الدرس في 13 فضائل الأعمال في شهر الصيام - فضل الصدقة، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الصدقة من الأعمال الجليلة التي لها فضائل كثيرة وتكفر الذنوب وتجلب الأجر الكثير وتبارك المال. لها أثر إيجابي في الدنيا والآخرة حيث تجلب الخير لصاحبها وتدفع البلاء.
يروي الراوي قصة رجل تصدق بثلث ثمرته فنزل الماء على حديقته ببركة صدقته. يشير إلى أن الصدقة تجلب البركة وتدفع البلاء مستشهدًا بأقوال العلماء.
الصدقة في رمضان لها فضل عظيم لاقتداءها برسول الله ومضاعفة الأجور وإعانة الناس. ينبغي للصائمين الإكثار من الإنفاق لتحصيل الأجر المضاعف.
تم ختام الدرس مع الإشارة إلى تأجيل بعض المسائل المتعلقة بالنفقة إلى الدرس القادم. تم الدعاء والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الصوام ونحن في هذا الشهر المبارك، ما يكون من النفقة والصدقة، فإنها من أجل الأعمال، بل هي من أجل القربات، وخاصة في هذا الشهر بالذات، فإن الصدقة -إخواني في الله- من الأعمال الجليلة التي جاءت في حقها الفضائل الكثيرة. يكفيك -يا عبد الله- أن تعلم أن الصدقة علامة من علامات إيمان العبد، ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «والصدقة برهان». برهان على ماذا؟ برهان على إيمان العبد، الصدقة برهان، تريد دلالة، أمارة على معرفة إيمان هذا العبد كيف هو؟ انظر في مجال الصدقة والنفقة كيف هو. قال عليه الصلاة والسلام: «والصدقة برهان». زد على ذلك ما أعده الله من المنازل العالية والأجور الكثيرة الوافية، ثبت في الصحيح أن من تصدق بصدقة ولو تمرة، فإن الله عز وجل يقبلها من العبد، بل وينميها عنده حتى تكون كالجبل. أنت تصدقت بشيء يسير، لكن عندما الله يجازيك عليها، فإنه يجازيك بالأجر الكثير، لأن الله ينمي صدقتك التي تصدقت بها. أضف إلى ذلك ما يكون من الحفاوة والإكرام، كما ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن هؤلاء ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». تصدق بصدقة، وجاء كذلك في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ تحت ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس». كل امرئ يبقى تحت ظل صدقته، الصدقة التي تصدقت بها يجعلها ربنا جل وعلا ظلًا، إذن ما مقدار الظل؟ مقدار الظل على مقدار الصدقة، قد يكون ظلك عامًا كبيرًا طويلًا، وقد يكون ظلك على قدرك. كل امرئ تحت ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس، في هذه الأهوال عندما تدنو الشمس فوق رؤوس العباد، فيُبتلى الناس بالحر، بالشدة، بالكرب، وأنت -يا عبد الله- في منأى عن ذلك بصدقتك، تستظل بظلها، فأكثر -يا عبد الله- من هذا الظل في هذه الدنيا. إخواني في الله، إن فضل الصدقة لا يقتصر فقط في أجر الآخرة من رفيع الدرجات وتكفير الذنوب والسيئات، بل من عظيم شأن الصدقة أن صاحبها يجد أثرها وهو في هذه الدنيا قبل انتقاله إلى الآخرة، ومن ذلكم -يا عبد الله- أن تعلم أن الصدقة مهما أخرجتها من مالك، فإن مالك يبقى لا ينقص، وهذا فيه رد على أهل البخل والشح من الناس، من يحصر ماله ليل نهار حتى يمتنع عن إخراج حق الله في هذا المال، لما يظنه أن بإخراج حق الله من الزكاة ونحوها أنه ينقص من ماله. لا والله، ما نقص هذا من مالك، قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال». ما تنقص الصدقة من مال، وإنما تبارك