الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء عبادة عظيمة تتطلب الإخلاص لله تعالى، حيث نهى الله عن دعاء غيره وتوعد من يفعل ذلك بالعذاب. يجب على العبد أن يخلص دعاءه لله وحده.
دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يعتبر شركاً بالله عز وجل، والعلماء اتفقوا على أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك.
الله عز وجل يحذر من دعاء غيره، ويبين بطلان ادعاء جواز دعاء الصالحين من دون الله، مستدلاً بآيات قرآنية مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدروس التي مضت أهمية الدعاء، وذكرنا عدة نقاط أو أشياء تدل على أهمية الدعاء في ديننا. ونأخذ أيضا تكملة لهذا الموضوع، موضوع الدعاء، أن هذا الدعاء له شروط لا بد أن تتوفر في هذه العبادة العظيمة. فلا شك أن الدعاء هو العبادة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وقال ربكم جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال إبراهيم: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَنْ لَا أَكُونَ بِدَعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، جعل الدعاء هو العبادة. ومن تأمل الصراع الذي حصل بين الأنبياء وأقوامهم في دعوة الأنبياء، يجد أن غالبا ما كان يحصل الشرك في عبادة الله جل وعلا من ناحية الدعاء، غالبا ما يحصل الشرك من ناحية الدعاء، أي دعاء الطلب ودعاء المسألة. فتجد أنهم يدعون أصنامهم من دون الله، ويستغيثون بهم، ويستعينون بهم. فلهذا تجد أن الله عز وجل أمر في آيات كثيرة بإخلاص الدعاء إليه سبحانه وتعالى. لا بد أن يخلص العبد دعاءه لله. وهذا من أول الشروط من شروط الدعوة أو شروط الدعاء، أن يكون خالصا لله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فربنا جل وعلا في هذه الآيات وغيرها من الآيات المتكاثرة في القرآن، يأمر عباده أن يدعوه وحده لا شريك له، يخلص الدعاء له. وحذر ربنا جل وعلا من دعوة غيره، بل وشدد في هذا حتى قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا خطاب لنبي الله صلى الله عليه وسلم. وغيرها من الآيات التي فيها أن الله عز وجل يأمر عباده بدعائه، ويحذرهم من دعاء غيره. فلهذا فدعاء الرب جل وعلا لا بد أن يكون مخلصا له سبحانه وتعالى، وحده لا شريك له، لا يشرك في دعائه لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا غيرهما. بل يدعو الله عز وجل مخلصا له الدين. فلهذا أمر عباده بذلك، وشدد كما قلنا في دعوة غيره. وأن من دعا غيره فقد أشرك بالله. وأيضا تحداهم الله عز وجل أن يستجيبوا لهم هؤلاء. وقال ربنا جل وعلا: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. ولهذا من أقسام الشرك الأكبر، كما ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، من أقسام الشرك الأكبر شرك الدعوة، أن يدعى مع الله عز وجل غيره. ولهذا جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». وجاء في رواية: «أن تدعو مع الله إلها آخر وهو خلقك». فقوله هنا: أن تدعو من دون الله، أي تشرك مع الله عز وجل أحدا في دعائك. فلهذا فالواجب على المسلم أن يخلص دعوته لله جل وعلا، ولا يجعل لغير الله عز وجل دعوة مع الله. وسواء كان يدعوه بمفرده، أي هذا الذي مع الله، أو يدعوه مع الله جل وعلا. أو كما قال بعض المشركين، كما ذكر الله عز وجل عنهم في دعوتهم لهذه الآلهة، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا وَلَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فجعلوا دعوتهم لهذه الآلهة تقربا إلى الله، وهي جعلوا جعلوهم واسطة. وقد تقدم معنا أن الله عز وجل قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. فلهذا اتفق العلماء، بما دلت عليه الآيات، أن من دعا غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، معناه دعوة في النداء في الطلب، دعا غير الله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه يشرك، وإنه مشرك بالله. وهذا الدعاء الذي لا يقدر عليه إلا الله على اعتبارين: إما أن يكون نفس الدعوة هي مختصة بالله جل وعلا، فيصرفها لغيره. فمثلا أن يقول: يا الولي الفلاني، أو يدعو وليا من دون الله أن يعطيه ولدا، مثل ما يفعل كثير من جهلة مسلمين من النساء، تأتي إلى القبر وتدعو صاحب القبر أن يسر لها ولدا أو كذا أو كذلك يطلب من هذا الولي أو من غيره شيئا لا يقدر عليه إلا الله. وأيضا الاعتبار الثاني، أن يكون دعوته لذلك الولي أو لغيره فيها من صفات الله عز وجل وربوبيته، ومن صفات ربوبيته