إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 12

الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية حسن الظن بالله في الدعاء

حسن الظن بالله هو شرط أساسي لقبول الدعاء، حيث إن الله كريم ويعطي بغير حساب. هذا مبني على الآيات والأحاديث التي تؤكد كرم الله وعطائه.

دور اليقين في استجابة الدعاء

اليقين بالإجابة وحضور القلب ضروريان لقبول الدعاء، ويجب على العبد أن يدعو الله وهو موقن بالإجابة مع تجنب الموانع. الإلحاح في الدعاء وعدم اليأس من رحمة الله مهم أيضًا.

ثمرات حسن الظن بالله وعواقبه

حسن الظن بالله يمكن أن يؤدي إلى اليقين بالاستجابة، وقد يعوض الله العبد خيرًا مما سأل أو يصرف عنه بلاءً. هذا يتطلب نية صالحة ويقينًا بأن الله سيستجيب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإتمامًا لما قد ذكرناه من دروس الدعاء، فذكرنا شروطًا من شروط الدعاء، فمنها ما هو شرط صحة، ومنها ما هو شرط كمال. ومن هذه الشروط التي يترتب عليها القبول، قبول الدعاء من الله جل وعلا، حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، حسن الظن بالله جل وعلا في هذا الأمر، أي في قبول الدعاء، وأن الله عز وجل سيتقبل دعاء. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر عن ربه جل وعلا أنه قال: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». أنا عند ظن عبدي بي، فربنا جل وعلا لا يعلم، لا يعلم ما كرمه وعظيم شأنه إلا من هو عالم بالله جل وعلا وبمعرفته. فهذا الذي يحسن الظن بربه هو عالم به؛ لأنه يعلم أن الغنى المطلق هو لله جل وعلا، وأيضًا ربنا جل وعلا كريم، ولهذا فهو يحسن الظن بالله جل وعلا أنه يستجيب له. وكذلك أيضًا أن الله عز وجل قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فما دام أن الله عز وجل وفقه للدعاء، فما وفقه إلا ليستجيب له، فلهذا يحسن الظن بربه، ويعلم أن كما قال العلماء: أن ثمرة العلم بالله عز وجل ومعرفة الله هو حسن الظن بالعبد به؛ لأن الله عز وجل لا يعجزه شيء، ولا أيضًا يرده شيء سبحانه وتعالى، بل له الكمال المطلق، وله التصرف المطلق جل وعلا. فلهذا فالعبد إذا دعا الله عز وجل يعقد في نفسه أن الله عز وجل سيستجيب له؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الغني جل وعلا، وهو الذي ينفق على عباده سبحانه وتعالى، وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، فخزائن الله عز وجل ملأى، ينفق الله عز وجل على عباده ويعطيهم، لا نقول فقط المؤمن أهل الإيمان، بل أهل الإيمان وأهل الكفر، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أي لم يمنعه الله عز وجل على أحد، بل أعطى المسلم والكافر، فلهذا ما دام أنه يعطي المسلم، يعطي الكافر، فلا شك أنه سيعطي المسلم. وكما قال الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي ما أراده الله عز وجل أنفقه. وجاء في الحديث الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يد الله ملأى، سحاء الليل والنهار»، أو قال: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار»، أنفق في الليل والنهار، لا تغيضها، لا تنقصها. ألم تروا منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه؟ يريد النبي صلى الله عليه وسلم من أمته أن يتأملوا في هذا الأمر العظيم، هذا الأمر العظيم منذ خلق السماوات والأرض، وهو يعطي جل وعلا وينفق سبحانه وتعالى على عباده، هذه الفترة كلها من ملايين السنين، ينفق الله عز وجل فيها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يغض ما في يمينه»، أي لم ينقص، لم ينقص شيء مما في يمينه جل وعلا. فربنا جل وعلا غني، حليم، غني، كريم، غني حميد سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام مسلم في حديث أبي ذر أن الله عز وجل قال: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، فسأل كل واحد منكم مسألته، فأعطيتهم، لم ينقص ذلك من ملكي شيءًا إلا كما يدخل المخيط البحر». معنى الإبرة إذا دخلتها البحر، فماذا تأخذ؟ ما تأخذ شيءًا. المراد من هذا الحديث أنه لا يأخذ شيء أصلا، مهما أعطى الله عز وجل، ما ينقص من ملك الله عز وجل شيء. فلهذا فالمؤمن يحسن الظن بربه وأنه سيعطيه؛ لأن الله عز وجل غني، فلهذا يوقن بالإجابة، يكون عنده يقينًا أن الله عز وجل سيستجيب لدعائه. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وصححه الشيخ الألباني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب لقلب غافل. وهذا يدل على استحضار هذه الدعوة، وأن الله عز وجل سيستجيب لك، فيدعو العبد ربه جل وعلا وهو موقن أن الله عز وجل سيستجيب له. فلهذا قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». ولهذا من يعمل الأذكار التي يذكرها العبد في صباحه ومسائه، وفي نومه ويقظته، وفي صلاته وفي صيامه، فهذه الدعوات أو هذه الأذكار كلها تحتاج إلى يقين، إلى يقين باستجابة الله عز وجل لك، أو بإيقاع هذا الأثر الذي من هذا الذكر أو هذا الدعاء. ولهذا انظر إلى سيد الاستغفار، سيد الاستغفار كما جاء في البخاري، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قالها حين يصبح موقنًا بها، فمات دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقنًا بها، فمات دخل الجنة». لماذا دخل الجنة؟ لأن الله عز وجل استجاب له، فغفر ذنوبه. ماذا يعني؟ أنها قد غفرت هذه الذنوب، فلا شك أنه سيدخل الجنة، ما عنده سيئات حتى يحاسب عليها. فعندها سيئات غفرت، غفرها الله عز وجل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قالها حين يصبح موقنًا بذلك فمات، أدخله الله عز وجل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقنًا بها فمات، أدخله الله عز وجل الجنة». انظر إلى هذا الفضل العظيم، وتأمل هذا الدعاء. فلهذا لا بد من الإيقان بالإجابة، وحضور القلب عند الدعاء، فهذا من الأمور التي يترتب عليها أثر الدعاء. لكن إنسان يدعو ولا يدري، أشيء يدعو؟ بعض الناس تجدهم يدعون ولا يدري بماذا يدعو، فقط يكرر الكلام. معنى ما يواطئ لسانه قلبه. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله عليه: أن الدعاء لا يكون له أثر حتى يواطئ القلب اللسان، حتى يواطئ القلب اللسان، وهذا هو اليقين. فيدعو العبد بقلبه ولسانه؛ لأنه يطلب من الله عز وجل أن يستجيب له، وسواء كان هذا الدعاء دعاء عبادة أو دعاء طلب ومسألة. دعاء عبادة أو دعاء عمل، أنه من العبادات والطاعات، فلهذا فلا بد للعبد أن يوقن بالإجابة في دعائه، ويحضر قلبه في الدعاء، ويحسن الظن بالله جل وعلا أنه يستجيب له؛ لأن الله عز وجل قد وعد بذلك. وربنا جل وعلا لا يخلف الميعاد. لكن كما قلنا قد تكون هناك عوارض تمنع إجابة الدعاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، يقول: دعوت فلم يستجب لي. الله عز وجل يؤخر عنه الإجابة؛ لماذا؟ لأنه استعجل، وهذا الاستعجال من موانع الدعاء. ولهذا العبد يوقن بالإجابة، مهما دعا فإنه يلح على الله عز وجل حتى يستجيب الله عز وجل له. ولهذا يقول مورق العجلي رحمه الله عليه، ومن التابعين، يقول: دعوت الله عز وجل في حاجة، وألححت عليه عشرين سنة، وأنا لازلت منتظر إجابة الله جل وعلا. يريد أن يبين أن الإجابة قد تتأخر، وهذا لحكمة الله جل وعلا يرى صبر العبد وخضوعه له، وكذلك افتقاره لله عز وجل. ولهذا لما ذكر الله عز وجل آل الصالحين من الأنبياء والصالحين، قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. الذي يدعو رغبًا لا ييأس ولا يمل، بل يلح على الله عز وجل ويكثر من الدعاء لله عز وجل فيما أراده، فالله عز وجل لا شك أنه