أهمية التوحيد

المحاضرة بعنوان أهمية التوحيد، والتي كانت بعد صلاة المغرب بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17محرم 1445هـ الموافق 4 أغسطس 2023م ألقاها منوع

منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد

يستعرض المتحدث كيف بدأ جميع الأنبياء دعوتهم بتوحيد الله وحده، مستشهداً بآيات عن نوح وهود وصالح وشعيب ومحمد صلى الله عليهم وسلم. ويؤكد أن أول ما يُسمع الأقوام هو الدعوة إلى التوحيد لا إقامة الدول.

خطر التوسل بالقبور وشبهته بشرك قريش

يروي رفض النبي صلى الله عليه وسلم مبايعة من يعلق تميمة، مبيناً أن اتخاذ الوسائط بين العبد وربه هو عين شرك كفار قريش. ويحذر من دعوات الصوفية والتبليغ التي تستهين بهذه الأمور، مؤكداً أن الاستغاثة بالموتى شرك صريح.

أهمية الدعوة التفصيلية لتوحيد العبادة وتقسيم التوحيد

يشدد على ضرورة الدعوة التفصيلية بتحذير من صور الشرك كذبح غير الله والنذر والتعليق، لأن العبارات العامة لا تكشف للناس ممارساتهم. ويشرح تعريف التوحيد وتقسيمه إلى الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويرد على اعتراضات بدعوى البدعة.