فيه وتنميه، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: «اللهم أعط منفقًا خلفًا»، ويقول الآخر: «اللهم أعط ممسكًا تلفًا». في كل يوم دعاء من ملكين، أحدهما يدعو في حق المنفقين أن الله يخلف عليهم بخير، ما من يوم تصبح وتتصدق إلا وهذه الدعوة تصيبك: «اللهم أعط منفقًا خلفًا»، أن الله يخلفك بخلف عن هذا المال الذي تصدقت به. وبالمقابل: «اللهم أعط ممسكًا تلفًا»، هذا الحريص على ماله، أنه يدعو عليه الملك بأن الله يتلف ماله؛ لأنه ما أخرج ما ينبغي أن يكون من حق الله في ماله. إخواني في الله، ومما يدل على واقعية أثر الصدقة على صاحبها، ما جاء كذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة، من حديث أبي هريرة في قصة ذلك الرجل الذي كان يمشي في فلاة، فإذا بصوت من السحاب، فأنصت إليه، إذ به نداء: «اسق حديقة فلان». نداء ليس له، وإنما هذا النداء للسحاب: «اسق حديقة فلان»، فإذا بالسحاب يتحرك، فهذا الرجل مشى يمشي يتتبع هذا السحاب الذي تحرك، فإذا به ينزل ماءه، فنظر في الموضع، إذ بالموضع ما كان عامرًا، ما هناك أحد، إلا أن هذا الماء ينزل من السماء، ثم يتجمع، فينزل كما يقال في دروب وفي جداول، يمشي الماء ينزل في مكان، ثم يسير الماء يتجمع وينزل وينزل. قام هذا الرجل يتتبع الموضوع، وأراد أن يبحث إلى أين ينتهي هذا الماء، فإذا به وجد أن الماء ينتهي إلى مزرعة لفلان لرجل، وكان هذا الرجل يشتغل الماء يصل إليه، فإذا به يوزع الماء على مزرعته هنا وهنا وهنا، فجاء الرجل إلى المزارع بعدما سلم عليه، قال: «يا فلان يا عبد الله، ما اسمك؟» قال: «ماذا تريد؟ ما اسمك؟» قال: «اسمي فلان»، فإذا باسم هذا الرجل هو الذي سمعه الرجل في السحاب: «اسق حديقة فلان»، هو هو. فلما انتاب المزارع الشك، لما تسأل عن اسمي رحمك الله، خبره بالخبر: «أني كنت في مكان، فسمعتم مناديًا ينادي على سماء أن اسقي حديقة فلان، فإذا بالماء ينزل إلى حديقتك، ما الذي تصنع؟ ما الذي تصنع حتى كانت هذه الظاهرة لك ليست لأحد سواك؟ سماء تنزل تسقط الماء، يأتي الماء إليك فقط من دون الناس، ما الذي تصنع؟» فقال: «أما والله، أما والله، قلت الذي قلت، فإني في مزرعة هذه، ما أثمره ثلثه لنفسي آكله أنا وعيالي، وثلثه صدقة، وثلثه أرده عليه». هذا فعلي، ما أفعل شيء آخر. الشاهد: ثلثه صدقة، صدقة، لما كان هذا الرجل يخرج من مزرعته ومن ماله ومن ثمرته ما كان صدقة للفقراء والمحتاجين، أخلف الله عليه بخير، فكان هذا السماء يأتي وينزل الماء حتى يصل الماء إلى مزرعته من دون سائر الناس، هذه فضيلة الصدقة -يا عبد الله-. وليس هذا بالأمر المحال، بل والله رأينا هذا وسمعنا وعلمنا عن أناس لربما كان من طبيعتهم صاحب شركة أو صاحب مؤسسة أو صاحب مطاعم معينة، أنه من شيمته يخرج جزءًا من مدخرات ماله ومن تجارته صدقة لله، فإذا بهذا الرجل ما هي إلا سنوات قليلة إلا ورأينا البركة قد حلت، فتجد أن هذا الرجل قد نما ماله على مستوى العالم، قد علمنا بهذا والله، ليس هذا بمبالغة، هذه آية من آيات الله: من أنفق ينفق الله عليه في الدنيا قبل الآخرة. كذلك من ثمار الصدقة -إخواني في الله- المعجل لصاحبه، مع ما يكون من كثرة ماله ونمائه، ما يكون أن الله عز وجل يدفع عنه البلاء، يدفع عنه السوء والضراء، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء». الدعاء والصدقة، وهذا