الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الدرس القاعدة النحوية التي تفيد بأن المفرد المضاف يدل على العموم كاسم الجمع، مستشهداً بآيات قرآنية تشمل الصلاة والنُّسك والمحيا والممات. كما يطبق القاعدة على مقام إبراهيم وملته موضحاً شمولها لمشاعر الحج وأعمال التوحيد، ويختتم بالأمر بالاقتداء بهدي الأنبياء.
يشرح المقطع كيف أن كلمة "هداهم" و"صراطي" بصيغة المفرد المضاف تدل على شمول هدي الأنبياء وصراط الله لجميع العلوم النافعة والأخلاق الزاكية والأعمال الصالحة. ويستخلص قاعدة أصولية بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا، مؤكداً أن الصراط المستقيم يشمل الاعتقاد والعمل والانقياد معاً.
يشرح المقطع قاعدة نحوية بلاغية مفادها أن الاسم المفرد إذا أضيف أفاد العموم، ويستشهد بآيات مثل ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ و﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ و﴿بِعَبْدِهِ﴾ و﴿أَمْرُنَا﴾. مبيناً كيف أن الإضافة تجعل اللفظ شاملاً لجميع أفراد المعنى من مقامات العبودية، وأنواع العبادات، وأمر الله الكوني.
يشير المقطع إلى أن طالب العلم يستفيد علماً غزيراً من هذه القواعد النحوية والأصولية المذكورة. ثم يختم بالاكتفاء بما ذُكر مع تفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. وبعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي القاعدة: "المفرد المضاف يفيد العموم كاسم الجمع"، وأخذنا بعض الشيء من هذه القاعدة عند قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]. فقوله: "صلاتي" مفرد مضاف، يشمل جميع الصلاة: واجبها ونافلتها، والسرية منها والجهرية. كل ما يقوم من صلاة: صلاة الجنازة، صلاة العيد، صلاة الاستخارة، أي صلاة تدخل في عموم هذا اللفظ؛ لأنه مفرد مضاف. ومثله النُّسُك: نُسُك الأضحية، نُسُك الهدي، نُسُك العقيقة، كل ما يتقرب به من ذبح فيدخل في عموم هذه اللفظة. وقوله: "وجميع ما للعبد فيه وعليه في حياته ومماته" يشير إلى قوله: ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ﴾. فحياة الإنسان يجب أن تكون لله، بمعنى: تكون في طاعة الله، لا في معصية الله عز وجل. فيكون ذلك كما ذكر: "جميع ما للعبد فيه وعليه في حياته ومماته". ومماته يكون لله عز وجل، فيدخل في ذلك جميع الأعمال، جميع الطاعات، جميع القربات، جميع ما يحبه الله ويرضاه؛ لأنه لفظ مفرد أضيف. وقوله: "الجميع من الله فضلاً وإحساناً، وأنك قد أتيت ما أتيت منه وواقعته وأخلصته لله وحده لا شريك له". طيب. وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة: 125]. الشاهد: "مقام"، "مقام" مفرد، "مقام" مفرد أضيف إلى إبراهيم. قال: على أحد القولين إنه يشمل جميع مقاماته في مشاعر الحج، اتخذوه معبداً. فمن مشاعر إبراهيم: الوقوف بعرفة، من مشاعر إبراهيم: الوقوف في مزدلفة، من مشاعر إبراهيم: رمي الجمار، الطواف بالبيت، السعي. كل هذه من مشاعر إبراهيم، من مقام إبراهيم. هذا على أحد القولين في تفسير الآية. والقول الثاني: أن المراد بمقام إبراهيم هو المقام الذي يعني بناه إبراهيم عندما بنى الكعبة، لما ارتفع البناء فصعد عليه، فكان ابنه إسماعيل يناوله الحجر وهو يبني الكعبة حتى أكملها، وهو الآن المقام الموجود. ولكن كان هذا المقام ملاصقاً لجدار الكعبة. طيب. ففي عهد عمر، لما ازدحم الناس وصار هذا المكان مكان الطواف يعيق الطائفين لوجود من يصلي خلفه، أخره عمر. هذا التأخير الذي هو موجود الآن، طيب، الذي هو موجود الآن، وإلا فكان بالقرب من جدار الكعبة؛ لأنه كان يصعد عليه ويبني الكعبة، ويناوله ابنه إسماعيل الحجر. فعلى القول الأول: أن