أهل البيت يريدونك تذهب بدراجاتك أو تذهب مشيًا»، لكن في طريقك كمل، كمل، كمل. ولهذا، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: «ومن لم يستطع الإتيان بالذكر في مصلاه، فليأت به في ممشاه»، الأمر واسع. لكن قطع عن الذكر. كذلكم المرأة، كما أصبحت عادة عند بعض النسوة، أن إذا تلبست بالصلاة، ولبست القميص، وجلست في سجادتها، هنا يبدأ الذكر، فإذا طلب منها الحركة، ما تقول: «أستطيع أن أتحرك، يا أمة الله، فلان، يا أمة الله، شغل فلاني، ما أستطيع، تبقى محبوسة في المحل»، لماذا محبوسة؟ محبوسة بقميصها وبسجادتها، لا، يا أمة الله، إذا طرأ عليك طارئ، قومي وتحركي، وكملي الذكر، كملي الذكر وأنت في ممشاك، وأنت في مدخلك ومخرجك: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. التنبيه الثالث، مما أنبه عليه في مسألة الذكر، إخواني في الله، مسألة مهمة، ألا وهي: هل يشترط الاستحضار، بمعنى التفكر، التأمل في الأذكار والأوراد؟ استحضار القلب شرط؟ الذي ينبغي أن نعلمه في هذه المسألة، أن الأصل أن ما تتلفظ به من الأمور التي تريد منها الثواب الأكمل والأفضل والأحسن، احرص يا عبد الله على أن ينشغل اللسان مع الجنان، ينشغل اللسان بالتلفظ، وينشغل القلب بالتفكر، هذه قمة، هذه قمة الاستحضار، اللسان مع القلب، أنك تتأمل: «سبحان الله»، تنزيه لله، «الحمد لله»، الثناء والشكر لله، «الله أكبر»، التمجيد والتعظيم، فلا هناك أعظم منه جل في علاه، هذا الاستحضار طيب، وهذا به الذي يكون به التأثير على القلب، على النفس. لكن هل هذا شرط؟ الجواب: لا، ليس هذا شرطًا، بمعنى أنه من لم يستحضر وأتى بالذكر، ما يؤجر؟ الجواب: يؤجر، يؤجر. وقد نبه على ذلك العلماء، كما أشار إلى ذلك الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، قال في «تحفة الذاكرين»: «ولم يرد التقييد»، ولم يرد التقييد بالوعد بالثواب عليها بقيد التفهم والتفكر، أي: أنك من تأمل، وقد رأيتم، سمعتم النصوص، القرآن، السنة النبوية، ما هناك شرط اسمه: «من قال متفهما»، بل «من قال»، «من قال: سبحان الله»، «من قال: لا إله إلا الله»، «من قال»، قولك يكفي أنك تؤجر، لكن لا شك إذا كان هذا الكلام مصاحبًا للتفكر، فالأجر يعظم، لكن قولك يكفي. كما قال الشوكاني: «ولم يرد التقييد بما وعد به من ثوابها بالتفكر والتأمل»، أي: ما هناك شرط، إذا ما جئت بالورد متفكرًا، ما لك أجر؟ لا، تؤجر. فإذا كان الذهن شاردًا مثلًا، وأتيت بالذكر، يكفيك، تؤجر. بما أن اللسان تتلفظ بذكر الله. وهذا، إخواني، فائدة عظيمة في حق من؟ في حق الموسوس، الذي أثقل كاهله وأشغل نفسه في مسألة الاستحضار، حتى أدخله الشيطان في دوامة الوسوسة. من عاشر الموسوسين يعلم مصداق ذلك، تجد مثلًا بعض الموسوس إذا أراد أن يصلي، يبقى قائمًا برهة من الزمن، ما يستطيع أن يكبر، التكبير سهل: «الله أكبر»، لكن لماذا يتثاقل عن التكبير؟ يقول: «أنا أستحضر التكبير، الله، الله»، يعلق، يبقى، يبقى، يبقى. وقد أخبرت في مجالس قديمة، قد ذكروا قصصًا واقعية، واقعية، يأتي من أمثال هؤلاء، يتصدرون للإمامة، فيؤخرون الناس بعدهم، الناس ينتظرون: «كبر يا عبد الله، كبر»، يعلق، يعلق، بحجة ماذا؟ «استحضار التكبير»، هذه وسوسة، وسوسة، يا عبد الله، إذا استحضرت إذا استحضرت الذكر والورد مع التلفظ، أنعم به لك، إذا ما استطعت، ورأيت أن الشيطان يدخل عليك المداخل الكثيرة، أغلق هذا الباب، وقل: «الله أكبر، رحمك الله»، وهكذا قل في التسبيح والتحميد، وهكذا قل في أذكار الصباح والأوراد، وهكذا قل في أذكار التحصين. بل لربما، وخاصة في حق النساء، أنت لربما تأتي بالأذكار أو تأتي بالتحصين على غيرك، ما هي إلا دقيقتين، وانتهيت، تأتي بالمعوذتين، وتأتي بقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وتأتي بألفاظ وأوراد التحصين. والذي بجنبك الموسوس، تذهب وترجع، وتمطلع، وتصعد، ولا يزال، فاشتفع لها، يا عبد الله، ما الذي تفعله؟ أمة الله، قالت: «أستحضر»، هذه وسوسة، فلا تنشغلي بهذا، فإن الأجر يحصل، كما قال العلماء، فقط بالذكر، إذا وجد استحضار، كان بها، ما وجد الاستحضار، فلا تكون ألعوبة للشيطان، يتلاعب بعباد الله من الوسوسين، حتى أدخلهم إلى هذا التشتت، خرج من الاستحضار، أصبح متشتت الأذهان. الفائدة التي أختم بها المقام، مسألة كذلك من المسائل المتعلقة بالذكر، هل الأمر يحتاج إلى سبحة؟ السبحة أحيانًا الذكر يحتاج إلى عد، من قال: «ثلاثة وثلاثين، ثلاثة وثلاثين، ثلاثة وثلاثين»، من قال: «مئة مرة»، أحيانًا مثل هذه الأشياء تحتاج إلى إحصاء، إلى عد، فهل يجوز استخدام السبحة في هذا المقام؟ أولًا، ينبغي أن نتفق، إخواني في الله، على أن الإنسان يحرص على أنه يعقد التسبيح من غير احتياج لأي شيء، يكتفي بنفسه، ويعقد التسبيح بيده، هذه السنة، وقد جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه قال لأحد النسوة: «عليكن بالتكبير والتهليل والتقديس، وعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات، مستنطقات». فالإنسان يحرص، يجعل جسمه يشاركه في الأجر، لأن اليد إذا دخلها التسبيح والتحميد، فإنها تشهد لك يوم القيامة، الأعضاء تشهد، تتحدث يوم القيامة، تتحدث، الرجلان تتحدث، العيون: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء». فإذا أردت يا عبد الله أن تستفيد من شهادة الأعضاء، فعمرها بطاعة الله، بحيث تشهد لك يوم القيامة بالخير. ولهذا قال نبينا: «أعقدن عليهن بالأنامل، فإنهن مسؤولات، ستسأل، مستنطقات، ستتكلم، فتشهد بماذا؟ يا رب، كان يسبح بنا، يا رب، كان يكبر بنا، يا رب»، فيشهدون لك بالخير. إذن، هذا الأصل، أنك تحرص يا عبد الله، كما جاء في الأحاديث، وهذا الذي عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. لكن قد يشكل هذا الأمر عند من لا يحسن العد، كحالي، ونحو هذه المسألة، كحالي، بعض كبار السن، بعض الذي عنده التشتت، ما يستطيع. فقال العلماء: إذا احتاج الإنسان إلى وسيلة تعينه على العد، فلا بأس باستخدامها حينها، فقد كإعانة للعد، ما يستطيع في الأصابع، يضيع، الله ما يوصل، وان وصل عشرين، ثلاثين، يا إخوانا، ضايع، يعيد، فما