الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشدد على أهمية الجزم في الدعاء وعدم التردد لاستجابته. يُحذر من التردد لأنه قد ينبع من سوء الظن بالله.
يتناول شرح معنى ذكر "إن شاء الله" في الدعاء واختلاف العلماء في تفسيرها. يُبين أن الأصل هو الجزم بالمسألة.
يشرح متى يتردد المسلم في دعائه ومتى يجزم به. يجوز قول "إن شاء الله" عند التردد أو الاحتمال.
ينبغي طلب الله بتعظيم الرغبة والإلحاح مع اليقين وحسن الظن. قد يُصرف الدعاء إذا كان فيه ضرر للعبد.
الحمد لله رب العالمين. إلى شروط الدعاء، وكذلك أيضًا الأمور التي ينبغي أن يراعيها الداعي في دعوته حتى يستجاب له، فمن هذه الأمور أن الداعي إلى الذي يدعو الله عز وجل لابد أن يجزم في دعوته، لا يتردد في هذه الدعوة، يكون جازمًا بها، ولا يتردد أو يدخل في قلبه الضعف أن الله عز وجل لا يستجيب له، أو غيرها من هذه الأمور التي تضعف جانب الرغبة، وجانب أيضًا كذلك الطلب، وجانب حسن الظن بالله جل وعلا، وغيرها من الجوانب الكثيرة التي تكون بالجزم. وأما التردد فهو يوحي إلى أشياء كثيرة تناقض هذه الأشياء، فلهذا جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، وكذلك جاء أيضًا في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء في مسلم من حديث أبي هريرة من طريق أخرى، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دعا أحدكم فليجزم في الدعاء، فإن الله لا مستكرها له». وجاء في رواية في رواية حديث أنس قال: «إذا دعا أحدكم فليقل: اللهم اغفر لي - أو قال - فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله عز وجل لا مستكرها له». وفي رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء»، أي: لا يكون شيء عليه عظيم، مهما طلب الإنسان. فكما ذكرنا قبل حديث بذر في ذلك في مسألة سؤال الناس جميعًا مسائلهم، ويعطيهم الله عز وجل، فلهذا فلا يتعاظم الله عز وجل شيء من العطاء، وهو سبحانه وتعالى غني، يعطي ما يشاء جل وعلا، فلهذا قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء». وجاء في رواية حديث أبي هريرة في مسلم قال: «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعظم الرغبة، وليعزم المسألة»، ولكن ليعظم الرغبة، أي: رغبته في الدعاء، ليس أنه فقط لأجل أن يدعو، معنى بعض الناس تجدوا إذا دعا فقط مجرد أنه يدعو، يأتي بأي دعاء، بخلاف مثلًا من يأمن يرغب في هذا الدعاء، عنده رغبة عظيمة أن الله عز وجل يستجيب له بهذا الدعاء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فليرغب المسألة - أو قال - فليرغب الطلب، وليعزم المسألة، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء»، أي: مهما طلب الإنسان، فهذا الحديث يبين لنا أن المسلم إذا دعا ربه جل وعلا، فالله عز وجل كريم، وربنا جل وعلا عطاءه عظيم، فمهما طلب الإنسان مما يكون فيه ذلك الطلب، أي: لا يكون من الاعتداء كما تقدم معنى، فإن الله عز وجل يعطيه ما سأل. ولا ينبغي للمسلم أن يتقاصر بهذا، أو أنه ييأس؛ لأنه مثلًا يفعل كذا وكذا، لما يجد في نفسه من الذنوب أو غيرها، فيمتنع عن الدعاء، فهذا خطأ. ولهذا يقول سفيان بن عيينة - رحمه الله عليه - وهذا معنى كلمة عظيمة قالها - قال: «لا يترك أحدكم الدعاء