الخاصة به. فمثلا يدعو غير الله عز وجل وهو غائب، أي هذا الغير، فيدعو إنسانا أو ما يظنه وليا، وهو مثلا في لجج البحر أو في مفاوز الصحراء أو في غيرها من الأماكن البعيدة من هذا المدعو. فهذا الذي يفعل ذلك أشرك، حتى في ربوبية الله جل وعلا، لأنه أعطى هذا العبد صفة لا تليق إلا بالله جل وعلا، وهي مختصة بالله سبحانه وتعالى. فلهذا فالدعاء من شروطه الإخلاص لله جل وعلا، أن تكون دعوة العبد مخلصة لله سبحانه وتعالى. وربنا جل وعلا قد ذكر سبحانه وتعالى في سورة النمل، فقرر جل وعلا في بعض الآيات مستنكرا على بعض الناس الذين يتخذون من دونه إلها. فيقول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. فهؤلاء يعتقدون أن هناك من يكشف الضر غير الله جل وعلا، فيدعونه في وقت ضرورة وفي وقت الاضطرار. فهذا شرك بالله جل وعلا. فقال الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾. وهذا هو الاستغاثة. والاستغاثة والاستعانة لا، بد أن تكون لله جل وعلا. ويدخل فيها أيضا الاستعاذة، وهي طلب اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. وكل هذه الأمور لا بد أن تصرف لله. وهي من الدعوة. فمن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك بالله باتفاق أهل العلم. لأن الله عز وجل قد قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. فإنه إذا اعتقد الشخص مثل هذا، فهو أشرك مع الله عز وجل، وجعل إلها مع الله. فلهذا فالله عز وجل يقول: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. أي هو الذي بيده الأمور. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. أي هل هناك من يفعل هذه الأمور مع الله جل وعلا؟ فليس أحد يفعل ذلك. فأيضا مما يذكر في هذا الباب، أن كثيرا من مشركي هذا الزمان، قالوا: أن هذه الآيات، وهذا التحذير من الله عز وجل، إنما في عبادة الأصنام، وفي دعاء الأصنام، وليس في دعاء الصالحين. وأما الصالحون، قالوا: يجوز أن يدعى أن يدعوا من دون الله، لأنهم قالوا: لأن العبد مذنب، وقد اتسخ بالذنوب، وهذا عبد صالح، نقى الله عز وجل قلبه. فلهذا ندعوه من دون الله جل وعلا، حتى يدعو الله. هكذا يقولون. وهذا أيضا كلام باطل. بل ربنا جل وعلا أيضا بين وحذر عباده حتى من دعوة الصالحين، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. فهؤلاء يبتغون إلى ربهم الوسيلة، هؤلاء الذين يدعون. فهذا يدل على أنهم من الصالحين. ولهذا جاء في تفسير هذه الآية، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: هذه الآية نزلت في دعاء الملائكة، وعيسى بن مريم، وعزير. أن هذه الآية نزلت في دعاء الصالحين. فالله عز وجل يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. وهنا الهاء ضمير راجع إلى كل من دون الله جل وعلا، كل أحد من دون الله، ترجع إليه هذه الهاء، من دونه، سواء كان صالحا أو غيره. ثم بين الله عز وجل أيضا، حتى يبين أن هؤلاء، وإن كانوا من الصالحين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذورا. فهؤلاء يعبدون الله. فلهذا قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في دعاء الصالحين، كالملائكة والمسيح وعزير. وأيضا كذلك في قول الله: ﴿قُلْ يَدْعُونَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾. هذه الآية، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قطعت عروق الشرك. أي كل ما يتمسك به المشركون من أعذار، أو من أمور يدعونها، كلها قطعت هذه الآية. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَدْعُونَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي أحد، وكان صالحا أو غيره. ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. معنى ما يستطيعون أن يدبروا شيئا، لأنهم ما يملكون شيئا. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾. حتى أنه ليس لهم حتى شرك، ما يشاركون الله. لا هم يملكون شيئا، ولا أيضا يشاركون الله عز وجل في شيء من خصوصياته جل وعلا. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾. أيضا حتى أنهم ليسوا معاونين. وهذا يرد على هؤلاء أهل الشرك من الروافض، وغلات الصوفية، الذين يدعون أن هناك أولياء يدبرون الكون مع الله، من الأقطاب والأغوات والأوتاد أو كما يدعون. فخلاصة ما يذكر، أن من أعظم الشروط أو من شروط الدعاء، الإخلاص في الدعوة، أن العبد يخلص دعوته لله جل وعلا، فلا يدعو غيره، ولا يشرك مع الله عز وجل في دعوته، ولا يجعل لأحد شيئا في دعوته لله جل وعلا. والله تعالى أعلم.