الوفاء وحفظ الجميل

الخطبة بعنوان الوفاء وحفظ الجميل، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 ربيع الأول 1445هـ الموافق 29 سبتمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الوفاء بالعهود والمواثيق في الإسلام

يستعرض الخطيب مكانة الوفاء بالعهود في الإسلام مستنداً إلى نصوص قرآنية وسنية، مبيناً أنه واجب حتى مع غير المسلمين. ويضرب أمثلة عملية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كالتزامه بصلح الحديبية مع أبي جندل وأبي بصير، ووفاء معاوية للروم.

نماذج عملية للوفاء بالعهود وسداد الديون من السيرة

يسرد المتحدث قصصاً تطبيقية تبرز حرص النبي ﷺ والصحابة على رد الحقوق والأمانات، كإجارة أم هاني، وسداد دين الأعرابي، وقصة الرجل الإسرائيلي مع البحر، وبركة تمر جابر في قضاء دين أبيه. يؤكد الخطيب أن الوفاء من خصال خيار الخلق عند الله تعالى.

الوفاء بالأمانات والديون في سيرة السلف والصحابة

يواصل الخطيب تأكيد وجوب الوفاء بالديون والعهود والأمانات كخلق أصيل، مستشهداً بوفاء النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته خديجة رضي الله عنها، وقصة الوفاء الشهيرة في الجاهلية بين الطائي وشريك والنعمان بن المنذر. يختم المحور بالدعوة للتحلي بالوفاء في المعاملات كافة محذراً من إضاعة الحقوق.