شاهدناه، والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء. تريد أن تدفع بلاءً عظيمًا من أعاصير، من سيول جارفة، من مظاهر لربما تؤثر على البلاد والعباد، اهرع -يا عبد الله- بالصدقة، تصدق، فإن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة، كذلك البلاء سواء كان على مستوى المجتمعات أو ما كان من أمراض تبتلى بها، أمراض تبتلى بها، أصبت بآفة، بعاهة، فإنه ما يرد هذا المرض بمثل ما يكون من إقبالك على الله بالصدقة. وقد حسن جماعة من العلماء ما جاء من حديث أبي أمامة الباهلي، قال عليه الصلاة والسلام: «داووا مرضاكم بالصدقة». داووا مرضاكم بالصدقة، وهذا أمر مجرب، ولولا الإطالة لهذا المقام لذكرت لكم الحكايات التي أوردها العلماء في كتب السير والتواريخ عن حالات كثيرة من أناس ابتلاهم الله بالآفة والعاهة، فما كان علاجهم إلا بالصدقة، تصدقوا بأموالهم، فما هي يوم وليلة إلا وجاءت العافية إليهم، وهذا أمر مجرب. حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا فضيلة الصدقة، قال: «فإن الله يدفع بها عن صاحبها أنواعًا من البلاء»، قال: «وهذا أمر معلوم عند الناس»، قال: «وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم»، قال: «وأهل الأرض كلهم متفقون مقرون به؛ لأنهم جربوه». انتهى كلامه رحمه الله. وأهل الأرض ليس عندنا فقط، بل حتى عند الكافر، هذا مجرب عند الكافر، مجرب عند الكافر إذا وجد ضيقًا فأنفق من ماله على المساكين والمحتاجين، ولو كان على كفره، فإن الله عز وجل يدفع عنه السوء، قال: «وأهل الأرض كلهم مقرون به» على هذه الخصلة، على أن البلاء يدفع بالصدقة، قال: «لأنهم جربوا». إخواني في الله، ما ذكر ما هو إلا توطئة لمعرفة فضيلة الصدقة، فضلها عظيم في الدنيا والآخرة، والذي يهمنا في هذا المقام أن نعلم أن الصدقة أنت مطالب بها -يا عبد الله- طلب تحضيض واستحباب على مدار العام، لكن في رمضان الأمر ينبغي أن يكون في الحسبان، لا تتساهل في أمر الصدقة، احرص -يا عبد الله- على أن تتصدق في هذا الشهر بالذات. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان». أجود الناس هذه شيمته، وأجود ما يكون في هذا الشهر في رمضان، فكان رسول الله يعني أجود بالخير من الريح المرسلة، من شدة عطائه وكرمه وإنفاقه عليه الصلاة والسلام، كان يعطي العطاء الكثير. ولهذا علق ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: «بهذا من فوائد الحديث استحباب الإكثار من الجود في رمضان». وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد على أن من جوده عليه الصلاة والسلام ما كان من كثرة تصدقه، من كثرة تصدقه. إخواني في الله، مسألة مهمة أذكرها في هذا المقام، ألا وهي ما هي ميزة الصدقة في رمضان؟ ذكر العلماء عدة أمور حول فضيلة الصدقة في رمضان خاصة، الأمر الأول: أنه اقتداء واتباع واحتذاء برسول الله عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا، فقد كان عليه الصلاة والسلام يعتني بالإنفاق في هذا الشهر عناية عظيمة، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلو قام إنسان ما وتصدق من باب الاتباع برسول الله، فإنه يؤجر أجرين: أجر على صدقته، وأجر على اتباعه وامتثاله وتطبيقه لهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذن فيها الاقتداء برسول الله. ثانيًا: فيها الاغتنام لفضيلة الشهر، وهي مضاعفة الأجر، كونك تنفق في رمضان، معنى