الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة القرآن على البعث مبيناً أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله على إحياء الموتى، وأن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الإنسان فمن أقر بالأعظم وجب عليه الإقرار بالأدنى، مع ذكر قصص إحياء الأموات في الدنيا ونجاة الأنبياء وعذاب المكذبين كنموذج لجزاء الآخرة.
يقرر النص أن حكمة الله وعلمه تأبى ترك الخلق سدى دون أمر ونهي وثواب وعقاب، فيجب التفريق بين المؤمن والكافر في الجزاء وهذا يستلزم البعث والمعاد، مستدلاً بآيات تنفي التسوية بين المسلمين والمجرمين وبقصص الأمم السابقة التي عوقبت في الدنيا نموذجاً لجزاء الآخرة.
يسرد المقطع عدة قصص قرآنية وقعت في الدنيا تثبت قدرة الله على إحياء الموتى، منها صاحب البقرة الذي أحيي ليشهد على قاتله، وآلاف من بني إسرائيل أماتهم الله ثم أحياهم، والرجل الذي مر على قرية خاوية فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وإبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة، وعيسى عليه السلام بإحياء الموتى بإذن الله، خاتمة بالتأكيد على أن الله على كل شيء قدير.
يعلن المتحدث انتهاء الحديث والاكتفاء بما تم ذكره، مفوضاً العلم الكامل إلى الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال المؤلف رحمه الله: ومنها إحياؤه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى، وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض والمخلوقات العظيمة. فما أثبته المنكرون لذلك، ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياءه الموتى؟ وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته، وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون. وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد. ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه في الأمم الماضين والقرون الغابرة، وكيف نجّى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث، ونوّع عليهم العقوبات، وأحل بهم المتلات. وهذا جزاء معجّل ونموذج من جزاء الآخرة. أراه الله عباده ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. ومن ذلك ما أراه الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا، كما ذكره الله عن صاحب البقرة، والغلوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات، وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار، ليعلم أنه قوي ذو اقتدار، وأن العباد لا بد أن يردوا دار القرار، إما الجنة أو النار. وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة، والله أعلم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فهذه قاعدة نافعة جليلة، كلما قرأ المسلم القرآن ينبغي عليه أن يتدبر وأن يتمعن مثل هذه المعاني في تقرير المعاد. فذكر منها إحياؤه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾. وانتبه إلى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾. تقدم معنا أن ما يذكره الله عز وجل في أول الآية إنما هو أحد قدرته. طيب، فمن أحد قدرته إحياء الأرض الميتة بعد موتها، ومن أحد قدرته بعث الخلائق بعد الموت. طيب، فلذلك يأتي بعموم قدرته بعد ذكر أحد بعض القدرة، فقال الله عز وجل في هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾. واضح هذا الآن. وكذلك قرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض، كما قال الله عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. هكذا الآية، صح: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. واضح. فأيهما أعظم؟ هذا الإنسان الذي ربما ما يزيد على متر ونص، أو متر وثمانين سنتي في عشرين سنتي، أو تلك السماوات العظيمة والأرض الواسعة الشاسعة؟ أيهما أعظم؟ لا شك أن السماوات والأرض أعظم خلقاً. فكيف لا يستطيع ربنا سبحانه وتعالى أن يبعث هذا المخلوق الضعيف بعد موته، وقد خلق هذه المخلوقات العظيمة الجليلة الواسعة الشاسعة؟ فخلق السماوات أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قال: فما أثبته المنكرون لذلك، ولن يقدروا على إنكاره. هم الآن، الله عز وجل يقول في بعضهم وهو يبين أنهم يقرون بخلق السماوات والأرض: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. طيب، وهم مع هذا ينكرون البعث والنشور. فالله عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. فكيف أنتم تؤمنون بخلق السماوات والأرض أن الله خلقها، ولا تؤمنون ببعث الأجساد بعد موتها؟ أيهما أحق بالإيمان والإقرار؟ الأدنى أحق بالإقرار والإيمان. ضع هذا الآن. فهذا معنى قوله: فما أثبته المنكرون لذلك، ولن يقدروا على إنكاره. يعني أثبتوا خلق السماوات والأرض، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟ لماذا يستبعدون إحياء الموتى؟ هذا ذكر في آيات كثيرة، ذكر في آيات كثيرة: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. فالذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، أليس هو قادر على أن يحيي العظام بعد موتها، ويحيي الموتى بعد موتهم؟ لا شك ولا ريب أن الله عز وجل هذا الأمر أهون عليه، هذا الأمر أهون عليه سبحانه وتعالى. قال: وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته، وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون. وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد. يعني في القرآن تمر على آيات كثيرة فيها أن الله عز وجل، وهذا من كمال علمه وحكمته سبحانه وتعالى، أنه لا يساوي في الجزاء وفي العقوبة بين جميع خلقه. فليس من العدل أن يجازي المسيء كجزاء المحسن. أليس كذلك؟ بلى. يعني هل الكافر الذي لا يحلل حلالاً ولا يحرم حراماً كذاك المؤمن الذي منقاد لدين الله وشرع الله وأحكام الله؟ لا يستوون. وإذن قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. هذا ليس من العدل. فهذا كله يقرر لنا المعاد. لماذا؟ لأن لو قلنا لا يوجد معاد ولا جزاء، إذن لا يعاقب المسيء ولا يجازى المحسن. فأنتم هذا الآن، ولا يجازى ماذا؟ المحسن. وهذا من الظلم، ليس من عدل الله عز وجل. هذا معنى قوله: وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته، وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين. يعني ما خلق الله عز وجل الخلائق هكذا بدون حكمة ولا غاية، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. هذه الآية يوبخ الله عز وجل بها الكفار، وهم في النار بعد بعثهم وحسابهم ومجازاتهم، لأن الآيات في سياق ذكر أهل النار، في سياق في آخر سورة المؤمنين. ماذا قال الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآية؟ قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. هذا يخاطب أهل النار. ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُم كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. هل غننتم هذا الظن وأنكم خلقتم هكذا عبثاً؟ وكما قال في الآية الأخرى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال ابن عباس: أي لا يؤمر ولا ينهى. واضح هذا الآن. فهذا أيضاً مما يقرر به أمر المعاد، أن الله عز وجل يثيب المحسنين على إحسانهم، ويعاقب المسيئين على عصيانهم، فلا يستوون مثلاً. نعم. قال: ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه في الأمم الماضين. يعني الله عز وجل جعل لنا بعثاً ونشوراً مصغراً في هذه الدنيا، إن صح التعبير. فالله عز وجل في هذه الدنيا يجازي أهل الإيمان بالإحسان، فينجيهم من عذابه وينصرهم على عدوهم، ويجازي أهل الشرك والكفر والطغيان بما يستحقون من العقوبة، فيهلكهم. منهم من أهلكه بالغرق، ومنهم من أهلكه بريح صرصر عاتية، ومنهم من أهلكه بالصيحة، ومنهم من أهلكه بالحجارة، ونحو ذلك. فإذن الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا يجازي أهل الإحسان بالإحسان، وأهل الإساءة بالعقوبة، وكذلك العذاب. فهذا أيضاً مما يقرر به الجزاء يوم القيامة، وأن الله عز وجل يعني سيبعث الخلق جميعاً ويجازيهم على أعمالهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. هذا معنى قوله: ومما قرر به البعث مجازات المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه، يعني من ما مضى في القرون الماضية والقرون الغابرة، يعني التي قد غبرت وقد انتهت. وكيف نجّى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث. هذا في الدنيا. فإذا ثبت