الدرس في كلمة الشيخ الدكتور سليمان أبا الخيل حفظه الله - هاتفياً - .، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المحور على أن القرآن الكريم هو أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وحبل الله المتين، وأن تحقيق التوحيد الخالص هو سبب العز والنصر والنجاة. كما يحذر بشدة من الفرقة والاختلاف مستدلاً بآيات الاعتصام وأحاديث التحذير من دعاة الفتنة.
يحذر المتحدث من جماعات التكفير والتفجير المخالفة للكتاب والسنة، مؤكداً أن السلامة في التمسك بهما بفهم صحيح وتدبر. ويوصي طلبة العلم بجعل الاستدلال مقدمة للاعتقاد محذراً من تقديم الأهواء على النصوص الشرعية.
توضح الوصية الرابعة ضرورة اتباع الحق وعدم اتباع الأشخاص بعصبية، بينما تؤكد الخامسة وجوب السمع والطاعة لإمام المسلمين ولزوم الجماعة. وتحذر من الجماعات المنحرفة التي تخرج على ولاة الأمر بدعوى الشعارات البراقة مستدلة بأحاديث النبوة.
يدعو المتحدث الله أن يؤلف بين القلوب ويهدي إلى الحق ويجعلهم من المتمسكين بجماعة المسلمين وإمامهم مستشهداً بقول عمر بن الخطاب. ثم يشكر الحاضرين ويختتم بالسلام والدعاء بالحفظ والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي الكريم، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بداية أرحب بالإخوة جميعاً، وأسأل الله لي ولهم القبول، والهدى من النار، وأن يعيد علينا هذا الشهر الكريم أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، ونحن جميعاً بأمن وأمان، وصحة وسلامة، وسعة رزق. ثم أرحب بالإخوة جميعاً، وأدعو الله عز وجل لي ولهم بالتوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا وإياهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه. إن الإخوة، إن مثل هذه اللقاءات فيها خير كثير، ونفع عميم، ويحصل فيها من التعارف والتواد والتراحم والتعاطف ما لا يخفى على كل إنسان. وبما أن هذا اللقاء قصير الوقت ومحدود وقته، فإني سأركزه على وصايا وتوجيهات. الوصية الأولى: التعلق بأعظم معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأفضل كتاب أنزل على البشرية جمعاً، وهو القرآن الكريم. هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. هذا الكتاب الكريم الذي هو حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم. من أخذ به هدي، ومن تركه ضل. فيه خبر من قبلنا، وحكم ما بيننا، ونبأ من بعدنا. هو السبع المثاني، والقرآن العظيم. هو الكتاب الذي تضمن كل ما يصلح البشرية جمعاً في معاشها ومعادها، في أولها وآخرها. هذا الكتاب الكريم له مقاصد ومعان، وفيه قصص وعبر ومواعظ. وأعظم ما جاء فيه: إخلاص العبادة لله عز وجل، وتوحيده، وأن يصرف الإنسان كل عمل يقوم به لله عز وجل، فلا يدعو إلا الله، ولا يعبد إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. ونعلم أن دعوة القرآن إلى التوحيد رمت جميع بيان ما كانت عليه صلوات السابقة، وأن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم اتفقت على إخلاص التوحيد لله عز وجل، واختلفت في بعض الفروع والأحكام. ومن هنا فإنه يجب علينا أن نعلم أن هذا التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأكده القرآن وكرره، وكذلك اعتنى به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان دأبه وشغله وهمه في جميع أحواله وأوقاته، هو سبب العز والنصر والتمكين، وهو طريق النجاة والفلاح والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة. هو الذي إذا لقي الإنسان شأن ربه به أدخله الجنة. قال صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة». وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾، أي بشرك، كما تبين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، عندما نزلت هذه الآية شق عليهم الأمر أيما مشقة، وعظم عليهم الحال، فجاءهم الفرج من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾؟». فالمقصود بهذه الآية: الشرك. ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾، أي بشرك، أو بذنوب، أو قرارات تنقص التوحيد أو تقضي عليه. أولئك لهم الأمن، أي جزاؤهم وثوابهم هو الأمن التام في حياة الدنيا وفي الآخرة. فبالحياة الدنيا يأمن الإنسان على نفسه، وعلى عرضه، وعلى ماله، وعلى عقله ودينه، بل وعلى حاجياته وكمالياته. وفي الآخرة يحصل له الأمن التام، وذلك بأن يزحزح من العذاب ويدخل الجنة. وهذا هو حقاً الأمن الذي يطلبه الإنسان، ويحتاج إليه، ويسعى إليه. كما اشتمل هذا القرآن على الدعوة إلى الحق، وإلى الاجتماع والألفة، والتعاون على البر والتقوى، ونبذ الخلاف والاختلاف والفرقة أينما حلت وحيثما كانت، ومهما كان من جاء بها. وهذا التحذير من الخلاف والاختلاف والفرقة يجب أن نعتني به، وأن نعتني به عناية كبيرة، وأن نحذره، وأن نحذر هذا الاختلاف وهذا التفرق. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكد على هذا المعنى وطلبه، إذ قال في حديث حذيفة بن اليمان، عندما قال: هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قال: قلت: صفهم لنا يا رسول الله. قال: «هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قال: قلت: يا رسول الله، فبماذا تأمرني إذا كان الأمر كذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قال: قلت: فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فالخلاف كله شر، والفرقة كلها فتنة. وإننا في هذا المقام، ومن خلال هذه الكلمات المختصرة، لنحذر من دعاة التطرف والغلو، وجماعات التكفير والتفسيق والتفديع، ونطلب من إخواننا أن يدركوا حقائقها، ويعرفوا شرورها، وما تورثه من الفساد والإفساد، والقتل والتدمير. والواقع يشهد على ذلك، وهو خير برهان على ما تورثه من الأحقاد والأضغان والشرور والفتن. هذه الجماعات التي خالفت الكتاب، وضلت الطريق الصواب، ووجد لها أرباب وأتباع يدعون الإصلاح والصلاح، وأنهم هم الذين يتمسكون بهذا الدين، وهم أبعد ما يكون عن دين الله، بعدوا عنه كما بعدت الثريا عن الثرى. فلنحذر من هؤلاء الدعاة الذين هم واقفون على أبواب جهنم، ونحذر منهم أنفسنا وأبناءنا ومجتمعاتنا، حتى أن نلتزم قول الله عز وجل، ونهتدي به، ونسلكه سبيلاً واضحاً وطريقاً مستقيماً. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. هذه الجماعات هي أداة من أدوات الأعداء، لم يستطيعوا أن يؤثروا على أبناء الأمة الإسلامية من الخارج، فاخترعوها واقتدعوها ودعموها، لتكون أشد فتكاً، وأنكى ضرراً، وأعمق أثراً على الأمة الإسلامية. ونحن ندرك ذلك إدراكاً تاما، ونعيه وعياً دقيقاً، ولا يمكن أن نردها أو نصدها إلا بالأخذ بكتاب الله، وما دعا إليه من الاجتماع والألفة، والالتزام بجماعة المسلمين وإمامهم، الذي يحكم هذه البلاد أو تلك. الوصية الثانية: العناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقبل الدخول بالوصية الثانية، أقول: إن من لوازم العناية بكتاب الله: إعرابه، وتدبره، وتلاوته، وحفظه. ولكن يجب أن يصاحب هذه التلاوة والعناية والحفظ والتدبر: الفقه والفهم. لا يكون حظنا منه مروره على ألسنتنا، حتى أن يصل إلى حناجرنا، فنقع في البهتان والظلم والجهل، أو نكون لا قدر الله من أولئك الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ورائكم قوماً تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية...» الحديث، «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان». بل يكون اهتمامنا بالقرآن الكريم اهتماماً بحفظه وتلاوته وفهمه وتدبره وتنزيله على النوازل، التي لا يمكن أن نلوي أعناق النصوص لنعطلها، بل نطبق هذه الآيات على الأحكام تطبيقاً سليماً واضحاً، لا تأويل فيه ولا شبهة. الوصية الثانية: هي العناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه العناية تكون بحفظها ونشرها ودعمها في جميع مجالاتها، لأن هذه السنة هي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية، بل قد تكون الأولى في كثير من الأحكام. ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفارق هذه الدنيا وينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بين للناس ما يحتاجونه في جميع شؤونهم: في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وملابسهم وبيوعهم وتعاملاتهم، مع الصغير والكبير، مع المسلم وغير المسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم، وسأل رجل سلمان الفارسي، وهذا الرجل من اليهود، سأل سلمان الفارسي: علمكم نبيكم كل شيء؟ قال: نعم، علمنا كل شيء، حتى الخراءة، فقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، أو نستدبرها ببول أو غائط. ولذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا ذكر لنا منه علماً». وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «فقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على البيضاء، ليلها كنهارها». وذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». وقوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله»، وهذا في الصحيح، «وسنتي»، وهذا وارد في السنن وهو صحيح. ولذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من قوم يجعلون السنة، أو قد يعارضون بها القرآن، أو يأبونها ويردونها. فقال كما في الحديث الصحيح: «لأوشكن أن يرفع رجلكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أحللت أو حرمت، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». فالسنة فيها خير عظيم، ونفع عميم، ولا يمكن لهذا الدين أن يقوم إلا بالقرآن والسنة معاً. وهذه السنة أيضاً تحتاج إلى وعي، وإلى إدراك وفهم، في تطبيق نصوصها على الوقائع والحوادث والأحداث. لا يمكن لكل شخص أن يقوم بذلك، وإنما يقوم به العلماء الربانيون، الذين تأصلوا عقدياً، وصفوا فكرياً، وتلوا منهجياً، وكان هَمّهم خالصاً لله عز وجل. ولذلك يحذر من أولئك الذين يحاولون التشديد في النصوص، أو تمييعها وإبطالها، وجعل الناس ينطلقون دون رائد أو حكم من شريعة الله عز وجل. الوصية الثالثة: وبما أن أغلبكم أو كلكم إن شاء الله طلبة علم، أن يكون هَمّ الواحد منا الاستدلال ثم الاعتقاد، لا يكون هَمّه الاعتقاد ثم الاستدلال. لأنه إذا اعتقد ثم استدل، ذهب يطبق النصوص على ما يعتقده، فيحرفها ويؤولها ويصرفها لتتوافق مع ما يريد. بخلاف الذي يستدل ويبحث عن الدليل ثم يعتقد، فهذا سيصل إلى الحق والصواب بإذن الله عز وجل. ولنعلم أنه ما انحرف المنحرفون، وتأول المتأولون، وشطح الشاطحون، وزايد المزايِدون، وزيف المزيفون، وكذب الكاذبون، إلا لأنهم يعتقدون ثم يستدلون، فهذا أوقعهم في الانحراف، وفي الضلال، وفي إضلال الناس. أسأل الله العافية والسلامة. الوصية الرابعة: هي أن نعلق الرجال بالحق، ولا نعلق الحق بالرجال. لأننا إذا علقنا الرجال بالحق لم نأخذ إلا حقاً. وإذا علقنا الحق بالرجال أصبحنا أصحاب هوى، وذهبنا نتتبع الرجال ونأخذ منهم دون تمحيص أو تدقيق، فيكون الحق هو ما قالوه، فيكون هؤلاء الرجال هم الحق، وبالتالي تضيع الأمور، لا يمكن أن تسيطر عليها. والمتأمل في واقع كثير من الناس يرى ذلك واقعاً حياً ملموساً، يشاهد في أن هذا الشخص أو ذاك يقول: «لا، هذا هو العالم الأجَل، الحبر، الفهامة، الذي لم تطلع الشمس على مثله، ولم تنجب الأرض شبيهاً له». لا يحصل ما يحصل من الخلط في المفاهيم، ويُدس السم في العسل، وتضيع الأمور، ويكون الناس فوضى، لا يعرفون من يتبعون أو يأخذون منه. الوصية الخامسة والأخيرة: هي أن نلزم جماعة المسلمين وإمامهم، ونعلم أن علماء الإسلام منذ عهد، منذ أول عهد بني أمية إلى يومنا هذا، اتفقوا على أن الإمام الذي يستولي على بلد أو بلدان، ويبايع له السمع والطاعة، فإنه تجب له السمع والطاعة في غير معصية الله، ويكون إماماً على تلك البلاد أو البلدان، لا يجوز الخروج عليه، بل يحرم الخروج عليه. وإذا خرج عليه الإنسان، أو أثار فتنة، فإنه ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميعاً يريد أن يفرق...»