الختام بالصلاة على النبي والشكر للحضور

يختتم المتحدث مجلسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يكبر ويحمد الله تعالى. يوجه الشكر للحضور الكرام على حسن الاستماع والمتابعة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن ديننا الحنيف قد جاء بالأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة، فما من خلقٍ حسن إلا وحث عليه الإسلام ورغب فيه، وما من خلقٍ قبيح إلا وجاء الإسلام بذمه والتحذير منه. كيف لا ونبينا عليه الصلاة والسلام هو القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ألا وإن من الأخلاق الفاضلة الكريمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها خلق الوفاء. الوفاء يا عباد الله هو لغةً التمام والكمال، واصطلاحًا صدق الأفعال والأقوال، أن يكون المرء صادقًا في أقواله وصادقًا في أفعاله ووفيًا في معاملته للخلق، بعيدًا عن الكذب والفجور والغدر. أمر الله عز وجل بالوفاء فقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. وأثنى الله جل وعلا على الموفين بعهودهم، قال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾. وقال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وقال عز وجل: ﴿الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. هكذا أثنى ربنا سبحانه وتعالى على المتخلقين بهذا الخلق العظيم. كيف لا وربنا عز وجل اتصف بهذا الخلق كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾. أمر الله عز وجل بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق وإن كانت مع الكفار والمشركين، قال سبحانه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. هكذا أمر ربنا جل وعلا بالوفاء بالعهد مع المشركين. جاء عند أبي داود والترمذي من حديث عمر بن سليم -رضي الله عنه- قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد أي في ترك القتال، فنزل معاوية رضي الله عنه إلى بعض بلاد الروم حتى إذا انقضى العهد غزاهم. قال: فجاء رجل على فرس له وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر. فدعاه معاوية رضي الله عنه وسأله عن ذلك، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء». فرجع معاوية رضي الله عنه، وهذا الرجل هو عمر بن عبسة رضي الله تعالى عنه. ولما جاء أبو رافع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان مشركًا، فلما رأى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أعجبه، فأراد أن يسلم وأن لا يرجع إلى المشركين، وقد بعثوه رسولًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أخيس بالعهد، ولكن ارجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فعد إلينا». فرجع رضي الله عنه إلى المشركين ثم رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأسلم. رواه أبو داود بسند صحيح. ولما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة صلح الحديبية، الصلح المشهور الذي كاتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، وكان من بنود هذا الصلح أن من جاء من مكة مسلمًا إلى المدينة فإنه يرد إلى أهل مكة، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الصلح وهو يعلم أنه سيكون فتحًا للمسلمين. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل من أسافل مكة، وهو ابن سهيل بن عمرو، وكان قد أسلم وقد عذبه المشركون، فجاء وهو بقيوده فألقى بنفسه بين المسلمين. فقال سهيل بن عمرو: هذا أول من أقاضيك به أن ترده إلينا. قال عليه الصلاة والسلام: «أجزه لي» أي أتركه واستثنه. فأبى، قال: «لا أجيزه لك». فحاول معه النبي عليه الصلاة والسلام فأبى، قال: «إن لم ترده فلا صلح بيني وبينك». فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أرده إليهم. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد عذبت في الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا». ووفى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا العهد. ثم لما ذهب إلى المدينة فر رجل من مكة يقال له أبو بصير وقد أسلم رضي الله تعالى عنه حتى جاء إلى المدينة، فبعث المشركون برجلين لكي يردا أبا بصير إلى مكة، فدفعهم النبي عليه الصلاة والسلام إليهم وفاء بالعهد. فلما كان أبو بصير معهما في بعض الطريق وقد نزلا لأكل الطعام، قال أبو بصير لأحدهما: ما هذا السيف الذي معك؟ قال: نعم، إنه سيف كذا وكذا، وجعل يمدح سيفه. قال: دعني أنظر إليه. فأمكنه إياه فضربه أبو بصير فقتله، وفر الآخر هاربًا حتى أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو فزع، قال: قتل صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله قد وفيت بذمتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد». فعلم أبو بصير أنه سيرده إلى المشركين، فانطلق هاربًا حتى أخذ ساحل البحر، وفر أبو جندل من المشركين ولجأ إلى أبي بصير، فكان لا يفر أحد من مكة من أهل الإسلام إلا والتجأ إليهما حتى صاروا عصابة، فلا تمر قافلة لأهل مكة إلا هجموا عليها فقتلوا من فيها وأخذوا أموالها. فأرسل المشركون من أهل مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطالبونه بنقض هذا البند، وقالوا: من جاءك من مكة فهو آمن. ووفى عليه الصلاة والسلام بعهده، وجعل الله عز وجل للمسلمين فرجًا ومخرجًا. الوفاء بالعهود عباد الله، لما جاءت أم هاني يوم فتح مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد أجارت رجلًا من المشركين، أراد علي رضي الله عنه قتله، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هاني». متفق عليه. الوفاء عباد الله في رد الحقوق إلى أصحابها، وفي رد الديون والأموال، وفي معاملة الناس في البيع والشراء. جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى من أعرابي جزورًا أو جزائر على أن يعطيه وسقًا من تمر من تمر العجوة. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته ليوفيه الثمن لم يجد عنده شيء عليه الصلاة والسلام، فاعتذر لهذا الأعرابي، فقال الأعرابي: واغدراه، واغدراه. فقيل له: ويحك، أيقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا». ثم التمس النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فلم يجد شيئًا، فاعتذر إلى الأعرابي، فقال مرة أخرى: واغدراه. فردوا عليه حتى فعل ذلك ثلاثًا. ثم أرسل عليه الصلاة والسلام إلى بعض الناس يستلف منهم وسقًا من تمر، فوجد عندهم ذلك، فأرسل رجلًا مع هذا الأعرابي ليوفيه ثمن هذا الجزور. ثم مر هذا الأعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس مع أصحابه، فقال: جزاك الله خيرًا، لقد وفيت وأطيبت. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك خيار الخلق عند الله، الموفون المطيبون. أولئك خيار الخلق عند الله، الموفون المطيبون». أي الذين اتصفوا بهذا الوصف، أن كانوا من أهل الوفاء فإنهم من خير عباد الله عند الله سبحانه وتعالى. إذا كنت صادقًا وعازمًا في الوفاء وفقك الله جل وعلا وسددك وأعانك. قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلًا من بني إسرائيل أراد أن يستلف ألف دينار، فطلب من رجل أن يسلفه ألف دينار، فقال: أعطيك ذلك على أن تأتي لي بشهيد. فقال الرجل: كفى بالله شهيدًا. قال: رضيت. قال: فاتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: رضيت. فدفع إليه الألف دينار على أن يرده في اليوم الفلاني. فلما مضت الأيام وجاء وقت السداد، خرج الرجل إلى البحر لينظر مركبًا يركب عليه فيأتي إلى صاحبه ويسدد له الدين، فلم يجد مركبًا، فوجد خشبة فأخذها فنقرها ثم وضع فيها ألف دينار وصحيفة أي رسالة إلى صاحبه، ثم أحكم غلقها، ثم جاء إلى البحر فقال: اللهم إني استلفت من فلان ألف دينار فطلب مني شهيدًا فقلت الله فرضي بك شهيدًا، ثم طلب مني كفيلًا فقلت الله فرضي بك كفيلًا، اللهم إني أستودعكها. ثم رمى بها في البحر. وكان صاحبه يخرج إلى الساحل لينظر هل جاء صاحبه بالدين فلم ير أحدًا، فرأى هذه الخشبة فأخذها حطبًا لأهله، فلما نشرها إذا بالصحيفة والألف دينار في داخلها. حتى مرت الأيام ووجد الرجل مركبًا. انظروا إلى الحرص على سداد الدين والوفاء في ذلك. لما مرت الأيام ووجد مركبًا ركب فيه وذهب إلى صاحبه وجاء إليه بألف دينار أخرى، قال: لقد جهدت أن أجد مركبًا حتى آتيك بالدين. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أقول لك لم أجد مركبًا حتى اليوم. قال: إن صرف بالألف دينار فقد وفى الله عز وجل ما بعثت في الخشبة من الألف دينار والصحيفة. انظروا يا عباد الله كيف كيف يعين الله جل وعلا عبده إذا علم منه صدقه وكذلك حرصه على الوفاء، فإن الله جل وعلا يجعل له من الأسباب ويجعل له كذلك من أسباب التوفيق ما يعينه الله جل وعلا على ذلك. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جاء في صحيح البخاري أن جابرًا رضي الله عنه لما قتل أبوه يوم أحد وترك دينًا، وكان من ذلك الدين الذي تركه ثلاثون وسقًا من تمر لرجل من اليهود، جاء اليهود إلى جابر يطالبه بالوفاء. قال جابر: أنظرني. فأبى. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فكلمه، فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم فأبى. ولم يكن عند جابر في أرضه هذا المقدار من التمر. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم أرض جابر فجعل يدور فيها ثم خرج، فقال لجابر: «جد له». قال جابر: فجددت له ثلاثين وسقًا وزادت سبعة عشر وسقًا. ثم انطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليبشره فوجده يصلي العصر، فانطلق إلى عمر فأخبره. فلما انتهى من الصلاة أخبره بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهب إلى عمر فأخبره بذلك». فذهب إلى عمر فأخبره، فقال: لقد علمت أنها ستوفي ذلك، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم ومشى فيها، فعلمت أن الله عز وجل سيجعل فيها البركة. الوفاء يا عباد الله ينبغي للمسلم أن يكون وفيًا في معاملته للخلق. كم من الناس اليوم من يتلاعب بأموال الناس ويتلاعب بحقوقهم وديونهم، ربما يستدين ثم يأتي وقت السداد فلا يبالي بسداد الدين الذي عليه، وتمر الأيام والشهور والسنون وهو غير مبالي بوفاء هذا الدين. ليس هذا من خلوق أهل الإسلام، بل إن الإسلام يأمر بالوفاء. الوفاء يا عباد الله حتى مع الزوجات. انظروا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وكيف كان وفاؤه مع خديجة رضي الله عنها، لما وقفت مع النبي عليه الصلاة والسلام وواسته بنفسها وبمالها، وكانت من أول من آمن به من النساء، لم ينسَ النبي صلى الله عليه وسلم لها هذا الجميل، حتى إنه لم يتزوج عليها، ولما ماتت كان يكثر من ذكرها ومن الثناء عليها، وربما ذبح الشاة فقال: «ابعثوا بها إلى أصدقاء خديجة». حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تغر من أحد من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ما كان من غيرتها من خديجة، كما في صحيح البخاري، قالت: «ما غرت من أحد من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام إلا ما كان من خديجة، وما رأيتها قط، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وكان ربما ذبح الشاة فقال: أرسل بها إلى أصدقاء خديجة، فأقول: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد». هذا الوفاء. بعض الأزواج اليوم لربما تقف معه زوجته، ولربما تعينه وتسانده بمالها حتى يسد الدين أو يشتري أرضًا أو يبني بيتًا، ثم بعد ذلك ينسى هذا الوفاء، لربما يتزوج عليها وما زال الدين في ذمته، أو ربما إذا فتح الله عليه قام بطلاقها وفراقها والرمي بها ونسيان هذا المعروف الذي قامت به معه. ليس هذا من الوفاء. بل إن أهل الجاهلية عباد الله قد تخلقوا بهذا الخلق، خلق الوفاء في العهود وفي كذلك العقود والمعاملات. واضرب لكم قصة واحدة بها عظة وعبرة، وهو ما ذكره أهل التاريخ والأدب عن الملك النعمان من المنذر مع الطائي وشريك. كان النعمان من المنذر قد جعل على نفسه يومًا هو يوم بؤس وشؤم، من أدركه فيه قتله، ويوم نعمة وفرح وسرور، من أدركه فيه أكرمه. فبينما هو في ذلك اليوم يوم البؤس والشؤم إذ خرج رجل يبحث عن طعام لأولاده وقد أصابهم الجوع وأصابتهم الفاقة والحاجة، وبينما هو راجع إلى أهله إذ به يلتقي بالملك النعمان من المنذر، فقال: إني مقتون. ثم قال للملك: أيها الملك، لقد أصاب أهلي وأطفالي حاجة وأصابهم الجوع والفاقة، فذهبت أبحث لهم عن الطعام، فإن رأى الملك أن يمهلني حتى أذهب إليهم بهذا الطعام ثم أعود فيقضي في حكمه. فرحمه الملك وقال: رضيت بذلك بشرط أن يكون هناك ضامن منا يضمنك حتى إذا لم تأت قتلناه. نظر هذا الطائي في أصحاب الملك، فنظر إلى نديم النعمان وهو شريك، فقال: يا شريك بن عدي، ما من الموت انهزام، من لأطفال ضعاف عدموا طعم الطعام بين جوع وانتظار وافتقار وسقام، يا أخا كل كريم أنت من قوم كرام، يا أخا النعمان جدلي بضمان والتزام، ولك الله بأني راجع قبل الظلام. فما كان من شريك إلا أن قال: أصلح الله الملك، علي ضمانه. وانطلق الطائي مسرعًا إلى أهله حتى يدفع إليهم الطعام الذي معه. فقال الملك لشريك: تهيأ لهذا الأمر. قال: أيها الملك ليس لك علي سبيل حتى يأتي المساء. فلما اقترب الليل واقتربت الشمس من الغروب، قال الملك لشريك: تهيأ لتنفيذ الأمر. قال: لعل الرجل يأتيه. فإذا بملامح رجل من بعيد، قال: لعله الطائي. فجاء الطائي مسرعًا حتى رما بنفسه بين يدي الملك، فقال: لقد جهدت أن آتي قبل دخول المساء حتى ينفذ في الملك أمره. فما كان من النعمان إلا أن وضع رأسه في الأرض ثم رفعه، فقال له: عجبا لك أيها الطائي، ما تركت للوفاء مقاما ولا جميلا يذكر. ثم قال: وعجبا لك يا شريك، ما تركت للسماحة والكرم مقاما ولا أكون مقاما. لقد أسقط هذا اليوم يوم البؤس ورفعته عن الناس وأبطلت هذه العادة، وفاء للطائي وكذلك كرما لكرم شريك. ثم قال لهذا الطائي: ما حملك على هذا الوفاء وأنت تعلم أنك ستقتل؟ قال: إنه الدين، فإنه من لا وفاء له لا دين له. إذا كان هذا الخلق يا عباد الله عند أهل الجاهلية، فإن أهل الإسلام أولى أن يتخلقوا بهذا الخلق، وأن يكونوا من أهل الوفاء في معاملتهم مع ربهم سبحانه وتعالى، وفي معاملتهم مع الخلق، في معاملتهم مع الناس، في بيعهم وشرائهم، وفي اقتضائهم وديونهم، وفي معاملتهم مع الأصدقاء ومع الجيران ومع غيرهم، أن يكون المسلم وفيًا صادقًا في الأفعال والأقوال. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يوفقنا جل وعلا لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها ولا يحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئها، فإنه لا يجنب سيئها إلا هو. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر. شكرا.