لما يجد في نفسه أن لا يستجيب الله له، لما يجد في نفسه معنى من الذنوب والمعاصي، يقول: أنا بعيد، وأنا كذا، كل دنوب، كل كذا، فيترك الدعاء، يترك الدعاء بسبب هذا الأمر». فقال: «لا يترك أحدكم الدعاء لما يجد في نفسه، فإن الله عز وجل استجاب لشر من الناس - أو قال - أشر منك، وهو إبليس، لما قال: أنظرني إلى يوم يبعثون». أن إبليس دعا الله عز وجل، وقال: «رب انظرني إلى يوم يبعثون»، معنى طلب من الله عز وجل أنه يمهله، ويجعله في الحياة إلى أن يبعث الله عز وجل الناس، لا يميته، فاستجاب الله عز وجل لإبليس، وهو قد كفر، وأبى السجود، وأبى أن يطيع الله عز وجل، إلا أن الله عز وجل استجاب له في هذه الدعوة، قال: «ربي فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم»، أي: هذا الذي طلبته، فهذا فالله عز وجل استجاب هنا لمن إبليس، شر الأبالسة، وشر أيضًا معلم الأشرار، استجاب الله عز وجل له. وأنت يا عبد الله قد يكون عندك تقصير قليل، أو عندك شيء من المعاصي، فلا تحجبك أنك تدعو الله عز وجل، وتطلب منه سبحانه وتعالى ما تريد، فالله عز وجل يستجيب لعبده كما قد ذكرنا قبل في ما سبق من الكلام على شأن الدعاء وأهميته. فلهذا فإن العبد إذا دعا يجزم بهذه الدعوة، يجزم بهذه الدعوة، وهذا عند كثير من العلماء أنه واجب، لا يتردد في دعوته، لا يكون عنده تردد؛ لأن التردد غالبًا يأتي من عدم حسن الظن بالله، وكذلك التردد يأتي من عدم تعظيم الله. فلهذا قال كثير من العلماء: أن الجزم في الدعاء واجب، ولهذا جعله بعض العلماء من الشروط لاستجابة الدعاء، ومنهم من جعله مندوبًا؛ لما حصل في بعض الأحاديث وبعض الأدعية من المشيئة التي جاءت فيها، على سبيل المثال مثل حديث المرض، عندما يدعو المريض، جاء في الصحيحين عن عدة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم مريضًا فليقل: طهور إن شاء الله - أو - لا بأس طهور إن شاء الله». في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلص رجلًا عجوزًا من الأنصار، فقال له: «لا بأس طهور إن شاء الله»، فقال: «لا، بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذن»، فعنا إذا كنت هذا الذي تريده، وهذا الظن بالله عز وجل، فيكون على ظنه، فمات من ساعته. فلهذا دل هذا الحديث أيضًا على أنه أن الجزم في الدعاء واجب، ولا ينبغي للشخص أن يتردد؛ لأن التردد غالبًا ما ينشأ إلا من عدم حسن الظن بالله، أو ينشأ عدم الرغبة في الدعاء، وغيرها من هذه الأسباب. ولهذا هناك إشكال حصل للعلماء في مثل هذا الحديث، مثل حديث المرض، مثل حديث أيضًا الإفطار عندما يفطر الإنسان، يدعو فيقول: «ذهب الظمأ، وقتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله». «وثبت الأجر إن شاء الله» هنا، قال: «طهور إن شاء الله»، كيف معناه؟ يقول: «إن شاء الله» هنا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وليعزم المسألة، فإن الله لا مستكرها له»، وقال: «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة». فذكر العلماء هنا في الجمع بين هذه الأحاديث عدة أقوال، فمن قال: أن العبد إذا أراد أن يدعو يدعو بالجزم، يدعو بالجزم، هذا الأصل، ولا يتردد، فيذكر المشيئة؛ لأن الله عز وجل لا مستكرها له، بل يعطي الله عز وجل ما شاء، فلهذا يجوز. وأما ذكر المشيئة هنا في هذا الحديث هو من باب التبرك، وليس من باب التردد، «طهور إن شاء الله»، أي: هنا «إن شاء الله» من باب التبرك؛ لأن ما من شيء إلا وهو تحت مشيئة الله جل وعلا. مثل قول الله عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، هنا «إن شاء الله» جاءت للتبرك، وليس للتردد؛ لأن الله عز وجل لا مستكرها له، فهو فعال لما يريد جل وعلا، وكل شيء بيده سبحانه وتعالى. فلهذا فقوله: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ» أي: من باب التبرك، من باب التبرك. ولهذا يجوز للإنسان أن يأتي بإن شاء الله في الجزء من باب التبرك بهذه الكلمة، فيقول: «إن شاء الله» أيضًا في الأمور الجازمة مثل الدعاء وغيره. فإذا أدخل «إن شاء الله» فهي من باب التبرك، لكن إذا كان فعله يعني يخبر عن فعله فيقول: «إن شاء الله»، مثلًا كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فالمؤمن في عمله هو نفسه يقول: «إن شاء الله»؛ لأنه لا يدري هل سيوفق إلى هذا الفعل أو لا. فإذا وعد أحدًا فيقول له: «إن شاء الله أفعل»، أو «إن شاء الله أذهب»، «إن شاء الله لا أفعل»، فهذه «إن شاء الله» تكون للتردد في فعله العبد، لكن في فعل الله عز وجل ليس هناك ما يستكره الله عز وجل، أو يقف عنده فعل الله عز وجل، وعلى أمره، بل الأمر له سبحانه وتعالى، وهو فعال لما يريد جل وعلا. فلهذا قال العلماء: أن «إن شاء الله» في هذا الحديث إنما للتبرك. ومن العلماء من قال: أن هذا الحديث أو هذا الجزم يكون في الأشياء المستعظمة، في الأشياء المستعظمة التي يعظمها العبد إذا سأل، معناه يراه شيء كبير، فإذا سأل الله عز وجل فإنه لا يتردد، إذا كان هذا شيء يتعظمه في نفسه، مثل المغفرة، الرحمة، العتق من النار، دخول الجنة، الابتعاد من النار، وغيرها من هذه الأعظم لهذه الأمور العظيمة التي يطلبها. أو كذلك قد تكون أمور عظيمة في دنيا العبد، مثلًا يكون رجل عقيم يطلب من الله عز وجل أن يهب له الولد، مثل ما طلب زكريا نبي الله زكريا بعد أن بلغ به الشيب، وكانت امرأته عاقر لا تلد، فدعا الله عز وجل، فاستجاب الله عز وجل له. فلهذا فيكون مثلًا أحيانًا بعض الأشياء يتعظمها الإنسان، معناه يراها بعيدة جدًا، يراها بعيدة، فلهذا مثل هذا الأمر لا يتعظم، ما دام أنه يطلب من الله عز وجل الكريم، يطلب من الله عز وجل مهما أراد. فلهذا قال الصحابة رضي الله عنهم كما جاء في حديث أبي سعيد: «إذن نكثر يا رسول الله؟، قال: «الله أكثر»، قالوا: «جل نكثر في الدعاء والطلب»، فقال: «الله أكثر»، مهما طلبتم، ومهما دعوتم الله عز وجل، عنده كل شيء، عنده سبحانه وتعالى كل شيء. فـ «هذا نبي الله يوسف طلب من الله عز وجل أن يبعده عن النسوة التي كن يتحرشن به، وأنه يسجنه، فاستجاب الله عز وجل له، حتى في السجن، لكن بعد ذلك رفعه الله عز وجل أعظم مما طلب، وأعظم مما أراد، فجعله عزيزًا على مصر، ثم جعله ملكًا أو ملكًا على مصر». فهذا فلهذا فلا يتعاظم الإنسان أن يدعو الله عز وجل بما أراده الله سبحانه وتعالى. فلهذا قال العلماء هنا: المراد أنه إذا كان الشيء يتعاظمه العبد، لا ينبغي له أن يتردد، بل يطلب؛ لأنه كما جاء في الحديث: «فإن الله لا يتعاظمه شيء»، ليس شيء هناك عظيم على الله، ليس شيء هناك