أنك تحرص على اغتنام شهر، اغتنام فضيلة هذا الشهر، إذ أن الأجور فيه تضاعف، وقد مر معنا هذا المعنى، كما قال في الحديث القدسي: «قال الله: الصوم لي وأنا أجزي به». قال العلماء: ومضاعفة الأجور ليس في الصيام بل في الصيام والقيام، وفي كل عمل صالح تعمله من ذكر ومن قراءة للقرآن، ومنه الإنفاق. ولهذا قال أبو بكر بن أبي مريم رحمه الله تعالى يحكي عن بعض مشايخه أنهم كانوا يقولون: «إذا دخل رمضان، قالوا: انبسطوا فيه بالنفقة؛ فإن النفقة فيه مضاعفة». انبسطوا فيه بالنفقة؛ فإن النفقة فيه مضاعفة، فأجر المنفق -إخواني في الله- وإن كان هو مضاعفًا في كل أحواله وفي كل أيامه، لكنه في رمضان يزداد مضاعفة فوق مضاعفته، فلا تضيع -يا عبد الله- على نفسك فرصة النفقة والصدقة لاغتنام أجر المضاعفة. ثالثًا: من ميزة النفقة في رمضان أن فيها إعانة للناس، يأتي هذا الشهر وجماعات وأمم وفئات من الناس من ربما ضاقت عليهم الأمور وتعسرت عليهم الظروف، فقلت عندهم المعيشة وقلت عندهم المؤونة، فقل المأكل والمشرب، ولربما ذاك احتاج إلى علاج لكي يتعالج، فتعسرت على الخلق أمورهم، فهنا كان من المستحب في هذا الشهر أنك تعطي لهؤلاء حظًا من مالك حتى يكون لهم تسلية بأنهم يصومون كما الناس ويقومون مثل الناس؛ لأن أحدهم يبقى لربما يمضي عليه اليوم والليلة وهو في رمضان فقط يصبح ويمسي على الهم، يصبح ويمسي على الغم. أحدهم لربما يخرج من الصباح يتكسب ما يستطيع أن يشارك أهل القرآن في قرآنهم، ولا أهل الذكر في ذكرهم لشدة الحاجة إلى التكسب، لكن إذا وجد إعانة من هنا وهنا اكتفى. ولهذا يقول إمامنا الشافعي رحمه الله: «قال: وأحب للرجل الزيادة بالجود في رمضان؛ اقتداء برسول الله، ولحاجة الناس إلى مصالحهم». فالناس بحاجة في هذا الشهر -إخواني في الله- إلى من يعينهم، فكونك تنفق في هذا الشهر بالذات هذا من أعظم الإعانة لخلق الله. رابعًا وأخيرًا من ميزة النفقة والصدقة في هذا الشهر بالذات -إخواني في الله- أنك تجمع لنفسك خصال الخير، خصال الخير، خصال الخير هي القيام والصيام والإن إنفاق، الصيام والقيام والإنفاق، هذه خصال الخير، دليلها دليل هذه الخصال الثلاث ما جاء في السنن من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟» ألا أدلك -يا معاذ- على أبواب الخير؟ قلت: «بلى يا رسول الله»، قال: «الصوم جنة»، واحد، قال: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، «وصلاة الرجل في جوف الليل». ذكر له نبينا ثلاثة أمور وهي التي عناها بقوله: «ألا أدلك على أبواب الخير؟» فدله على الصوم جنة الصيام، والصدقة تطفئ الخطيئة، على الصدقة، «وصلاة الرجل في جوف الليل»، دله على القيام، الصيام والإنفاق والقيام، هذه الأمور -يا عبد الله- لا تكاد تجتمع إلا في رمضان؛ لأنك في رمضان تكون أنت صائمًا، وتكون أيضًا قائمًا بالتراويح والتهجد، ومن بقي بقي النفقة، احرص عليها حتى تستكمل هذه الأبواب الثلاثية: الصيام والقيام والإنفاق. ولهذا -إخواني في الله- كان في الصدقة والنفقة في رمضان ميزة عن باقي الشهور، فالخلاص -إخواني في الله- علينا أن نعلم ما رعاكم الله أن من أعظم الأعمال ومن أجل القربات الذي ينبغي أن يحرص عليها الصائمون والصائمات الإكثار من الإنفاق في سبيل الله. وبقي مسائل متعلقة بالنفقة نرجو الحديث عنها بإذن الله إلى درس غد، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.