العقاب والجزاء في الدنيا، فلا شك أنه ثابت كذلك في الآخرة، وما يكون ذلك إلا بعد البعث والنشور. قال: ونوّع عليهم العقوبات، وأحل بهم المتلات. فهذا جزاء معجّل، ونموذج من جزاء الآخرة. نموذج، يعني مثال مصغر من جزاء الآخرة. أراه الله عباده ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. فانظر الآن كيف أن الكفار والعصاة يعيشون في عذاب، ويعيشون في ضنك من العيش، هذا بسبب كفرهم وطغيانهم، هذا جزاء على كفرهم وطغيانهم. وأهل الإيمان يعيشون في راحة وسعادة وطمأنينة وراحة. ونحو ذلك. قال: ومن ذلك ما أراه الله عباده من إحياء الأموات في الدنيا. هذا أيضاً يدل على عظيم قدرة الله. رأى أو أراه الله عز وجل بعض عباده هذه القدرة وهذا الأمر، وهو إحياء الموتى، وأخبرنا الله عز وجل ببعض تلك الحكايات أو تلك القصص التي وقعت في الأمم السابقة. من ذلك قال: كما ذكره الله عن صاحب البقرة. فصاحب البقرة لما قتل، وما يدرون من الذي قتله، فالله عز وجل أمرهم أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوه ببعضها. طيب، فأحياه الله مميتاً، خلاص تحققوا من موته، أحياه الله في الدنيا أمامهم، فنطق بالحق والشهادة، ثم مات، رجع في موته. إذن الله عز وجل أحياه في الدنيا، هذا يدل على أن الله قادر على كل شيء. أراهم هذه الآية وهذه القدرة في هذه الدنيا قبل الآخرة. هذا مثال. مثال آخر: الألوف من بني إسرائيل، كما جاء أيضاً في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. ألوف ماتوا ثم أحياهم الله. هذا في الدنيا وقع، وهذا من قدرة الله عز وجل. فالله عز وجل قادر بعد موت هؤلاء أن يحييهم، كما أحياهم في هذه الدنيا بعد موتهم. هذا مثال ثانٍ. مثال ثالث: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، أيضاً في سورة البقرة. هذا كلها جاءت في سورة البقرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾. انظر، ختمت الآية: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ على سبيل العموم. فدل ذلك على أن ما تقدم إنما هو أحد قدرة الله سبحانه وتعالى. هذا تجده في آيات كثيرة. لما يذكر الله عز وجل شيئاً من أحد قدرته، يختم الآية بعموم قدرته: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾. كم آيات ستمر بك في القرآن بهذا؟ هذه الآية، والآية التي تقدمت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾. أيضاً الآية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فإذا خلق السماوات وهذه السبع السماوات والأرض، إنما هو أحد قدرة الله. تعلمتم هذا الآن. طيب. وأيضاً قصته: قصة إبراهيم الخليل والطيور. لما قال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي امتلك هذه الأربعة. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾، يعني ذبحها وجزأها، وجعل على كل جبل جزء، فرقها. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾. ادعو هذه الطيور، يأتينك سعياً. كل جزء من هذه الطيور يأتي ويتركب في صاحبه، حتى تصير كما كانت، حتى تصير كما كانت. هذا في الدنيا يدل على عظيم قدرة الله. أليس هذا القادر العزيز العظيم سبحانه وتعالى بقادر على أن يحيي الموتى؟ لا شك ولا ريب، لا شك ولا ريب. قال: وإحياء عيسى بن مريم للأموات، كما في سورة آل عمران: ﴿وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى﴾. وهو مؤيد بمعجزة من الله عز وجل. من الذي أقدره على ذلك؟ الله سبحانه وتعالى. ولذلك ما يستطيع أحد غيره أن يحيي الموتى، أن يحيي الموتى. فإنما هذا أمر يعني الله سبحانه وتعالى أقدره عليه، أقدره عليه. قال: وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار، أي في الدنيا، ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار سبحانه وتعالى، وأن العباد لا بد أن يردوا دار القرار، إما الجنة أو النار. فالجنة للمؤمنين المتقين الطائعين، والنار للكفار المشركين العاصين. قال: وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة، والله أعلم. يعني في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، يعني المواضع التي بها قرر الله سبحانه وتعالى أمر المعاد، أمر المعاد. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.