الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب على المسلم تعلم أحكام العبادات قبل أدائها إذا لم يكن لديه علم بها وكان بإمكانه التعلم. يشمل ذلك العبادات الأساسية مثل الوضوء والصلاة والزكاة والحج.
تعلم أحكام العبادات يجب أن يكون على الفور عند الحاجة إليها، مثل تعلم أحكام الحج عند الاستعداد له. يُستثنى من ذلك ما يطرأ نادرًا، فيجب تعلمه عند وقوع الحاجة إليه.
الراجح في حكم تعلم جهة القبلة أنه ليس واجبًا على كل مسلم، بل يستحب تعلمه خاصة للمسافر. إذا صلى بغير اجتهاد واتضح خطأه، فجمهور العلماء يرون صحة الصلاة مع وجوب الإعادة في الوقت.
يتم ختام الدرس بالتأكيد على اكتفاء المعلن بما تم شرحه حتى الآن، مع التعبير عن الرضا بقضاء الله تعالى. يشير ذلك إلى انتهاء الدرس بنجاح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع: فرع لا يلزم الإنسان تعلُّق كيفية الوضوء والصلاة وسببهما إلا بعد وجود ذلك الشيء. فإن كان بحيث لو صبر إلى دخول الوقت لم يتمكن من تمام تعلمها مع الفعل في الوقت، فهل يلزمه التعلم قبل الوقت؟ تردد فيه الغزالي، والصحيح ما جزم به غيره أنه يلزمه تقديم التعلم، كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعد منزله قبل الوقت. فهذه المسألة أولًا مسألة الإلزام بتعلم كيفية الوضوء والصلاة، وهذا مما لا يسع الإنسان جهله، كما ذكرنا قبل أنه لما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الواجب الذي يتعلمه الإنسان، قال: ما لا يسعه جهله، ما لا يسعه أن يجهله. فهذا يجب عليه أن يتعلم، ومن ذلك التوحيد إذا كان لا يعلم أو أنه خلط عليه فيه، فيجب عليه أن يتعلم التوحيد. وكذلك أيضًا أمور الصلاة والوضوء، كيفية الوضوء والصلاة وغيرها من هذه العبادات، فيجب عليه. والحج إذا أراده، وكذلك أيضًا إذا أراده أو عنده مال، فيجب عليه أن يتعلم الزكاة. وهكذا. ثم ذكر مسألة أخرى، وهي: هل يتعلمه في وقت الصلاة؟ معناه: هل يلزمه التعلم في وقت الوجود أم قبله؟ والظاهر للسرخسي هو أنه قبل، وهكذا الشيخ المعظمين أيضًا، نعم إنه أيضًا قبل. معناه: لأن الإنسان يجب أن يتهيأ للصلاة، ومن تهيأ للصلاة أنه يتعلم هذه الصلاة كيف يتوضأ، كيف يصلي. فهذا يجب عليه أن يتعلمه، لا يُعذر بعدم تعلمه ما دام أنه عنده من يعلمه، إلا إن كان مثلًا في مكان بعيد أو كذا، فهذا لا يلزم. وأما أن يقول مثلًا: أنا مشغول، أنا كذا، هذا ليس بعذر، فهو آثم إذا فرط في وضوئه، وآثم إذا فرط في صلاته، لأن الصلاة غير صحيحة لأنه قد وجد من يعلمه ولم يتعلم. وذكر مسألة السعي إلى الجمعة، كما ذكر الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهنا يجب عليه أن يسعى إلى الجمعة، فإن كان منزله بعيدًا مثلًا، يجب أن يقدم قادمًا لمدة حتى يأتي وقت الجمعة، أو وقت الخطبة، يسمع ذكر الله جل وعلا. قال: إذا كان الواجب على الفور، كان التعلم الكيفية على الفور، وإن كان على التراخي كالحج، فعلى التراخي. وهذا على مذهب الشافعي، والله أعلم. الصحيح أنه على الفور، أن الحج واجب على الفور كما هو مذهب أحمد وغيره، لأن الأصل أن