مستحيل على الله، أو أنه معنى يكون فيه يرى العبد أن هذا شيء مستبعد على الله عز وجل، فهذا خطأ، فهذا خطأ، بل يطلب ويجزم بالمسألة، يطلب من الله عز وجل، ويجزم بالمسألة. وكما ذكرنا قبل: أن الله عز وجل أعلم بمصلحة عبده، فإن كان عبده يدعو برغبة ورهبة وخضوع وخشوع لله عز وجل في هذا الطلب، وربنا جل وعلا يرى أن هذا لا يصلحه، بل قد يضره، فلهذا يصرفه الله عز وجل عنه، يصرفه الله عز وجل عنه، ويعطيه ما هو أعظم من هذا. ولهذا جاء في دعاء الاستخارة: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا - أي: هذا الشيء الذي أدعو - إن هذا الذي أدعو صلاحًا لي، إنك تعلم أنه خير لي في ديني ودنياي، وعاجل أمري وآجل أمري، وعاقبة أمري، وعاجله وآجله في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فيسره لي، ويسر لي به الخير حيث ما كنت، وإن كنت تعلم أن هذا شر لي، فاصرفني عنه، واصرفه عني، وقدر لي الخير أينما كنت أو حيث ما كنت»، كما جاء في الرواية. فلهذا فهنا فيه تردد، لكن تردد لماذا؟ لأجل أن العبد لا يعلم بمصلحته هنا، فصار هذا التردد في الدعاء. وكما سيأتي معناه: أن من العلماء من قال: أن التردد يأتي في الدعاء إذا كان العبد لا يعلم أين الخير له، إذا كان العبد لا يعلم أين الخير له، أو يكون هذا الدعاء مما لا يعلم العبد هل هو خير له أم لا. وهذا قاله في التوفيق بين هذه الأحاديث العلامة السعد - رحمه الله - ولم ير لغيره، والله أعلم، يقول رحمه الله: وهذا أوجه الجمع بين هذه الأدلة، يقول: أن الأشياء التي يجزم فيها هي التي تعلم أنها محض الخير والنفع للعبد، فعنى ما فيها شيء محتمل غير النفع، مثل الرحمة، المغفرة، العتق من النار، الدخول للجنة، غير هذه كلها محض خير للعبد، فمثل هذا لا يتردد فيها، يجزم فيها. وأما ما كان يتردد فيه هو الذي لا يعلم هل هو خير له أو لا، لا يعلم هل هو خير له أم لا، معناه الخير له أعظم من هذا، أو أكثر من هذا، أو شيء، فمثلًا قوله: «لا بأس طهور إن شاء الله»، هو لا يعلم أن هذا البأس الذي يذهب عنه هل هو خير له، أو بقاء المرض خير، أو بقاء المرض خير. قل: هذا جاء في الحديث الآخر، حديث أنس في الصحيحين، قال: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا محالة فليقل: اللهم حيني إن كانت الحياة خير لي، وأمتني إن كان الموت خير لي». فإن أحيانًا الموت يكون خير العبد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به»، أنا أصابه الضر، أصابته هذه الحياة مشاكل دائمًا، مشاكل أيضًا في بيته، في عمله، في كذا، فبعضهم أو مثلًا يصيبه المرض، الأمراض، ويستمر فيه، فبعضهم يضجر ويتمنى الموت، أو لكثرة الفتن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا محالة فليقل: اللهم حيني إن كانت الحياة خير لي، وأمتني إن كان الموت خير لي». فلهذا قال الشيخ هنا: الجمع بين هذا ما كان فيه خير محض، ليس فيه احتمال شر أو ضر، فهذا يجزم، لا يتردد، لا يقول: «إن شاء الله»، وإن قال: «إن شاء الله» من باب التبرك، ما في شيء. إذا قال: «إن شاء الله» من باب التبرك، فمثلًا حينًا الإنسان يقول: يقول له أخوه مثلًا: «نسأل الله عز وجل أن يكرمك في هذه الحياة»، فيقول: «إن شاء الله»، فهنا لا ينبغي أن يكون هذه «إن شاء الله» من باب