الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 20، ألقاها
يتحدث عن شرك المتأخرين وتشابهه مع شرك المتقدمين في عبادة غير الله. يلجأ الناس إلى الأموات بالدعاء والاستغاثة والطواف حول قبورهم.
يناقش شبهات القبورية حول الذبح عند الأضرحة ويبين أن الذبح لغير الله أو عند القبور شرك بالله. الذبح لله يجب أن يكون خالصا لوجهه تعالى.
يفصل حالات الذبح بسم الله ويحللها شرعاً، ويفرق بين الذبح للتقرب لغير الله وهو شرك أكبر، والذبح لله مع اعتقاد البركة في مكان معين.
يعتبر الفعل المذكور بدعة وليس شرك أكبر، ولكنه يصنف تحت الشرك الأصغر. اختتم الكلام بالدعاء والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: وما زلنا في صدد الفصل الذي ذكر فيه رحمه الله تعالى ما ذكر من شرك المتقدمين وشرك المتأخرين، ووجه المشابهة بينهما. قال رحمه الله تعالى: ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويلتمسون ارتماسهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية من قولهم: على الله وعليك، أي: اعتماد وتوكل على الله وعليك. وهذا لا يجوز، وقد تقدم. قال: ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه، أي: لهم سيد ولهم فيما يظنون ويعتقدون صالحا يتقربون إليه بالدعاء، بالاستغاثة، بالنذر والذبح، وبالطواف والتماس أركان ضريحه، إلى غير ذلك من معاني التعبُّد لذلك الإنسان. قال: فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر، وهو الجيلاني، وهو في الجملة رجل عنده خير، إلا أن غيره غالى فيه، وأوصله إلى مرتبة لا يستحقها إلا الله جل وعلا، فأشرك به مع الله جل وعلا. قال: وأهل التهائم، أي: أهل التهامة، لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، وهذا يدلنا على تفشي الجهل في التهائم، إذ كل بلدة عندهم زعموا أنه يسمع دعواتهم ويقضي حاجاتهم ويغيث من أغاثه ويغيث من استغاث به، ويعين من استعان به، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: ويهتفون باسمه: يا زيلعي، يا ابن العجيل. وأهل مكة والطائف: يا ابن عباس، أي: صحابي. وأهل مصر: يا رافعي، يا بدوي. والسادة البكرية، وهم قوم من الصوفية ينتسبون، أي: من حيث الذرية إلى الصديق رضي الله عنه وأرضاه. قال: وأهل الجبال: يا أبا طير. وأهل اليمن: يا بن علوان. وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضير، ودفع الضر، وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام، أي: أن هؤلاء المتأخرين كالمتقدمين في عبادة غير الله جل وعلا، وفي صرف ما يستحقه الله جل وعلا إلى غيره سبحانه وتعالى، وهذا شرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام، إذ لا فرق إلا في الأسماء، أما في الحقائق والمعاني فهم سواء. قال: كما قلنا في الأبيات النجدية. ومعنى الأبيات النجدية، أي: الأبيات التي أثنى بها الإمام محمد ابن إسماعيل الصنعاني على أخيه في الدعوة إلى الله والدعوة إلى التوحيد الإمام محمد ابن عبد الوهاب النجدي رحمه الله. قال: وذكره رحمه الله تعالى لهذه الأبيات في كتابه «تطهير الاعتقاد» وهو كتاب متأخر، يدل على كذب ما نُسِب إلى الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى من أنه تراجع عن قصيدته التي أثنى فيها على الإمام المجدد محمد ابن عبد الوهاب. رحم الله الجميع، رحم الله الجميع. وقد ذهب أو نبه بعض المحققين من العلماء، وكذا بعض الباحثين، إلى أن القصيدة التي تنقض القصيدة المشهورة إنما هي من صنع بعض أحفاد الإمام الصنعاني رحمه الله، وليس منه رحمه الله، فهو من بعض أحفاده، وقد تكون مدسوسة، فالله أعلم. قال رحمه الله تعالى: كما قلنا في الأبيات النجدية، أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود، بئس ذلك من ود. وقد هتف عند الشدائد باسمها، كما يهتف المضطر بالصمد الفرد. وكم نحر في سواحها من نحيرة أهلت لغير الله جهلا على عمد. وكم طائف حول القبور مقبلا، ويتمس الأركان منهن باليد. قال رحمه الله تعالى: وهذه الأبيات تدل على ما وصل إليه الناس في زمن الإمام الصنعاني رحمه الله، وكذا في زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى جميعا. وهو موجود ومستمر، لكن بحمد الله جل وعلا في بلاد نجد والحرمين بحمد الله جل وعلا. ثم بدعوة التوحيد التي انتشرت وعمت، انقطعت هذه الظواهر بحمد الله جل وعلا. وفي بلدنا اليمنية بحمد الله عز وجل كذلك، ولاسيما في الآونة الأخيرة بعد دعوة الشيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، كذلك ضعفت هذه المظاهر بحمد الله رب العالمين جل وعلا. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يقطع هذه الدعوات الباطلة ويبعدها عن أرضنا ويطهرها من أدناس الشرك وأهله. قال رحمه الله تعالى: فإن قال: أنا نحرت وذكرت اسم الله عليه. هذا انتقال بدأ الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بمناقشة تفصيلية للقبورية بعد أن ذكر الفصول، وذكر قبل ذلك الأصول. ها هنا بدأ بالنقاش الذي هو عبارة عن كشف للشبهات الذي هو عبارة عن كشف لشبهات القبورية. فقال رحمه الله: فإن قال أي: ذلك القبوري: أنا نحرت وذكرت اسم الله عليه، أي: ذبحت ونحرت عند ذلك الضريح، لكن ذكرت اسم الله عليه، أي: قلت بسم الله. قلت بسم الله، فكيف تزعمون بأني مشرك وأني كفرت بالله جل وعلا؟ قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: فقل: إن كان النحر لله، فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه من تفضله؟ أي: تعتقد فيه فضلا وتعتقد فيه أنه يجلب نفعا أو يدفع ضررا بذاته. لماذا تذبح عند من تعتقد فيه هذه العقيدة الفاسدة؟ قال رحمه الله: هل أردت بذلك تعظيمه؟ أي: أنك نحر وقلت بسم الله، لكن أردت تعظيم ذلك المقبور عند ذلك المشهد أو في ذلك الضريح؟ قال: إن قال نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله، بل أشركت معه تعالى غيره، أي: وقعت في الشرك بالله جل وعلا بإقرارك على نفسك، إذ أنك ذبحت لغير الله جل وعلا. وإن قلت: بسم الله، وإن قلت بسم الله، فإنه لا ينفع. ومنه يُعلم ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في أن الذبح له صور وحالات. الحالة الأولى: ما ذبح فيه ذلك المذبوح بسم الله ولله، فهذه عبادة وعبادة عظيمة، ولا سيما إذا كانت وفقا لشريعة الله جل وعلا. القسم الثاني: أن يذبح بسم الله، لا تقربا لله جل وعلا ولا لغيره، ولكن على سبيل مثلا اشتهى اللحم أو أراد أن يبيع اللحم، كأن يكون جزارا، فهذا كذلك جائز لأنه لم يرد به التقرب. الحالة الثالثة: أن يذبح بسم الله، لكن بنية التقرب لغير الله جل وعلا، أن يذبح بسم الله، أي: أن يقول بسم الله، ولكنهم يتقرب بذلك الذابح لغير الله جل وعلا، كأن يذبح للشيطان والعياذ بالله، يقول: هذه ذبيحة للجن أو ذبيحة للكوكب الفلاني أو ذبيحة لسيد الفلاني أو للولي الفلاني أو للضريح الفلاني أو ما شابه ذلك. هذا من الشرك بالله جل وعلا، إذ أنهم ذبحوا متقربين بتلك الذبيحة لغير الله جل وعلا. قال: وإن لم تريد تعظيمه، يعني: إن زعم قال: أنا ما أردت التعظيم. لأنه قال: هل أردت بذلك تعظيمه؟ الجواب: نعم أو لا. فيقول الشيخ: إن قلت نعم، فهذا شرك. وإن قلت لا، لم أرد تعظيمه. فيقول الشيخ: وإن لم تريد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخل إليه؟ أنت يعني هذا على سبيل لماذا الاستفهام الاستنكاري. إذا لم تريد التقرب التعظيم ولم تستعين به أيضا، فلماذا تلطخ مدخل ذلك الضريح وباب ذلك الضريح بالدماء؟ هل لأجل أن تنجس المكان وتقذره وتوسخه؟ الجواب: لا. لأنهم يعظمون يعظمون تلك المشاهد وأربابها. قال رحمه الله: أنت تعلم يقينا أنك ما أردت ذلك أصلا، ولا أردت إلا الأول، أي: أردت التعظيم لغير الله جل وعلا والذبح لغير الله جل وعلا. قال: ﴿وَلَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ إِلَّا لِقَصْدِهِ﴾ أي: لقصد التقرب لغير الله جل وعلا. ثم كذلك دعاؤهم لهم، دعاؤهم لهم، أي: دعاء المشركين لأوليائهم وسادتهم. فهذا الذي هو عليه هؤلاء شرك بلا ريب، شرك بلا ريب. وننتبه ها هنا إلى أن الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى يناقش مشركا بالله جل وعلا يعتقد في غير الله جل وعلا النفع والضر وأنه يغيث من استغاثه وينفع من طلبه وأراده نفعا ذاتيا ويدفع عنه الضر أو يكشفه كذلك لذاته وبذاته من دون الله جل وعلا. فهذا شرك أكبر. هذا شرك أكبر، بخلاف ما إذا كان إنسان جاهل، رأى الناس يذبحون عند قبر: ماذا تصنعون؟ قالوا: هذا قبر السيد الفلاني، في هذه البقعة بركة، إن تذبح في هذا المكان فيه بركة. فأخذ شاه وذبحها عند ذلك القبر لله رب العالمين جل وعلا، مستعينا بالله رب العالمين جل وعلا، ولكن معتقدا أن ذلك المكان وتلك البقعة فيه البركة، أي: البركة من الله في تلك البقعة. فهذا قد وقع في بدعة من البدع، ووقع في الشرك الأصغر. فنفرق وننتبه بين رجل أخذ الشاه وذبحها تقربا لذلك المقبور لذلك السيد لذلك الولي، فهذا شرك أكبر. وبين رجل أخذ الذبيحة فأراد ذبحها لوجه الله رب العالمين جل وعلا، وقال بسم الله عليها، ولكنه اعتقد في تلك البقعة البركة، أنه إن ذبح في هذه البقعة البركة، إن ذبح في بقعة أخرى ليس فيها البركة. هذا الفعل بدعة، وليس بشرك أكبر، ولكنه نوع من الشرك الأصغر. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.