، و«من أتاكم وأمركم جميعاً على رجل واحد يريد أن يفرقكم فاقتلوه كائناً من كان». في الرواية: «فاضربوا عنقه». وإن الجماعات، وإن الجماعات، وإن الجماعات المعاصرة التي انحرفت عن هذا المفهوم، وحاولت أن تبدل في بيان كيان هذه الجماعات ومفاهيمها وبنائها، كابدت ذلك وتخالف وتضرب به عرض الحائط، لأنه يلزمها الحق، فهي تريد أن تصل إلى مغانم دنيوية وسياسية، وتسقط كل من يقف في وجهها، ولا تعترف بهذه الحكومة أو تلك، وتحاول أن تصل إلى ذلك بالشعارات البراقة والشعارات المذيبة، ودغدغة مشاعر وعواطف الناس، بعواطفهم وغير عواطفهم، وبالتالي يصبحون حطباً لهذه الجماعات في تحقيق مآربها، وكذلك تمزيق الأمة، وإيراث الشرور والفتن بين أبنائها. ومن هنا جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود، وابن أبي عاصم في سننه، من حديث معاوية رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن أهل الكتاب افترقوا قبلكم على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، في النار كلها إلا واحدة، وهي الجماعة». وإنه يخرج من أمتي أقوام تhovى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله. وإنه يخرج من أمتي رجال يأوون إلى أهواء، أي يتبعون أهواءهم، وفق ما تمليه عليهم جماعاتهم وأرباب هذه الجماعات، يتجارى بهم ذلك الهوى، أي يصرفهم ويحرفهم ويقودهم، كما يتجارى الكلب، أي كما يؤثر داء الكلب، وهذا الداء هو الذي يصيب الإنسان عندما يعضه الكلب المسعور، كما يتجارى هذا الداء بصاحبه، لأن هذا الداء وهو الكلب إذا أصاب الإنسان يمشي فيه كما يمشي الدم في العروق، ويقضي عليه، لأن مآل صاحبه إلى الهلاك. يتجارى بهم كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يترك منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله. وهذا دليل على أن من شارك خُلق هذه الجماعات، ونهج نهجها، وأخذ بقيادها، فإنه يُصْبِح مريضاً مثل مريض داء الكلب، وهذا المرض يلحقه في عروقه ومفاصله وكل جسمه، حتى يهلكه ويقضي عليه. وهذا شأن كل صاحب فتنة وبدعة، من بدأ الغلو والفساد، التي نشاهدها عياناً بياناً في كثير من الأحيان، وردماء للوليد في هذه الجماعات، قد تأثر بأربابها وأصحابها، أياً كانت. أجد أن الله عز وجل، كما سمعنا بعض الآيات، حذر من هذه الجماعات، وهذا الاختلاف والفرقة، لأن هذه الجماعات تسبب الخلاف والاختلاف والفرقة. ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قرر ذلك، وأكد على لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، وأن نصح له في أكثر من حديث، وقد أحصرتها في كتابي «مفهوم الجماعة والإمامة: وجوب لزومهما وحرمة الخروج عليهما في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح»، تزيد على أربعين دليلاً، وأكثر من عشر آيات، كلها تصب في الدعوة إلى الحذر من هذه الجماعات، وأرباب الشعبة والشعارات المزعومة. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وقال صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت المتواتر: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم». ولنعلم أن الخير والفلاح والسعادة هي مع جماعة المسلمين وإمامهم، وأن الشر والتبعة هو بالخروج على هذه الجماعة، وعلى هذا الإمام. ولذلك نرى أصحاب العقيدة الصحيحة والمنهج السليم دائماً مطمئنين، غير مرتاعين، لا يعتبرون الخلاف خلافاً، ولا الاختلاف اختلافاً، ولا يؤولون النصوص، ولا يدعون إلى الشرور، بل هم خير ونور لكل من جلس معهم، واستفاد من دعوتهم ومن هَمّهم. أسأل الله العلي القدير أن يألّف بين قلوبنا، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق، وأن يجعلنا ممن يلزمون جماعة المسلمين وإمامهم، لأن من لزم جماعة المسلمين فإن جزاءه بحبوحة الجنة، كما قال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. جزاكم الله خيراً يا شيخ، الله يحفظنا وإياكم، آمين. حفظ الله على الإخوان كلهم، إن شاء الله. يا شيخ، يوصل بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.