جميع مقاماته هذا نعم يشمله هذه القاعدة. أما على القول بأن المقام هو هذا الموجود، فلا يكون شاهداً في الآية. وقال: "وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [النحل: 123]. ملة هنا مفرد، طيب، فهي ليست عملاً واحداً، بل هي أعمال كثيرة، بل هي أعمال كثيرة، وهذا شامل لكل ما كان عليه إبراهيم من التوحيد والإخلاص لله تعالى، والقيام بحق العبودية. فجميع ما أمرنا أن نقتدي بنبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيه يدخل في هذا العموم. أين استفدنا هذا العموم؟ من إضافة المفرد إلى غيره. وقال: "وعم من ذلك وأشمل قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]، لما ذكر الأنبياء. أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده. الشاهد: "هداهم"، "هدى" مفرد أضيف إلى الضمير، فيشمل جميع ما كان عليه الأنبياء. وقوله: "أعم من ذلك وأشمل"، لأن الآيات الأولى فيها ذكر إبراهيم فقط، طيب، نبي واحد. وأما الآية التي بعدها ففيها ذكر الأنبياء جميعاً، فهذا أشمل، وكذلك أعم. قال: "فأمره الله أن يقتدي بجميعي" - يعني: أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة، والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم. فإذن: "هداهم" يشمل كل ذلك. استفدنا هذا العموم من إضافة المفرد. وقال: "وهذه لا يحَدُّ الأدلة على الأصل المعروف: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه". هذه قاعدة جليلة من القواعد الأصولية: أن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن بشرط أنه لم يأتِ في شرعنا ما يخالفه. أما إذا جاء في شرعنا ما يخالفه، فالعبرة بما جاء في الشرع. واستدل بهذه القاعدة - يعني: أخذ هذه القاعدة من الآية - لأننا أمرنا بأن نهتدي بهدي من كان قبلنا. فكل ما جاءت به الرسل، ولم يأتِ به شرعنا، ولم يخالف شرعنا، فواجبنا الأخذ به، فهو شرع لنا. هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم. قال: "وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه، ويريد بأصول الدين: المعتقدات، ويريد بالفروع: الشرائع والأعمال". وقال: "وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾ [الأنعام: 153]. فقوله هنا: "صراطي" هنا مفرد أضيف، فيشمل جميع ما في هذا الصراط. فصراط الله عز وجل هو التوحيد، والعقيدة، والأخلاق، والعبادات، والأعمال، فيشمل هذا كله. فلا يكون على الصراط المستقيم من أخذ بما جاء في هذا الصراط من العقائد، وترك المنهج والسلوك الذي يسير عليه، أو أخذ بالأخلاق وترك الاعتقاد، أو أخذ بالعبادات وترك الاعتقاد، وهكذا. فهذا عام يشمل جميع ما في هذا الصراط. ولذا قال: "وهذا يشمل جميع ما شرعه لعباده، لأنه من صراطه". جميع ما شرعه الله لعباده فهو من صراطه المستقيم: فعلاً وتركاً، اعتقاداً وانقياداً. فعلاً وتركاً: يعني فعل المأمور، وترك المحظور. واعتقاداً: بمعنى ما يكون في القلب من الاعتقادات. وانقياداً: يعني استسلاماً وخضوعاً لشرع الله عز وجل. وأضافه إلى نفسه بهذه الحيثية: كونه هو الذي نصبه لعباده. فمن الذي نصب هذا الصراط للعباد؟ هو الله، فنسبه إليه، أو أضافه إليه إضافة ماذا؟ كما ذكر هنا: إضافة الشيء إلى ناصبه، إلى ناصبه. فهو الله عز وجل، كما أضافه الذين أنعم عليهم في قول: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]. كذلك "صراط" هنا مفرد أضيف إلى "الذين"، فهو يعم كل ما كان عليه هؤلاء المنعم عليهم. ماذا كان عليه الأنبياء؟ لأن المنعم عليهم جاء بيانهم في سورة النساء: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. فكل ما كان عليه هؤلاء الأنبياء، والصدّيقون، والشهداء، والصالحون، فهو من الصراط الذي ندعو كل يوم في كل ركعة من ركعات صلاتنا أن يهدينا الله عز وجل إياه. انظر أين استفدنا هذا العلم كله؟ من أين استفدنا هذا؟ من إضافة المفرد، من إضافة المفرد. المفرد إذا أضيف يفيد ماذا؟ العموم. هذه قاعدة عظيمة، وقاعدة مفيدة جداً. قال: "كما أضافوا الذين أنعم عليهم في قول: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، فهم السالكون له". فالصراط أحياناً يضاف إلى من نصبه، وأحياناً يضاف إلى من سلكه. واضح: أحياناً يضاف إلى من نصبه في قوله: "صراطي"، وأحياناً يضيفه إلى من سلكه، وذلك في قوله: "صراط الذين". قال: "فالذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، الذين كانوا دائمين عليهم من العلوم، والأخلاق، والأوصاف، والأعمال. أي: كل ما كانوا عليه، كل ما كانوا عليه داخل في هذا المعنى". وقال: "وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]. الشاهد: "بعبادتي"، "عبادة" هنا مفرد أضيف، فيشمل أي عبادة. يشمل ماذا؟ أي عبادة. قال: "يدخل في ذلك جميع العبادات الظاهرة والباطنة. الظاهرة: مثل الصلاة. الباطنة: مثل التوكل، الخوف، الرجاء. والعبادات الاعتقادية والعملية. الاعتقادية: مثل اعتقاد أن الله هو المنفرد بالعبادة، هذا مما يكون في القلب. طيب. والعملية: كالسجود لله عز وجل، والصلاة لله سبحانه وتعالى. هذا كل من العبادات العملية". "كما أن وصف الله لرسوله بالعبودية، حيث نال أشرف المقامات بوفائه لجميع مقامات العبودية. أي: بمعنى يريد أن الله عز وجل في أكثر من آية أضاف "عبده"، أي: النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الإضافة تفيد العموم: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ [الإسراء: 1]. "عبد" واحد، مفرد، لكنه لما أضيف فهذا يعم. فمن عمومات هذه اللفظة: "عبده"، نال أشرف المقامات بوفائه لجميع مقامات العبودية. طيب. فيشمل جميع مقامات العبودية: من إخلاص العبادة لله، ومن الإتيان... التوكل على الله بأعلى مراتبه، والخشية، والعبادات الأخرى. فهو أعبد الناس عليه الصلاة والسلام، فيشمل ذلك كله. من أين استفدنا هذا العموم؟ من إضافة المفرد: "عبده". يشير إلى هذا في قوله: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36]. "عبده" مفرد أضيف، فيشمل. فكلما كان العبد أقوى بحقوق العبودية كانت كفاية الله له أكمل وأتم. فـ "عبده" هنا يشمل كل مقامات العبودية. طيب. فمن نقص شيئاً من هذه المقامات نقصت كفاية الله له، نقصت كفاية الله له. طيب. قال: "فكلما كان العبد أقوى بحقوق العبودية كانت كفاية الله له أكمل وأتم، وما نقص منها نقص من الكفاية بحسبه. فكل مؤمن له حظ من كفاية الله بحسب قيامه بالعبودية، لحسب قيامه بالعبودية. فمن كانت عبوديته لله أكمل وأتم كانت كفاية الله له أكمل وأتم". نعم. وقال: "وقول: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر: 50]. "أمرنا": "أمر" مفرد أضيف، فيشمل كل أمر. ولذلك قال: "وإنما قولنا لشيء إذا أردناه..." الإرادة هنا بمعنى الأمر، وهو الإرادة الكونية أو القدرة الكونية. قال: "يشمل جميع عوالمه القدرية الكونية". وهذا في القرآن شيء كثير. فكل ما قضاه الله وأمر به يدخل في هذا: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾. فأي أمر مهما عظم فهو من الله سبحانه وتعالى كلمح بالبصر، كلمح بالبصر؛ لأن لفظ "أمرنا" عام، مفرد أضيف. فهي قاعدة نافعة. لو تتبعت أمثلتها لوجدت لها مئات، ربما ألوف الأمثلة من القرآن ومن السنة. فبهذا يستفيد طالب العلم هذا العلم الغزير والعلم الكثير من مثل هذه القواعد. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.