يعطيه ويستجيب له. لكن لا يجعل هذه العوارض التي تعرض عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الكلام على موانع الدعاء، هناك موانع ينبغي للمسلم أن يتجنبها. ولكن كما قلنا في الدرس الماضي أن الدعاء لا يضيع، دعاء العبد أقل شيء أنه يؤجر عليه. أقل شيء أنه يؤجر عليه؛ فإن كان هناك مانع من الإجابة، فإنه يؤجر على دعائه كله، أجر الدعاء؛ لأنه عبادة. فإن لم يوجد مانع من الاستجابة، فإن الله عز وجل يعجل باستجابة هذا الدعاء. وإذا رأى ربنا جل وعلا أن هذا الدعاء لا يصلح العبد، بل قد يفسده، معنى بعض الناس مثلًا يطلب أشياء من الدنيا لو توفرت له لأفسدته. بعضهم مثلًا يطلب مالًا كثيرًا، يقول: اجعلني مثل فلان ذاك الغني، أريد مال مثل ماله، أو يسر الله لي كذا وكذا من المال، أو من السيارات أو كذا، فيطلب أمورًا من أمور الدنيا. فلو أنها تيسرت له لطغى وبغى، فالله عز وجل يصرفه عنه، ويسر له ما هو أعظم منه. فلهذا في الحديث، حديث سعد وغيره الذي تقدم، تكلمنا عليه: «ما من عبد مسلم يدعو الله بغير إثم ولا قطيعة رحم، إلا جعل الله عز وجل له إحدى ثلاث: إما أن يستجيب له، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم». وجاء في رواية: «ما هو مثله». انظر إلى هذا الفضل العظيم. وهذا الله عز وجل هو أعلم بمصلحة عبده، فقد يلح العبد بشيء من الدعاء، والله عز وجل يعلم أنه ليس في مصلحته، وليس أيضًا في إصلاحه، فيصرفه عنه، ويعوضه شيءًا آخر، ويصرف عنه من البلاء ما هو أعظم من هذا الذي يريده. ما هو أعظم من هذا الذي يريده؟ لكن بهذا الدعاء صرف هذا البلاء. وإن حاز عنه ذلك الأمر الذي قد يكون مثلًا يصرفه عن الله، أو يكون له بلاء عظيمًا في هذه الحياة، وغيرها من هذه الأمور التي ينبغي للمسلم أن يتفكر فيها. فلهذا فحسن الظن بالله جل وعلا في هذا الباب، وإلا حسن الظن عام في أشياء كثيرة. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه، أي أنه سيغفر له. وهذا الحديث رواه مسلم عن جابر. فلهذا فيحسن الظن في الاستجابة، استجابة الدعاء من الثمرات العظيمة التي يجنيها العبد في دعائه، فيوقن بإجابة الله عز وجل لدعائه، أو أن الله عز وجل سيعطيه ما هو أعظم من هذا الذي يسأله، سيعطيه ما هو أعظم من هذا الذي يسأله. فكم من إنسان طلب شيءًا من الدنيا فأعطي أعظم منها، وكم من إنسان طلب شيءًا من أمور الآخرة فأعطي أعظم منها، وكم من إنسان طلب شيءًا من العبادات والطاعات فأعطي ما لم يكن في نفسه عندما دعا. وهذا من كرم الله عز وجل على عباده. وكلما صلحت نية العبد، كلما كان عطاء الله عز وجل له، استجابة الله جل وعلا له أعظم. فمن حسن الظن بالله عز وجل في الدعاء أن العبد يوقن بالاستجابة، وكذلك أيضًا يكون في نيته حسن الطلب، يكون نيته أنه يطلب من الله عز وجل أن يعطيه، ليس أنه فقط يجرب. ولهذا من هذا الباب تأخر أثر الأذكار والأدعية على بعض الناس، مثلًا يقول مثلًا يكون ذكر في شيء مثلًا رقية أو غيرها، فتجد أنه لا يتأثر بهذه الرقية، ولا أيضًا يذهب منه المرض أو البلاء. فهذا الذي حصل له مثل هذا قد يكون العمر أنه يجرب فقط، ليس يقينًا. معنى بعض الناس مثلًا يقول: أجرب هذه الأذكار لعل يشفيني الله عز وجل. معنى جعلها تجربة فقط، ليس عنده يقين أن هذه الأذكار وهذه الأدعية سيستفيد منها. ولهذا نبه الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه المسألة في بداية كتابه «الوابل الصيب»، وكذلك ذكرها أيضًا في «زاد المعاد»، وضحها، وأن أثر الدعاء لا بد، وهذه الأذكار أثرها غالبًا ما يكون لها الأثر والثمرة إلا إذا فعلها العبد موقنًا ومحسن الظن بالله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الشرط، أو هذا الأثر من آثار الدعاء والاستجابة، وهو حسن الظن بالله جل وعلا. فنكتب بهذا والله تعالى.