الأمر على الفور، ولا يتأتى أن يقال: على التراخي، لأن أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم يكون على الفور. لو أمر مثلًا ملك أمر بعض جنوده أو بعض كذا وتأخر عن هذا الأمر لدمه. وأيضًا كذلك بالعقل، والأيضًا المعروف عند الناس أن من تأخر عن الأمر فهو كأنه لم يأتمر. فلهذا في الأصل أن الأمر يفيد الوجوب على الفور، كما قرر ذلك شيخ الإسلام، رحمه الله. فلهذا أنه يستعد للحج، فيتعلم أحكام الحج. وهل يتعلم إذا أراد أن يذهب أو يتعلم قبل ذلك؟ أيضًا نفسه يلزمه أن يتعلم قبل أن يتهيأ أو أن يحج، وأن يستعد للحج. قال: ثم الذي يجب تعلمه مما يتوقف أداء الواجب عليه غالبًا دون ما يطرأ نادرًا، فإن وقع وجب التعلم حينئذٍ. على الأشياء التي تقرأ. ومعنى يكون واجبًا، معناه ليس مطلقًا، وإنما يقرأ على العبادة، مثلًا الزكاة أنه لا يجب إلا على من كان عنده مال، أو كذلك مثلًا القصر في الصلاة تكون للمسافر. فهناك بعض الأشياء إنما تطرأ على الشخص، فهل يجب أن يتعلم ما يؤدي به هذه العبادة؟ هنا ذكر مثالًا تعلم جهة القبلة. قال رحمه الله: دون ما يطرأ نادرًا، فإن وقع وجب التعلم في تعلم جهة القبلة. القبلة أو جهة القبلة فرض عين والثاني فرض كفاية على عند الشافعية. وإلا المشهور عند الحنابلة أنهم يقولون: يستحب تعلم جهة القبلة. والظاهر أنه ليس واجبًا على المسلم الذي تعلم أدلة القبلة. قال: أحدهما فرض عين والثاني فرض كفاية، وصححهما فرض كفاية، إلا أن يريد سفرًا فيتعين لعموم حاجة المسافر إلى ذلك. وقوله: فرض كفاية مثل القول بالاستحباب، لأن فرض الكفاية لا يجب ولا يلزم أحدًا بعينه، إنما يلزم بعض الناس. إذا تعلم القبلة تعلم مثلًا بعض الناس يعرف دلة القبلة، يعرف مثلًا كيف يصلي أو كيف يصلي، يعرف اتجاه القبلة إذا بالشمس أو بالقطب الشمالي أو كذلك بالقمر أحيانًا وبالنجوم وبغير هذا مما يعرفهم الناس. والآن في هذا الوقت تأثرت بعض الأجهزة في البوصلة، كذلك بعض الهواتف، كذلك أيضًا غيرها مما يعين اتجاه القبلة، وهذا يكفي في عدم التعلم أو عدم وجوب التعلم. فلهذا فجهة القبلة لا يجب تعلمها، لكن من باب الاستحباب. وإلا فيجتهد العبد إذا مثلًا كان مسافرًا وأراد أن يصلي، يجتهد كما ذكرنا قبل أنه إذا صلى بغير اجتهاد عند جمهور العلماء أن صلاته غير صحيحة إذا حصل خطأ. فعنى إذا كان مثلًا صلى بغير اجتهاد، صلى مثلًا ربه جاء إلى مسجد وصل فعرف بعد ذلك أنه صلى إلى غير اتجاه القبلة ولم يجتهد. وهنا يقول جمهور العلماء أحمد والشافعي وغيرهما يقولون: أن الصلاة تقع صحيحة، ويجب عليه أن يعيد الصلاة في الوقت. عند مالك يستحب إعادتها في الوقت. أن يجب عليه أن يعيد الصلاة لأن صلاته هذه صحيحة. قال: ثم الذي يجب تعلمه، قال: في تعلم جهة القبلة أوج أحدها فرض عين وثاني كفاية، وصححهما فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا ويتعين لعموم حاجة المسافر إلى ذلك. وكما قلنا: الصحيح أنه لا يتعين، لكن يستحب. الأفضل أنه يتعلم جهة القبلة، أو يكون معه ما يرشده إلى القبلة إذا كان مسافرًا. إن شاء الله نكتفي بهذا والله أعلم.