12 فضائل الأعمال في شهر الصيام - تنبيهات على ذكر الله والصلاة على النبي

12 فضائل الأعمال في شهر الصيام - تنبيهات على ذكر الله والصلاة على النبي

الدرس في 12 فضائل الأعمال في شهر الصيام - تنبيهات على ذكر الله والصلاة على النبي، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

كيفية الصلاة على النبي وتقيد الصيغ

يتناول كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، موضحًا أهمية التقيد بالصيغ والأعداد المحددة. يشدد على ضرورة اتباع السنة النبوية في هذا الشأن.

التحذير من ابتداع صيغ للصلاة

ينبه على خطر ابتداع صيغ للصلاة على النبي غير مشروعة، ويحذر من تخصيص أعداد أو صيغ معينة دون دليل من السنة. يشير إلى أن بعض الفرق الضالة ابتدعت صيغًا خاصة.

أهمية التلفظ والنطق في الأذكار

يناقش أهمية التلفظ في الأذكار والقرآن، ويشدد على ضرورة النطق لتحقيق الفائدة المرجوة. يختلف العلماء في شرط التلفظ بين سماع النفس وتحريك الشفتين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن فضائل الأعمال، ما يكون من كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأشرنا إلى فضائل هذه العبادة وهذه القربة، ثم أشرنا إلى بعض المسائل، وهنا كذلك في هذا المقام تتمة لبعض المسائل المتعلقة بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وبغيرها من المسائل. أولى هذه المسائل، إخواني في الله، أولاً، إذا علمنا فضيلة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تكون الصلاة عليه؟ كيف يكون الإنسان معدودًا من المصلين عليه، صلوات ربي وسلامه عليه؟ قال العلماء: بأن الإنسان يكون مصليًا على رسول الله بأحد طريقتين. الطريقة الأولى: بأن يأتي بالصيغة الكاملة التامة، وهي الأفضل والأحسن، وضابطها هو التي علمنا إياها نبينا عليه الصلاة والسلام، كأن تقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». ثبت ذلك في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة، هذه تسمى صيغة كاملة، صيغة كاملة وافية. ومثلها كذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا الصلاة عليه بقوله: «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وهذه الصيغ كثيرة، ولله الحمد، ما يقارب عشر صيغ، وهي صيغ قام نبينا بتعليم الأمة لها، هذه احرص عليها، هذه الأكمل والأفضل والأحسن. الطريقة الثانية: الاختصار، أنك لا تأتي بهذا الذكر بكماله، وإنما تأتي بمقطع منه، اللهم صل على محمد، كذا، اللهم صل على محمد، هذا يكفيك، أو «صلوات ربي وسلامه عليه» يكفيك، «صلى الله عليه وسلم» يكفيك، هذا يسميه العلماء الصيغة المختصرة، وهي مجزئة. فأنت بين أمرين: إما أن تأتي بالأكمل، وهذا أفضل والأعظم أجرًا، أو أنك تأتي بالمجزئ، وهذا يكفيك، فأنت مخير بين هذا وذاك. مثاله مر معنا أن من المواطن التي يصلى فيها على النبي أن يكون بعد الأذان، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي. فإذا قال المؤذن: «لا إله إلا الله»، لك أن تقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم»، تأتي بصيغة كاملة، هذا لك، أو تقول: «اللهم صل على محمد»، هذا لك، هذه الصيغة الكاملة، وهذه الصيغة الدون. ومر معنا أن من أماكن الصلاة عليه في الدعاء، عندما تدعو ربك، أنت بالخيار، بعد الثناء على الله، «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»، تأتي بكماله، أو تريد أن تختصر، بعدما أن تثني على الله، «اللهم صل على محمد»، رب اغفر لي وارحمني، تدخل مباشرة. فهناك لفتة في الصلاة على النبي، هذا إخواني في الله مما ينبغي أن يتنبه له، أنت في مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، إما أنك تأتي بصيغة كاملة، وضابطها التي علمنا إياها نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذه أكمل وأعظم وأفضل، أو أنك تختصر، تأتي بها اقتصارًا، فهذا كذا يجزيك، وتعد بهذا مصليًا على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكذلك إذا أردت أن تكثر، أنت بين هذا الإكثار، إما أن تأتي بالصيغة الكاملة: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت»، وتجعلها وردًا، أو أنك تختصر، لك هذا ولك هذا. المسألة الثانية التي أحب أن أنبه عليها، ونحن في هذا المقام، ما يتعلق بضرورة التقيد. مر معنا في مسألة ذكر الله جل وعلا أن الذكر على قسمين: ذكر مطلق، وذكر مقيد. الذكر المطلق: وهو الذي يكون في كل أوقاتك، وفي كل أحوالك، في ليلك ونهارك، في مدخلك ومخرجك، تسبيحًا، تهليلاً، تحميدًا، تكبيرًا، من غير حد ولا عدد، هذا ذكر مطلق. وهناك ذكر مقيد: وهو الذي جاءت الشريعة بتقييده في أماكن معينة، وكذلك بأعداد معينة، فأنت لا تتجاوزها. كما جاء في الحديث: «من قال دبر كل صلاة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين»، هذا ذكر مقيد، تسبيح مقيد بعدد، في محل، وهكذا. قل مثل ذلك في مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فإما أنك تجعلها وردًا عامًا، تجعلها من الصيغة المطلقة، بأن تذكر، تصلي على نبيك متى ما شئت، في حلك وترحالك، في ليلك ونهارك، في مدخلك ومخرجك، في أي وقت مطلقًا، تكثر من الصلاة عليه، صلوات ربي وسلامه عليه. أو أنك تأتي بهذا الورد في أماكنه، قد مر معنا بعض الأماكن، كثير الأماكن التي جاءت في السنة، متى يصلى على نبيه خاصة، تتقيد بهذا. فأنت في هذا المكان المقيد، احرص -عبد الله- على أن تتقيد بالصيغة، وعلى أن تتقيد بالعدد إن جاء العدد، لا تتجاوز هذا، لا تتجاوز هذا. إذ أن التقييد، مسألة التخصيص، هذه من خصائص الشرع، لا تعود إلى أي شخص، لا تعود إلى أي شخص. فما يأتي أحد فيأتي لنا بصيغة، يقول: يا شباب، يا أمة محمد، هذه الصيغة في الصلاة عليه من أفضل الصيغ، ويجعلها أفضل مما جاء به رسول الله، أو يأتي بعدد من صلى على رسول الله عدد كذا، فإنه سيتحصل على كذا وكذا. من أين جاءت لك هذا التخصيص من العدد؟ ومن أين جاءتك الأجور؟ ما الذي أوحى لك؟ فما يجوز -إخواني في الله- التخصيص بأنك تأتي بصيغة تفضلها على الصيغة المذكورة عن رسول الله، أو أنك تأتي بأعداد ثم توهم أن لها أجورًا. وهذه بلية -إخواني في الله- حصلت من بعض من خرج عن جادة السنة، وقل علمه، وقل ورعه، إذ أنه ينبري للناس فيخرج لهم صيغًا من عند نفسه، ثم يزعم أن لها من الأجر ما الله به عليم. مثاله: «صلاة الفاتح»، «صلاة الفاتح» هذه صلاة مأخوذة من الفرقة التيجانية، من الفرق التيجانية، والتي يزعم صاحبها أن من صلى على رسول الله بقوله: «اللهم صل على محمد الفاتح لما أغلق، الخاتم لما سبق، الذي تنزلت عليه علوم الحقائق، والذي عجزت عنه علوم الخلائق» إلى آخره، صاحبها يزعم أن هذه الصيغة من صيغ الصلاة أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة. من يأتي بهذا الكلام أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة، من هذا الذي يتجرأ بأنه يزعم هذا الزعم؟ مثال آخر في فرقة ثانية، كذلك من الفرق، ممن تزعم أن من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أنك تقول: «اللهم صل على من إن شقت عنه الأسرار، وانفلقت عنه الأنوار، اللهم صل على محمد» إلى آخره. صاحبها، وهو النبهاني -رحمه الله، نسأل الله أن يتجاوز عنه- ذكر أن هذه الصيغة من صلاة على النبي أنها من خيرة وأفضل الصيغ، وأن من قالها فإنه يتنزل عليه الفتح الإلهي والمدد الرباني، هذا كله يتنزل على هذه الصيغة. من أين جاءت هذه الصيغة حتى تزعم لنا هذه الفضائل والمناقب؟ أو آخر يقول: من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول: «اللهم صل على محمد نورك الساري، ومددك الجاري، واجمعني به في كل أطواري»، ويجعل أن هذا من أفضل الصيغ، من الصيغة المأخوذة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم تكمن البلية إذا حوج هؤلاء، واحتججت على هؤلاء بأن هذا من أين جئتم به؟ لقالوا جميعًا أن هذا مأخوذ من رسول الله. كيف مأخوذ من رسول الله؟ من رواه البخاري أم مسلم أم أصحاب السنن والمسانيد؟ قال: لا، لا، نبينا أتى عندنا مباشرة في المنام، أتى مباشرة. التيجاني يزعم هذا، والنبهاني يزعم هذا، وذاك الأخير يزعم بهذا، بأن النبي أتى إليه وعلمه، وأنه يعلمه أصحابه. ولهذا ما من فرقة من فرق الضلال إلا ولهم صيغة، التيجانية، القاديانية، الرفاعية، النقشبندية، وقس على ذلك من هذه الفرق الضالة، كل له صلاة يزعم أن النبي علمها لأصحابه، فهو يستميت عليها، ويفضلها حتى على القرآن. هذا كله من الابتداع والضلال، احذر -يا عبد الله- من التجاوزات في هذا الباب، افتح البخاري، افتح مسلم، هذه الكتب التي جمعت ما صح عن رسول الله، وتمعن في صلاته عليه الصلاة والسلام، اقرأها، يكفيك، والأجر كامل، أما دونها فهناك النقصان، بل ربما كانت الصيغة مردودة على وجه صاحبها، لما فيها من التجاوزات، وما فيها من المخالفة. يكفيك -يا عبد الله- «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد» إلى آخره، سهل ميسور، ما هناك تنطع، وما هناك تكلف، وما هناك اختلاق بأن النبي علم فلانًا، وعلمنا فلانًا، تارة في اليقظة، وتارة في المنام. لا تبتدع -يا عبد الله- في دين الله. التنبيه الثالث مما أحب أن أنبه عليه في مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة، وهي كذلك في عموم ذكر الله، أنك لا تفعل ذلك على وجه جماعي، أو ما يسمى بالذكر الجماعي، هذه ليس من الأمور المستحسنة، أو من الأمور المرغوب فيها. عند ذكرك لله، أو عند صلاتك على النبي عليه الصلاة والسلام، بأن يجتمع قوم، بأن يجتمع قوم فيذكرون الله تسبيحًا، تهليلاً، لكن على وتيرة واحدة، الكل من أول ما يبدأ إلى أن ينتهي، وكلهم على صوت واحد، صوت جماعي، هذا قد يكون في التسبيح والتهليل، كما يفعل في بعض المناسبات، بعض الصلوات، أو يكون في الزوايا، أو يكون في المناسبات، أو ما يكون من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما يفعل في بعض الموالد، وفي غيرها من المقامات. ليكون ذكر الله جماعيًا، أو تكون الصلاة على النبي جماعية، هذا من الابتداع، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمنا الذكر، التسبيح والجميع، والاستغفار، والتكبير، ما أتى بهذا جماعيًا، وهو الذي -صلوات ربي وسلامه عليه- علمنا كيفية الصلاة عليه، ما دل على أن تكون ذلك بصوت جماعي. وإنما الكل يأتي بهذا الورد لنفسه، ففرق بين الذكر الجماعي، وبين الاجتماع للذكر. وهذه من المتشابهات التي تلبس بها أهل الضلالات، أنهم يخلطون بين مسألتين: بين الذكر الجماعي، والاجتماع للذكر. نحن في هذا المجلس، ماذا يسمى؟ يسمى الاجتماع على الذكر، هذا اجتماع على الذكر، نجتمع كلنا في هذا المقام على أن نستمع للذكر، هذا اجتماع للذكر، هذا مستحب، ومرغب به. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، الآثار والفضائل الكثيرة، لكن عكسه، وهو خلافه، الذكر الجماعي، بأننا إذا اجتمعنا نذكر الله كلنا مع بعض، رفعًا ونزولاً، بداية ونهاية، هذا من الابتداع. ولهذا، ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- عندما خرج إلى أحد الحلق الذي كان في بلاد أهل الكوفة، فكانوا حلقًا حلقًا، وهم ينتظرون الصلاة، لكنه استغرب منهم الهيئة والكيفية، إذ أن في هذه الحلق ما منها من رجل إلا ويقول لأصحابه: كبروا الله مئة، فيكبرون، هللوا الله مئة، فيهللون. فأنكر ابن مسعود ذلك، وأخبرهم أن هذا ليس من سنته -عليه الصلاة والسلام-. فذكر الشراح للحديث أن من أخطاء هؤلاء أنهم ذكروا الله بالصوت الجماعي، فكان هذا محل استياء أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ولهذا، من أراد أن يذكر الله، فليذكر الله لنفسه، ومن أراد أن يصلي، فليصل على رسول الله لنفسه. المسألة الرابعة، والذي أحب أن أنبه عليها كذلك، ونحن في هذا المقام، وهي مسألة عامة، سواء كان في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما كان في الأذكار، أو ما كان في ذكر الله، أو ما كان في قراءة القرآن، بشكل عام. كل ورد، وكل ذكر، أنت تريد أن تتقرب به إلى الله جل في علاه، ينبغي أن تتلفظ به، تتلفظ، وخرج بهذا عدم التلفظ. وقد يقول قائل: وكيف الإنسان يذكر الله، ويقرأ القرآن، ولا يتلفظ؟ سأخبركم كيف يكون هذا؟ يكون هذا بالصمت. مثلاً: تمر على رجل، وبيده القرآن، يقرأ، فتنظر إلى فمه، تجد أن فمه مغلق، وإنما تجد الأعين تتحرك مع السطور، والفم مغلق، أو تصلي بجوار أحد، يصلي معك جماعة، تنظر في أنامله، تجد يسبح الله 33، يحمد الله 33، لكن تنظر إلى فمه، تجد أن الفم مطبق، مطبق. أو كذلك -قل- في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أو -قل- في باب الأذكار والأوراد، من فعل هذا لا يحسب له شيء، كما قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- عندما أشار إلى أن الأذكار المشروعة، ثم دخل في الأذكار، والقرآن، وكل ذكر، قال: بأنه لا يحسب منه شيء، ولا يعتد منه شيء، ما لم يتلفظ به، لابد أن تتلفظ. بقي: إذا فهمنا هذا، قال العلماء: لماذا التلفظ؟ قال: أن الذي أغلق فمه، إذن كيف تقرأ القرآن وأنت الفم مغلق؟ سيقول: أقرؤه في نفسي. بقي: القراءة في داخل النفس، هل تسمى قراءة؟ لا، ما تسمى قراءة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل، ما لم تتكلم». ففرق الشرع بين حديث النفس، وبين الكلام. فما يقع في حديث النفس قد تجاوز الله عنه، «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل، ما لم تتكلم». ففرق بين الكلام، وفرق بين حديث النفس، فمن تكلم يحسب، ومن لم يتكلم فلا يحسب منه شيء، فلا يحسب منه شيء. فإذا فهمنا هذه المسألة -إخواني- فلسنا نفهم خطأ الكثير من الذاكرين، ممن يذكر الله، أو يأتي بالقرآن، ولا يحرك فمه، وإنما مطبق، وصفحة بعد صفحة تتبع، كيف تقرأ القرآن ولا تحرك فمك؟ هنا تأتي مسألة أخرى، وهي: كيف يكون الإنسان متكلمًا؟ كيف يكون متلفظًا؟ هنا اختلف العلماء، جمهور العلماء يرون أنك لابد أن تسمع نفسك، لابد أنك تسمع نفسك، هذا فيما بينك، يعني ليس من الشرط أن من حولك يسمع، بل أنت تسمع نفسك، بنفسك، تسمع نفسك، ذكرك الذي تأتي به، تسمع الأذكار، تسمع القرآن لنفسك، هذا الضابط. قال: إذا فعلت هذا، هذا الذي يحسب لك الأجر، هذا قول جمهور العلماء. ومن أهل العلم من لا يرى هذا، وإنما يكفيك أن تحرك الشفتين، يكفي هذا. وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وهو قول عند المالكية، وهو ترجيح من العثيمين -رحمه الله-. قالوا: هذا يكفي، لا نلزم الناس بأن يسمعوا أنفسهم، يكفيك فقط أن الشفة تحرك، عندك أحد يسبح الله، تنظر إلى فمه، تجد أن الفم يتحرك، اعلم أن هذا قارئ، ذاكر لله، أو تمر على أحد يقرأ القرآن، والفم يتحرك، تعلم أن هذا قارئ، وذاكر لله عز وجل، هذا هو الضابط -إخواني في الله-. فينبغي التنبه، ونحن في هذا الموسم، وما من أحد إلا وهو في هذا الموسم الفضيل، وفي هذا الموسم العظيم، وهو يقبل، إلا ويقبل على كلام الله، على القرآن، يقبل على الأذكار، يقبل على فضائل الأعمال، كالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فاجعل -يا عبد الله- لهذا حظًا، أي من حركة اللسان، وحركة الشفتين. هذا -إخواني في الله- خلاصة هذه المسائل الأربع التي أحببت أن أنبه عليها في مسائل ما ذكر في مسألة القرآن، ومسألة الذكر والأذكار، ومسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، بدءًا بالمسألة الأولى: الاهتمام بالصيغة على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، إما الصيغة الوافية الكاملة، أو بصيغة المجزئة، فكل ذلك حسن. أو أنك -المسألة الثانية- وهو أنك تتقيد بما جاء عن نبيك عليه الصلاة والسلام، فلا تتجاوز الصيغ التي جاءت عن نبيك، فضلاً أن تعتقد أن ما يبتكر من الصيغ أفضل من كلام نبيك، فهذا ضلال وخطأ فادح. والأمر الثالث: أن الذكر لا يكون جماعيًا، وإنما الكل يذكر الله لنفسه. ثم المسألة الأخيرة: أن ذكرك لله، وقراءتك للقرآن، والإتيان بالأذكار، يفتقر إلى حركة اللسان، وإلى تحرك الشفتين. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.