دعاء ختامي بالبركة والهداية لأهل السنة

يختتم المتحدث بدعاء الله أن يبارك في المكان والجهود وأهل السنة، وأن يهدي ظالمي المسلمين وجهالهم ويعلمهم التوحيد. ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا كثيرًا إلى يوم الدين. فنسأل الله جل وعلا أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحومًا، وتفرُّقنا من بعده معصومًا، وأن لا يجعل من بيننا ولا فينا شقيًّا ولا محرومًا. وقضى الله خيرًا مشائخ هذه الدار المباركة التي عهدناها وهي منارةٌ في الدعوة إلى توحيد الله جل وعز، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منذ زمن بعيد، فكتب الله أجرهم، وشكر الله سعيهم فيما يقومون به من الدعوة إلى توحيد الله جل وعز، وتحذير الناس من الشرك. فهذه دعوة الأنبياء والمرسلين، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين: أنهم جاءوا إلى إنقاذ البشرية، فما جاءوا لإقامة الدول والمماليك، وإنما جاءوا بالدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وإنقاذ الناس من الشرك بالله جل وعلا. هذا هو منهجهم، وهذه هي طريقتهم. فإذا تأملت القرآن يا عبد الله، وجدت أن الرب سبحانه وتعالى يقص علينا قصص الأنبياء، وكيف دعوا أممهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. قال ربنا جل وعز عن نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ [هود: 25-26]. وهكذا قال ربنا جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 65]. وهكذا قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 73]. وهكذا قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 85]. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام جمع قريشًا فقال: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]. فكانت طريقة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أنهم أول ما كانوا يقرعون أسماع أقوامهم بالدعوة إلى توحيد الله جل وعلا. لا يقولون: نجمع الناس ونجمع الخلق، ولا نهتم بالتوحيد أولًا، بل كان أول ما يهتمون به التوحيد. جاء نفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعوه، فأمسك عن واحد لأنه كان يعلق تميمة، فقطعها، ثم بايعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. تعليم في الحال، ليس كدعوات أهل الضلال من الصوفية القبورية، ومن دعوة التبليغ: يقولون لا تهتمون بهذه الأمور. سبحان الله! كيف لا تهتمون بهذه الأمور؟ يموت العبد وهو يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ولا تنصح له. ولذلك قال أبو يزيد البسطامي: «استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق». وقال أحد السلف: «استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، فاقد الشيء لا يعطيه». فدعوة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام هي دعوة إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة. وما معنى إفراد الله جل وعلا بالعبادة؟ أي أن توحد الله سبحانه وتعالى أنت يا عبد الله في أفعالك: من ذبح، ومن نذر، ومن دعاء، ومن استغاثة، ومن رهبة، ومن رغبة، ومن رجاء، ومن توكل، ومن خوف السر. فكل ما كان من أفعال العبد فهو توحيد العبادة. واتخاذ الوسائط بين العبد وبين ربه جل وعلا هذه هي عقيدة كفار قريش بنصها وبفصها وبشحمها وبلحمها: أن تتخذ بينك وبين الله جل وعلا واسطة. هذا هو الشرك الذي أشركه كفار قريش. قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]. وقال ربنا جل وعلا: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18]. فشرك كفار قريش كان في اتخاذ الوسائط. وهذه شبهة شيطانية ألقاها عليهم الشيطان: أنكم أهل معاصي وأهل آثام وأهل كبائر وأهل جرائم، ولا يقبل الرب جل وعلا منكم إلا إذا اتخذتم الواسطة، فأشركوا بالله جل وعلا شرك الوسائط. فاليوم الذين يذهبون إلى المقبورين ويستغيثون بهم ويدعونهم، أو يطلبون منهم أن يغفر الله جل وعلا لهم، أو أن يوصلوا العبادة لله تبارك وتعالى، هذا هو عين شرك كفار قريش. والتوحيد الدعوة إليه لا بد أن تكون تفصيلية، ولا يكفي أن تكون إجمالية. وما معنى هذا الكلام؟ معناه يا طالب العلم: أنك إذا آتيت إلى توحيد العبادة الذي حصلت فيه الخصومة بين الأنبياء والمرسلين وبين أممهم، فإنك تأتي إلى توحيد العبادة فتدعو إلى توحيد العبادة بأفراده: فتحذر من الذبح لغير الله، وتحذر من النذر لغير الله، وتحذر من تعليق الحروز والتمائم، وتحذر من خوف السر أن يصرف لغير الله، وتحذر من الحلف أن يصرف لغير الله جل وعلا. وهكذا إذا دعوت يا طالب العلم إلى توحيد العبادة الدعوة التفصيلية، هنا يظهر لك الذي وقع في الشرك، ويتعلم منك الجاهل. لكن إذا كنت فقط تقول في الخطب والمحاضرات والدروس: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحدوا الله، بعض الناس قهال لا يدري أن تعليق الحروز والتمائم من الشرك، بعض الناس قهال لا يدري أنه إذا زار الأولياء والمقبورين وطلب منهم الشفاعة أن هذا شرك، فيبقى على شركه وعلى كفره. لكن لما تدعو بهذه الدعوة التفصيلية، وتحذر من الشرك هذا التحذير التفصيلي، فهذه هي دعوة الأنبياء والمرسلين. والتوحيد في اللغة: مصدر وَحَّدَ يُوَحِّدُ توحيدًا، إذا جعلت الشيء واحدًا. وفي الشرع: هو إفراد الله بالعبادة، أو إفراد الله بما يختص به من ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وهذا التقسيم أخذ بالاستقراء: استقرأ العلماء الكتاب والسنة، فوجدوا أن الكتاب والسنة فيها تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، كما أن علماء اللغة العربية استقرأوا الكلام العربي فوجدوه ينقسم إلى اسم، وإلى فعل، وإلى حرف. ولم يعتب عليهم عاتب، ولم ينتقدهم منتقد، ويدرس الجميع هذا العلم: أن الكلام العربي ينقسم إلى اسم وفعل وحرف، يدرسه أهل السنة والجماعة والصوفية والرافضة وجميع الفرق والطوائف، ولا ينكرونه. لكن لما جاءوا إلى توحيد الله، وعلموا مغزى هذا التقسيم، وأنهم سيفضحون أمام العامة، قالوا: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام مبتدع، لأنه فضحهم هذا التقسيم. وقالوا: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام هذا تثليث كتثليث النصارى، والعياذ بالله! لماذا؟ لأنك يا طالب العلم لما تقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام تقول: القسم الثاني توحيد العبادة، وتشرح توحيد العبادة، هنا يقن جنونهم ويتعصبون، لأنك ستفضح هؤلاء القبوريين أنهم يدخلون قوافل الناس إلى القبور على الشرك الأكبر، والعياذ بالله. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يبارك في هذه الدار، وفي هذه الجهود، وفي أهل السنة والجماعة حيث ما حلوا، وأن يهدي ظال المسلمين وجاهل المسلمين، ويتعلمون التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.