التردد، وإنما من باب التبرك، يقول لها من باب التبرك: أن كل شيء بمشيئة الله، فهذا ما في شيء. لكن الله عز وجل لا يستعظمه شيء، ولا يتعظم عليه شيء، فلا يجعل «إن شاء الله» من باب التردد، وإنما يجعلها إن قالها من باب التبرد بهذه الكلمة. فلهذا قال الشيخ: ما كان فيه نفع محض، لا ضرر فيه، فهذا يجزم به، وما كان فيه احتمال فيكل أمره إلى الله عز وجل، ويقول: «إن شاء الله»، ما كان فيه احتمال أنه ما كان غيره أفضل، ما كان غيره أفضل. فلهذا لا يجزم كما قلنا في حديث الاستخارة، فيه تردد؛ لأنه لأن الإنسان لا يعرف هل هذا خير له أم هذا خير له، مثلًا إنسان يريد يسافر، يريد يتزوج، يريد كذا، فيسأل الله عز وجل، ويستخير الله عز وجل هل هذا خير له أم غيره، فهذا من باب يدخل تحت المشيئة؛ لأنه فيه تردد من العبد، ولا يدري العبد أين الخير له. كذلك كما قلنا في المرض: هل أن المرض هذا إذا ذهب هو الذي يريده هذا الخير له، أم أن الخير له أن يبقى هذا المرض فيه حتى يصفي ذنوبه، وأيضًا يذهب بما كان عنده من معاص وغيرها، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، أو أنه مثلًا يكتب عليه الموت، وهو خير له من الحياة؛ لأنه قد يطغى في هذه الحياة. أو أنه يكتب له الله عز وجل مثلًا الإنسان إذا طلب شيء من الدنيا، لا يدري هذا الشيء الذي من الدنيا هل هو خير له أم أنه شر، فيقول مثلًا: «اللهم يسر لي بيتًا إن شاء الله»، لا بأس يقول هنا «إن شاء الله»، لماذا؟ لأنه لا يدري هل هذا البيت خير له أم قد يكون شر عليه. «اللهم يسر لي مثلًا مالًا أفعل به كذا وكذا»، فهذا المال الذي يسر له هل هو خير له أم يكون له شر، خاصة في دينه، وغيرها من هذه الأشياء التي لا يعلمها العبد، ويعلمها الله عز وجل، ويكون نفعها فيه احتمال هذا وهذا. أما ما كان نفعها خيرًا محضًا، فهذا لا يتردد فيها؛ لهذا جاء في الحديث: «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت»؛ لأن المغفرة والرحمة خير محض، لا شر فيه أبدًا، فلهذا لا يتردد فيه العبد، لا يتردد فيه العبد. فخلاصة ما يذكر بهذا الكلام: أن المسلم لا يتردد في دعوته إلى ربه جل وعلا، ولو طلب شيئًا عظيمًا، ولو طلب شيئًا عظيمًا، فإن الله عز وجل لا يتعظم شيء، فقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، فسأل كل واحد مسألته، فأعطيته، ما يقف ذلك من ملكي شيء، إلا كما يدخل المخيط في اليم»، إلا كما يدخل أحدكم المخيط في اليم، يعني الإبرة، هذا يدخلها في البحر، فماذا عسى أن ترجع؟ أي: لا شيء، هذه القطرة التي أخذتها هي لا شيء بالنسبة لهذا البحر العظيم. فلهذا فلا يتعاظم العبد شيئًا من أدعيته، بل يطلب من الله عز وجل، ويرغب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وليعظم الرغبة»، «وليعظم الرغبة»، معنى يعظم الرغبة يكون عنده إلحاح في دعائه، عنده مثلًا يقين، وحسن ظن بالله أنه سيستجيب له في هذا الأمر، إلا كما قلنا إذا كان ربنا جل وعلا فرأى معنى من حكمته سبحانه وتعالى، رأى أن هذا قد يكون فيه ضرر عليه، فيصرفه عنه، ويعطيه ما هو خير له من ذلك. فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذا أو هذه المسألة، وهي مثلًا الجزم بالدعاء، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.