أدري، وان يوصل. فإذا كان الإنسان ما يستطيع أن يتأقلم مع الأنامل في قضية العد، فلا بأس أن يستعين بما يعينه على العد، ولو باستخذام مسبحة، بهذا القيد فقط، من باب الإعانة على العد والإحصاء. وهذا في حق طائفة من الناس، وما سوى ذلك، فلا. فمن ظن من ظن أن اتخاذ المسبحة أفضل من التعقيد بالأنامل، فهذا قد وقع في حد البدعة. ومن هذا الذي يقول: «إن المسبحة أفضل»، والذي يأتي بالأحاديث الموضوعة في هذا الباب، ما أحد يقول بهذا قط، فهذا تنطع. من يأتي لنا بآلة، ثم يقول: «هذا أفضل من التعقيد»، لا، لا تقول: «أفضل»، ما عندي أفضلية، يقول: «هذا مستحب، وأن هذا أجرها أعظم»، كحال بعض المبتدعة، هذا لا يجوز. كذلك من أراد أن يتخذها رياء وسمعة، كما يقول العلماء، وكما أشار شيخ الإسلام، كحال من يتخذها رياء وسمعة، يجعلها على رقبته، أو يجعلها معقودة، إسوار على معصمه، حتى يرى الناس أنه من الذاكرين لله كثيرًا، هذا محرم. أو يتخذها المسبحة للكبر والزهو، هذا كذلك. ففي بعض الأماكن يختار المسبحة التي لربما تصل سعرها إلى عشرات الآلاف، لماذا؟ هذه من زبرجد، هذه من الأحجار الكريمة، تذكر الله بها، ولا تدع أن تفاخر بها، هذا لا يجوز. فهذه المحاذير انتبه منها، لأنها قد دخل عليها الداخل على أصحابها. ومن ما يتخذ للهو، إذا جلس في ديوانية مع أصحابه، قبل الجوالات طبعًا، كان يأتي بمسبحته، يحركها يمنى ويسرى: «إيش هذه؟ لعبة؟ ولا إيش هذا؟ أنت جئت لذكر الله؟ ولا جئت تلعب بها في المجلس؟» هذا لا يجوز، هذا انتبه، إخواني، فيها مثل هذه المسائل. ولهذا، إذا يمكن الترخيص بأمر المسبحة في هذه الحالة فقط، والتي أشار إليها كبار العلماء، في مسألة من احتاج إليها في مسألة العد فقط. وهذه نعم، مسائل واقعية، يأتي من يأتي ويشتكي أن ما يستطيع أنه يعقد، يضيع، ككبار السن، ككبار السن، فحينها في هذه المسبحة فيها فواصل، هنا ثلاثون، وهنا مئة، وكذلك، فهذا إن شاء الله لا بأس به. هناك مسائل، إخواني في الله، ولا أطيل عليكم بالمقام، وقد أطلت. فالشاهد من درس اليوم، إخواني في الله، فيه التنبيه لبعض صيغ ذكر الله جل وعلا، من قولك: «سبحان الله وبحمده»، أو بقولك: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، أو من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، أو ما يكون من الجمع بينها: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، أو من قولك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وما ذكر إنما هي نماذج، وهذا بحر لا ساحل له. ثم كانت الإشارة إلى أهم التنبيهات التي ينبغي أن نحرص عليها، ونحن في خضم ذكر الله، أولاها: أن يعلم أن الجميع مخاطب بهذا، الصغار والكبار، والذكور والإناث. ثانيًا: أنك مخاطب بالذكر في أي أحيانك، في كل أوضاعك. ثالثًا: ما يكون من الاستحضار، وأن هذا ليس من اللازم. كذلك ما كان من مسألة ما يتعلق بمسألة السبحة، وأن ذلك إذا على قول من يقول بجوازيتها في حالة خاصة، ولا يوسع المقام لغير هؤلاء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.